الجزائرتقاريرشؤون مغاربية

ثورة المخرجين الشبان في الجزائر

 

 

سنة 2004، بعد قراءته في إحدى الصحف لإعلان لنادي السينما التابع لجمعية “كريساليد” الثقافية، دخل الشاب حسان فرحاني، الذي كان يبلغ من العمر 18 سنة آنذاك، في غرفة متعددة الأغراض في المركز التجاري في رياض الفتح بالجزائر العاصمة. وفي هذا الإطار، قال فرحاني “لقد وقع بصري على ملصقة فيلم “ثاي لاين لاير تراينغيلار” للمخرج ستان براخاج”. وبشيء من الارتباك بدأ فرحاني بزيارة الموقع بشكل متكرر كل يوم جمعة.

بعد سنوات، أصبح فرحاني وأصدقاؤه في نادي السينما يمثلون جدار الصد الجديد للسينما الجزائرية، التي خصص لها “سيناميد”، المهرجان الدولي للسينما المتوسطية في مونبلييه، برنامجا خاصا من 20 إلى 28 تشرين الأول/ أكتوبر.

حيال هذا الشأن، أورد كريستوف ليبارك، مدير المهرجان والأمين العام لأسبوعي المخرجين، “لقد شرعنا في توثيق الأفلام القصيرة في الجزائر منذ بداية الألفية الثانية، أي بعد الحرب الأهلية في الجزائر. وتتميز هذه الأفلام بمشاعر فياضة بلغت اليوم درجة عالية من المثالية ليتم اختيار عرضها في أكبر المهرجانات الدولية”. وقد كان من بين الأفلام المعروضة فيلم “رخاوة” لصوفيا دجاما، و”قبل أيام” لكريم موساوي و”طرزان” و”دون كيشوت ونحن” لحسان فرحاني.

صور جميلة لجزائر مشوشة:

بعد مرور 42 سنة عن تسلم محمد الأخضر حمينة السعفة الذهبية عن فيلمه الملحمي “وقائع سنين الجمر”، الذي نقل أهم معالم الحرب الجزائرية، لقيت هذه اللوحات العاطفية والمعاصرة التي تصور جزائر مشوشة ترزح تحت القمع انتشارا واسعا بسبب الصبغة الرسمية التي حملتها.

بالنسبة لحسان فرحاني، صوّر الفيلم الوثائقي الإبداعي “في رأسي دوار”، الذي نافس في سباق الجائزة الكبرى في مهرجان مرسيليا للفيلم الوثائقي، أكبر مسلخ في الجزائر خلال فترة استراحة العاملين فيه. بينما جاب فيلم “محبوبي” لصوفيا دجاما، الحاضر في مسابقة هذا العام في مدينة البندقية، و”عودة السنونو” لكريم موساوي (الذي سيعرض في قاعات السينما في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر) شوارع البلاد ليعرض مختلفة وجهات نظر الأجيال الجزائرية. في المقابل، اقتبست القصة الرائعة “قنديل البحر” لداميان أونوري، التي عرضت في أسبوعي المخرجين لسنة 2016، من الأساطير اليونانية غورغون من أجل التصدي للعنف ضد المرأة.

في شأن ذي صلة، أورد الصحفي سمير عرجون، الذي عمل لمدة 15 عاما في ظل السينما الجزائرية، “يتطلع هؤلاء المخرجين الشبان لما أسميه الصورة المفقودة. فالجزائر تفتقر لصورة وفاة الرئيس محمد بوضياف، الذي عاش داعما لبناء نظام ديمقراطي، ولصور اغتياله في 29 تموز/ يونيو سنة 1992، وسماع دوي طلق ناري بعيدا عن الأنظار. ثم نراه في خطاب كامل عندما سمع ضوضاء من خلفه، قبل أن يلتفت نحوه. ثم تمر الكاميرا مباشرة نحو الجمهور. لذا تحتاج الجزائر اليوم إلى أن تمثل نفسها على أنها ديمقراطية وحرة”.

لكن، كيف تنتج صورة تعكس كل ذلك في بلد لا توجد فيه صناعة السينما؟ فبعد الأزمة الاقتصادية خلال الثمانينيات، أغلقت آخر دور السينما لأسباب أمنية، إذ لا يوجد في الجزائر سوى 40 قاعة سينما فقط. وفي هذا الصدد، قال داميان أونوري “عندما عاد السلام، انتقلنا إلى سياسة الحدث”، حيث يتم تنظيم العروض، لكن الأفلام لا ترى النور”.

على الرغم من الربط بين المسرح السينمائي ومواقع الفجور، ظلت الجزائر محبة للأفلام. فقد عرضت المئات من نوادي السينما بشكل منتظم أفلامها في جميع أنحاء البلاد، وظلت تلك الأندية مفتوحة للعموم في ظل الأوضاع الصعبة.

 بعد سنين من المثابرة، أصبح اللقاء السينمائي في بجاية، الذي تأسس سنة 2003، ضرورة لا بد منها. وحيال هذا الشأن، قال أحد مؤسسيه وهو عبد النور حوشيش، الذي تجنب في البداية تسمية اللقاء بالمهرجان هروبا من المواجهة مع وزارة الثقافة الجزائرية، “كان من الضروري أن يعقد المخرجون الشباب الجزائريون اجتماعا سنويا يمكنهم من مواجهة الإنتاج الأجنبي”.

الثقل الإداري:

فيما يخص هذا الموضوع، أفاد حسان فرحاني “إن انهيار سعر برميل النفط لم يعد يسمح للوزارة بمنح ما يعادل خمسة ملايين يورو لدعم فيلم لا يباع في الخارج”. ومنذ وصوله إلى الحكومة سنة 2013، أجرى وزير الثقافة، عز الدين ميهوبي، تغييرا هاما في مساره من خلال تنويع المستفيدين من الإعانات. ومع ذلك، لا يزال الوضع معقدا.

على طريقة مرزاق علواش، الذي أحدث ثورة في السينما الجزائرية بصدور فيلمه الأول “عمر قتلته الرجلة” سنة 1977، بدور بطولة يتسم بالشجاعة والمشاكسة، أظهرت سيناميد ردة فعل عكسية، وأجبرت المخرجين الشبان على المضي قدما لإبداء رفضهم وخوض المعركة. فتحول فرحاني إلى تصوير المسلخ في الجزائر العاصمة مع صديقه جمال كركار.

في ظل ندرة الأفلام، أصبح الإنتاج المشترك مع فرنسا وبلجيكا وهولندا ولبنان وقطر وحتى الصين أمرا أساسيا. وفي هذا السياق، قال كريم موساوي إنه من المهم أن يخفف الجانب الجزائري من وطأة الرقابة الإدارية، وأتفهم جيدا الوضع عندما يغضب شريك لنا على خلفية منع الجمارك الجزائرية دخول لاقطات صوت للبلاد ظنا منها أنها أجهزة اتصال لاسلكي”.

رغم الصعوبات، لا تزال الرغبة في التحول نحو الأفضل حية. وفي هذا السياق، أفادت عديلة بن ديمراد “لدينا جميعا الرغبة في العمل المشترك حتى نسمع صوتنا”. بينما أورد موساوي “يمكن أن تكون الجزائر أرضا خصبة لتصوير الأفلام”، فخلال تصوير فيلم ‘انتظار السنونو’ أحضر لنا سكان المدن التي كنا نصور فيها الكعك ودعونا إلى زيارتهم في ديارهم”، كما قدم لهم أحد رجال الشرطة سيارته في شكل إعارة.

المصدر: صحيفة لوموند

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق