تونسرأي

أي تعدّدية للإعلام العمومي في تونس؟

 

 

صدر في أكتوبر/ تشرين الأول الحالي تقرير الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، المتعلق برصد التعددية السياسية في القنوات التلفزيونية والإذاعية. وتضمن تفاصيل واسعة بشأن حجم الحضور الإعلامي للأحزاب والشخصيات الرسمية وممثلي مؤسسات الحكم. ويندرج التقرير في صلب العمل الرقابي للهيئة، كما نص عليه المرسوم الذي تأسست في إطاره.

وحيث إن مراقبة أداء وسائل الاتصال المختلفة تهدف إلى “إبراز مدى التزام المنشآت السمعية البصرية بالمبادئ والقواعد السلوكية والمهنية التي تنظم القطاع، بما يسمح بضمان حرية التعبير وتكريس مبدأ التعدّدية في الأفكار والآراء، والتأكيد على ضرورة ضمان نفاذ مختلف الفاعلين السياسيين للمنابر الإعلامية على قاعدة الإنصاف”. وتركز هذه المقالة على ما ورد في التقرير بخصوص التعدّدية السياسية في التغطية الإعلامية للقناتين التلفزيونيتين الحكوميتين، لجملة من الأسباب، أهمها أن هذه القنوات تتمتع بميزانيات كبيرة، تدفعها الدولة من جيوب دافعي الضرائب، وهو ما يفرض عليها تقديم خدمة مناسبة لمجمل الجمهور المتلقي.

ومن ناحية أخرى، أصبح الإعلام المرئي العمومي يتمتع بحرية واسعة بعد الثورة، وهو ما يمنحه فرصة أكبر للتأثير والتوجيه، إذا أتقن عمله، واستطاع أن ينضبط لما هو مطلوب منه من موضوعية وشفافية وعدل في توزيع التغطية الإخبارية، ومنح فرصة الظهور لجميع القوى السياسية على قدم المساواة، على الأقل من الناحية النظرية.

غير أن ما يكشف عنه تقرير الهيئة هو وجود جملة من الإخلالات في أداء الإعلام العمومي التونسي، ويمكن توضيحه في جملة من النقاط، أهمها أن الأداء الإعلامي للقناتين كان متفاوتا من حيث التغطية والتوجهات، وإن كانت هناك ملاحظات عامة تتعلق بالحيّز الزمني لمداخلات الفاعلين السياسيين على القناة الأولى (تونس1)، حيث حظي ممثلو الحكومة بالنصيب الأوفر الذي بلغ 48.59%، ولتأتي بعدها، من حيث النسبة، مداخلات الفاعلين السياسيين المنتمين للأحزاب البرلمانية التي بلغت 46.31%.

وفي المقابل، لم يكن نصيب ممثلي الأحزاب غير البرلمانية من الحضور الإعلامي ليزيد عن 0.99% على الرغم من العدد الكبير للأحزاب التونسية غير ذات التمثيلية النيابية. وفي المقابل، تخصص القناة العمومية الثانية (تونس2) غالبية الوقت للأحزاب البرلمانية، بنسبة تصل إلى 87.90%. وتأتي بعدها المداخلات الحكومية بنسبة تصل إلى 12.10%، فيما تغيب الأحزاب غير البرلمانية عن المشهد تماما.

ومن الممكن تبرير هذا التفاوت الحاد في تغطية القناة الثانية للنشاط السياسي في أن اختصاصها هو في نقل فعاليات جلسات مجلس النواب، وهو ما يعني غياب الأحزاب غير البرلمانية عن الصورة.

غير أن هذه التغطية غير العادلة لنشاط الأحزاب وغياب التوزيع الزمني العادل، بما يضمن حضور ممثلي كل القوى السياسية على الشاشات الرسمية، تنعكس من حيث التفاوت بين الأحزاب البرلمانية نفسها، حيث يصعب أحيانا فهم، فضلا عن تبرير، تخصيص حيّز زمني واسع لقوى دون قوى أخرى، على الرغم من تفاوت حجمها النيابي.

فالقناة الثانية على سبيل المثال تخصص النسبة الأهم من الحيّز الزمني لممثلي الجبهة الشعبية اليسارية، بنسبة تصل إلى 71.43%، فيما يحل حزب نداء تونس (الحاكم) في المرتبة الثانية، بنسبة تصل الى 23.24% من الوقت، بينما تحل حركة النهضة في المرتبة الأخيرة بين الأحزاب البرلمانية بنسبة لا تزيد عن 0.22% من الحيّز الزمني العام المخصص لمداخلات الفاعلين السياسيين.

وإذا كان من الممكن فهم المسألة بوصفها علامة على التنوع في التغطية الحزبية، عندما يحل حزب معارض في مقدمة التغطية السياسية، إلا أنه من الأكيد أنه يثبت مدى حضور عناصر اليسار في القنوات الرسمية، وتسخيرهم الإعلام خدمة لتوجهاتهم الحزبية، وإلا كيف نفهم تغييب قوى معارضة برلمانية أخرى فاعلة، مثل التيار الديمقراطي، ولماذا يتم استهداف حركة النهضة تحديدا، على الرغم من عدد نوابها الكبير في البرلمان، دع عنك أن يتم منح الفرصة لمداخلات السياسيين التابعين لحزب الحراك الذي يتزعمه منصف المرزوقي.

أما القناة الأولى، وهي الأكثر انتشاراً وحضوراً في المشهد البصري التونسي، فإنها في تخصيصها للحيز الزمني لمختلف القوى تحاول إيجاد نوع من التوازن من دون جدوى، حيث تحل حركة النهضة أولا بنسبة 23.79% وقريبا منها الجبهة الشعبية اليسارية بنسبة 19.86%، وغير بعيد عنهما حزب نداء تونس بنسبة 18.38%، ويليهم حزب مشروع تونس بنسبة 11.71%. وكالعادة يتم تغييب حزب حراك تونس الإرادة بنسبة تقارب الصفر وتتقدمه أحزاب أخرى صغيرة.

فالمشهد العام من الناحية الإعلامية، وكما تكشف عنه إحصائيات الهيئة، يدل على حالة من غياب الإنصاف في تخصيص وقت للقوى السياسية المختلفة. وعلى الرغم من أنه لا يمكن إنكار تحرر وسائل الإعلام الرسمية من هيمنة الحزب الواحد والخطاب الخشبي لسلطة الاستبداد زمن بن علي، إلا أنها وقعت تحت هيمنة لوبيات (أو رقابة) العاملين فيها الذين يخدمون توجهات الأحزاب التي ينتمون إليها من دون مراعاة مسألة أساسية، وهي أن الإعلام العمومي ينبغي أن يكون شفافا ومعبّرا عن كل التوجهات الحزبية والسياسية الرسمية والمعارضة من دون انحياز أو توظيف، وهو الأمر الذي يلاحظ أن هذه الوسائل الإعلامية الرسمية لا زالت بعيدة عنه. أما وسائل الإعلام الخاصة، فقد لعبت دورا سلبيا في عودة الثورة المضادة، وخدمت أجندات الجهات الممولة لها، وتستحق تحليلا خاصا بها، انطلاقا من إحصائيات الهيئة، وذاك حديث آخر.

سمير حمدي _ العربي الجديد 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق