تحاليلتونس

هل تقودالأزمة الاجتماعية إلى ثورة تونسية ثانية؟

 

 
أعاد موضوع الهجرة غير الشرعية للشباب التونسي الذي يبحر عبر قوارب الموت للوصول إلى السواحل الإيطالية بحثًا عن الفردوس الموعود في البلدان الغربية، المسألة الاجتماعية إلى الواجهة الرئيسية في المشهد السياسي التونسي. فقد أصبحت التحركات الاحتجاجية هي الاسلوب والمتنفس الوحيد للشباب الذي يشكل 30في المئة من المجتمع التونسي ،لحل مشاكله الاجتماعية .فقد تطورمنسوب الاحتجاجات الاجتماعية في كل المناطق التونسية لتبلغ خلال التسعة أشهر الأولى من سنة 2017 أكثر من ثماني آلاف أحتجاج نتيجة التدهور الكبير للمؤشرات الاقتصادية الرسمية مع ارتفاع نسب الفقر والفقر المدقع والبطالة وتضخم حجم الديون مقارنة بالناتج الداخلي الخام إضافة الى الارتباك السياسي في التعاطي مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة وغياب الحرفية والخطاب المطمئن حول مستقبل البلاد.

وقد لوحظ في تونس خلال السنوات السبع ما بعد ثورة يناير 2011، اتساع ظاهرة الهجرة غير الشرعية بشكل كبير إلى السواحل الأوروبية الجنوبية، في ضوء تفاقم المشاكل الاجتماعية التي أصبحت معقدة أكثر،وتبخر آمال الشباب التي تاهت وسط المعارك السياسية في ظل تواصل نفس منوال التنمية القديم وتواصل تهميش وتفقير الجهات الداخلية.ورغم أن الدول الأوروبية الجنوبية وضعت قيودًا شديدة على الهجرة غير الشرعية القادمة من الضفة الجنوبية، لأنها أصبحت تشكل خطورة كبيرة على حياة الشباب المهاجر حيث غالبًا ما تتم هذه الهجرة عبر قوارب صغيرة ، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى غرق وموت محقق لعدد من هؤلاء المهاجرين،فإنّ الهجرة غير الشرعية للشباب التونسي استمرت بقوة.

فقد اعتبر المحلل والباحث حسان قصار أن هجرة 22 الف مهاجر غير شرعي في سنة 2011 كان ناتجًا عن انحلال أجهزة الأمن .ثم أن مراقبة الحدود البحرية لم تعد أولوية لقوات الأمن الوطني، وحينها كانت شبكات التهريب في أوج نشاطها مع ارتباطها الوثيق بالمهربين في ليبيا والتي تنشط بشكل ملحوظ كلما توفرت نقاط عبور آمنة لعمليات اجتياز الحدود خلسة ،مشيرًا إلى أن عددًا هامًا من هؤلاء اصطدموا بواقع أوروبا الحقيقي ويعملون على العودة وتوفيرحد أدنى من مصاريف شخصية من تكاليف السفر وغيرها.

وتعود أسباب ظاهرة الهجرة التونسية غير الشرعية إلى الدول الأوروبية الجنوبية، إلى التباين الواضح بين المستوى الاقتصادي في الدولة التونسية الطاردة لشبابها، و الدول الأوروبية المستقبلة، هذا التباين هو نتيجة لغياب منوال تنمية جديد تنتهجه الدولة التونسية في مرحلة ما بعد الثورة،التي لا يزال اقتصادها يعتمد على السياحة و الفلاحة، وهما قطاعان لا يضمنان استقرارًا للتنمية، لارتباط الأول بأحوال البلدان الأوروبية ، والثاني بالأمطار.إضافة إلى ذلك تعتبر البطالة إحدى أخطر المشكلات الاجتماعية التي تواجه الحكومات التونسية المتعاقبة منذ سنة 2011، ولغاية الآن، وتقدر نسبة البطالة في تونس بين 15و 17في المئة،ممايزيد رقم العاطلين عن العمل إلى مليون نسمة،مما يقطع بأن البطالة أحد الأسباب القوية لتنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية للشباب التونسي إلى أوروبا.

وتتعرض الحكومة التونسية لانتقادات كبيرة من جانب الأحزاب السياسية المعارضة ومنظمات المجتمع المدني ، من جراء تطبيقها الحلول الأمنية المنتهجة في التعامل مع الهجرة غير الشرعية ،والتي تتم بضغط من الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى إلى أن تكون تونس حارساً لسواحله الجنوبية، إضافة إلى الفشل الذريع في السياسة الاقتصادية والاجتماعية خاصة في مجال التشغيل ورعاية الفئات الهشة.

لقد أغرقت الثورة التونسية البعض في التفاؤل القائم على التمنيات، وليس على الوقائع،فقد ظلت أركان الدولة الوطنية التي أرساها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة راسخة،فلم تتغير بانتقال السلطة إلى بن علي في 7نوفمبر 1987،الذي استمر في السلطة لثلاثة وعشرين عامًا،ومع رحيله في 14يناير 2011، استمرت الدولة البورقيبية ، بالرغم من تغير النخب الحاكمة.وقد كان من عجائب هذه الثورة، أن ينتخب الشعب التونسي ، أحد أركان نظام بورقيبة رئيسًا للجمهورية التونسية في أول انتخابات رئاسية ،وانتخاب حزب «نداء تونس» الحزب الأول في الانتخابات التشريعية، علمًا أنّه يُعَدُّ استعادة ثأرية لحزب «التجمع المنحل»في مارس 2011.

فلا الرئيس التونسي الجديد قادر على إعادة بناء الدولة الوطنية التونسية في عهد الجمهورية الثانية، ولا الإئتلاف الحاكم المتكون من حزبي «النداء» و «النهضة»،الذي يعتنق الليبرالية الاقتصادية، وينتهج نهج التبعية للغرب، قادر بإصلاح النظام الاقتصادي الذي يقود إلى إصلاح النظام الاجتماعي.فلا يجوز للحكومة التونسية أن تظل متمسكة بنفس النموذج الاقتصادي الذي أثبت إفلاسه تاريخيا،ولم يعد قادرًا أن يحقق التنمية الاقتصادية المستدامة.

ولكن الحكومة التونسية مطالبة بإحداث تغيير حقيقي وجوهري في منوال التنمية،يعتمد على الطبقة الوسطى بوصفها تمثل العمود الفقري للمجتمع التونسي، وبلورة برامج التنمية الاقتصادية التي تحقق أهداف الثورة في التنمية المستدامة ،والعدالة الاجتماعية، وتقاسم الثروة مع مراعاة مصالح الطبقات الفقيرة، وإحداث تغيير حقيقي في توازن المكونات الطبقية للمجتمع التونسي،وفي بنية العلاقات الاجتماعية ، لمصلحة الطبقة الوسطى، باعتبارها رائدة التحديث والقادرة على بناء ديمقراطية حقيقية وفعلية، وإنجاز برامج التنمية الاقتصادية نحو معطيات تؤدي إلى التماسك الاجتماعي.

فهذا النمط من البرامج يجب أن يقوم على تطبيق الحكومة التونسية القانون على كل المتهربين من الضرائب ،وعلى أصحاب الثروات لتوفير موارد إضافية لميزانية الدولة لسنة 2018، حيث أن هؤلاء الأثرياء لايلعبون دورًا بـارزًا في الاستثمارأو دفع الرسوم والضرائب في حـــــين أن الموظفين يدفعون أكثر من 80 من الضرائب، ومن غير المعقـــــول أن يضحي طرف فقط لأن التضحيات تقسم كل حسب مقدوره ،واعتمادإجراءات استثنائية تلزم القطاع غير المنظم، وخاصة التجارة الموازية بالمساهمـــــة في تحمل العبءالضريبي،وبضرورة العمل على إرجاع مستحقات الدولـــــة في المجال الضريبي والديواني ومقاومة التهرب الضريبي،وتوسيع الحرب على الفساد لاستخلاص ديون الدولة المتخلدة بذمة عديد الأطراف والتي تبلغ سبع آلاف المليارات من الدنانير،والقيام بمعالجة دقيقة وحقيقية لملف الدعم حتى يستفيذ منه مستحقوه وليس الطبقة الثرية وأصحاب المشاريع الربحية (المقاهي – النزل – المطاعم – المصانع(،والضرب بقوة على أيادي المحتكرين والمضاربين الذين ألهبوا الأسعار،والنظر في أزمة المؤسسات العمومية التي أصبحت تمثل عبءا على الدولة دون التسرع في خوصصتها،والانفتاح الاقتصادي الشامل والواسع وعدم الاكتفاء بالارتباطات التقليدية لتونس في مجالات التصدير والتوريد والسياحة والاستثمار الأجنبي ومزيد تحريك الديبلوماسية الاقتصادية في هذا المجال.

لا شك أن هذه البرامج تقود إلى توسيع الطبقة الوسطى ، وحماية الطبقات الشعبية الفقيرة ذات الوعي الوطني ، واستكمال سيادتها، مقابل عدم إيلاء كل الأهمية وخدمة مصالح الطبقة الرأسمالية الطفيلية، كما تفعل كل الحكومات التي تعاقبت ما بعد الثروة، والتي أنهكت الطبقات الفقيرة والطبقة الوسطى المطحونة في ظل العولمة الليبرالية بالضرائب، الأمر الذي قاد إلى تدهورأوضاعها المعيشية، ماجعل العديد من المحللين يعتقدون أن تونس مقبلة على ثورة اجتماعية ثانية ،في ظل تنامي الحركات الاحتجاجية نتيجة تنامي التهميش والإفقار، وسياسة التجاهل التي تعتمدها الحكومة في تعاطيها مع كل الأزمات وخاصة الاقتصادية والاجتماعية منها.

توفيق المديني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق