الجزائرتقارير

ذكرى المصالحة في الجزائر: هبة من لا يملك لمن لا يستحق

 

قبل ثلاثة أيام مرَّت على الجزائر الذكرى الثانية عشرة للاستفتاء على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، فاحتفلت بها السلطة دون غيرها وبطريقتها الخاصة (لماذا الاحتفاء بالذكرى 12 وليس بالتي قبلها أو بعدها؟).

أثار ذلك الاستفتاء، الذي جرى يوم 29 أيلول (سبتمبر) 2005 الكثير من الجدل بين مؤيد له ومعارض بسبب سياقه ومضمونه والطريقة التي سوّقه بها رعاته في اتجاه واحد يمنع كل اختلاف أو خلاف.

السلطة استعملت كل الأساليب لخنق معارضي التصويت بنعم، وكل من تجرأ على طرح سؤال يشكك في الاستفتاء. ومنعت الرأي الآخر في وسائل الإعلام الحكومية وحتى بعض الخاصة أثناء الحملة الدعائية الممهدة للتصويت، فجرى كل شيء في اتجاه يذكّر باستفتاءات زمن حكم الحزب الواحد. علاوة على التشهير السياسي والإعلامي، لم تتردد السلطة في استعمال القانون («ميثاق السلم» المُستَفتى عليه تضمن بنوداً تمنع الضحايا وذويهم من المطالبة بالعدالة) لتحطيم الأصوات الرافضة بل ومساءلتها أمام المحاكم.

فرضت السلطة استفتاءها وميثاقها من باب أنه فيه خير عميم للبلاد والشعب وأن الباقي تفاصيل تُقلّب المواجع وتحيي البغضاء، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة والعدالة.

النتيجة: مجتمع كامل اقتيد إلى حرب أهلية طاحنة أحرقت الأخضر واليابس، دون أن يعرف كيف ولماذا، ثم أُخرج منها بعد سبع سنوات دون أن يعرف كيف ولماذا. لا أحد من القتلة والمجرمين تعرض للمساءلة القانونية، ولا أحد من الضحايا أُنصف. وُضعت العربة قبل الحصان، فصدر عفو قبل أن تصدر الإدانة، وقبل المحاسبة. لقد تساوى الجميع من حيث أنه لم يُنصف أحد رغم المظالم التي حدثت، ولم يُدَن أحد رغم الفظاعات التي هزت العالم. كان الهدف إنجاح الاستفتاء مهما كان الثمن، لأنه، ببساطة، ارتبط بسمعة الرئيس بوتفليقة وكبريائه الذاتي. ومن الكبائر، في منطق بوتفليقة، أن تُمسَّ صورته وسمعته بهزيمة في الاستفتاء ولو كانت رمزية.

كان ذلك الاستفتاء نكسة وبهجة في ذات الأوان: نكسة لعائلات عشرات الآلاف من الضحايا، وبهجة لكثير من القتلة والمجرمين من الجهتين. عائلات الضحايا مُنعت، بموجب «الميثاق»، من البحث عن الحقيقة والمطالبة بالعدالة. والقتلة أفلتوا، بموجب «الميثاق»، من المحاسبة ونالوا عفوا ينطبق عليه «هدية من لا يملك لمن لا يستحق».

ذلك «الميثاق» وتلك «المصالحة» وظروفهما شأن متروك للتاريخ. هناك أمر آخر اليوم يتمثل في التوظيف السياسي لتلك «المصالحة» من طرف فريق السلطة بشكل فجّ.

في نهاية الأسبوع الماضي، «احتفل» مع السلطة ببثِّ التلفزيون الجزائري صوراً من الأرشيف للحرب الأهلية تقشعر الأبدان لما فيها من بشاعة وتنكيل وخراب. بُثّت الصور في وقت الذروة بلا تنبيه وبعد مونتاج يزيد من هول مضمونها (بدل العكس)، مرفوقة بخطابات سابقة للرئيس بوتفليقة يروّج للمصالحة على طريقته.

بقليل من الذكاء كان صاحب فكرة بثّ الصور بقساوتها (وهو حتما من خارج مبنى التلفزيون)، سينتبه إلى أنها (الصور) تدين الرئيس و»مصالحته» وسياسته، لأن «مصالحته» قامت على العفو عن الذين ارتكبوا الفظاعات التي حملتها الصور.

لكن الحسابات السياسية أعمت العيون وقصر النظر حال دون أيّ تفكير سليم. فتلك الصور، بالشكل الذي بُثّت فيه، لم يكن لها أيّ داع اللهم توجيه رسالة سياسية لخصوم بوتفليقة (وقد أصبحوا كُثر مع مرور الوقت) وبالخصوص المطالبين بتفعيل المادة 102 من الدستور التي تنص على شغور منصب الرئاسة بسبب عجز الرئيس.

هي طريقة تحمل وجهين، الأول يكمن في بحث عن نوع من الشفقة والعطف نحو الرئيس من خلال القول إن الرجل الذين تنهشون لحمه اليوم هو الذي أخرجكم مما تشاهدون في الصور. والثاني فيه تهديد يكمن في القول إنكم، أيها الجزائريون، من دون هذا الرئيس ستعودون إلى ما كنتموه في تلك الصور. حتى في ذروة الابتزاز الذي مارسته السلطة الجزائرية على الجزائريين المطالبين بالتغيير في سياق أحداث الربيع العربي، لم تجرؤ على توظيف صور الحرب الأهلية كما فعلت نهاية الأسبوع الماضي.

في تلك الأيام خُيِّر الجزائريون صراحة وتلميحا بين التغيير، الذي جعله الخطاب الإعلامي والسياسي الجزائري مرادفا للمغامرة والخراب، والاستقرار الذي أصبح في الخطاب ذاته مرادفا لبوتفليقة.

صحيح أن موجة الثورات التي سُميّت الربيع العربي قد ولّت، لكن السلطة الجزائرية ليست أفضل حالا أو أكثر راحة مما كانت في 2011. اليوم، فوق الشلل السياسي والعقم الاقتصادي، هناك إفلاس مالي، وكلها وصفة لخوف عميق يعيشه الماسكون بزمام الحكم في البلاد لا سبيل لديهم لمواجهته إلا بورقة التخويف من فقدان الأمن وعودة الاضطرابات التي جرّبها الجزائريون في تسعينيات القرن الماضي. هنا مربط الفرس وهنا سر البحث في الأرشيف لتوظيف «مصالحة» مطعون فيها ومفروضة بالقوة ولم تتوفر على الحد الأدنى من تجارب المصالحة التي طبقتها دول في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

توفيق رباحي _ القدس العربي 2017/10/03

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق