تقاريرليبيا

«لوموند»: مدير مكتب القذافي يطمح إلى قيادة ليبيا

 

 

بينما يحاول القضاء الفرنسي إيجاد شهود ودليل يثبت تمويل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي للحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي خلال انتخابات الرئاسة في 2007، يسعى بشير صالح المدير السابق لمكتب الزعيم الليبي، الذي يشتبه القضاء الفرنسي في تورطه في هذا التمويل، إلى العودة الى بلاده وتحمّل مسؤولية سياسية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ ليبيا.

إنه الرجل الذي يرغب الجميع في أن يتكلم ويدلي بدلوه في الكثير من الموضوعات، وعلى الخصوص، بعض أصدقاء ساركوزي. لكن هذا الرجل السبعيني الأنيق لا يملك خياراً آخر غير الابتعاد عن الأضواء وانتقاء كلماته كلمة كلمة، على الرغم من الزوار الكثر الذين ترددوا على بيته المتواضع في جوهانسبورغ في جنوب افريقيا، حيث يعيش منذ خمسة أعوام، وبين هؤلاء الزوار باحثون عن كنوز حقيقية أو خيالية للقذافي، ووسطاء فرنسيون ودبلوماسيون ومحققون تابعون للأمم المتحدة، وجواسيس، وحتى قضاة فرنسيون، بينهم سيرغ تورنير وأود بوريسي، اللذان زاراه في أبريل الماضي، بغية سؤاله عما إذا كان القذافي موّل فعلا حملة ساركوزي.
في ذلك اليوم. احتوى صالح نفسه بالكاد، مفضلاً الصمت، ومن دون شك، كان يفكر في الأسرار السياسية المالية والدبلوماسية الكبيرة بين القذافي وفرنسا أيام حكم ساركوزي، ويمكن أن يكون تذكر أيضاً مصير صديقه شكري غانم وزير النفط الليبي السابق، الذي انتهى إلى عمق نهر الدانوب في فيينا في عام 2012.

تضاؤل الموارد المالية:

بتحفّظ شديد وحذر كبير، يقول صحافيا «لوموند» إن صالح حدد لهما موعدا للقائهما في آخر لحظة. كان ذلك في ملروز أرش، وهو مركز تجاري راقٍ في جوهانسبورغ، صباح الأحد من شهر سبتمبر، وها هو قد وصل وهو يقود سيارة مرسيدس رباعية الدفع.
كان الرجل يرتدي جينزاً وجاكيتا رياضيا أزرق اللون، ورغم وجوده في جنوب افريقيا فإنه قال: «لا أشعر بأني في المنفى، ولكن كرجل أعمال في فترة راحة، أنا خادم احتياطي لليبيا».
تبدو موارد «هذا الخادم» تضاءلت، وهو الذي كان يدير مليارات الدولارات في السابق، حيث طلب من قريب له دفع فواتير الكهرباء التي لم يسددها منذ اربعة اعوام.
بين الفترة والأخرى يزور مقرّبون صالح ويمنحونه بعض السيولة، وعن ذلك يقول: «ينقصني المال لأنني لا أزال دائما على اللائحة السوداء للاتحاد الأوروبي، وحساباتي التي تحتوي على أقل من 100 ألف دولار مجمدة».
وتعرض منزل صالح، الذي يقع في حي ساندتوم الراقي، الذي يقيم فيه هو وزوجته وأصغر أطفاله الـ 11، للسرقة من قبل لصوص، على حد تعبيره، على الرغم من أن الحي يحرسه رجال مسلحون ويشرف على مراقبته عملاء تابعون للاستخبارات الافريقية الجنوبية.

قضية فرنسية – ليبية:

يشعر صالح بالملل هنا، إنه ينام قليلاً ويصلي كثيراً، ولا يزال يحتفظ بذكرياته ودفتر عناوين معارفه وأرقامهم. كان صالح في ما سبق أحد مستشاري القذافي المتخصصين في أفريقيا، وخلال هذه السنوات، كان يتنقّل بحقائب ممتلئة بالكاش، موجهة إلى رؤساء الدول او معارضيهم، كما جعل منه الكولونيل ممثله في فرنسا لدى ساركوزي وأجهزة الاستخبارات وكبار المسؤولين المتحمسين للمال الليبي، خصوصاً أن صالح أدار محفظة الاستثمار الليبي الأفريقي، وهي احد أهم الصناديق السيادية في القارة السمراء، وبين عامَي 2006 و2009 استثمر أكثر من 5 مليارات دولار في افريقيا.

يتحدث صالح اليوم عن بلاده فيقول: «إنها كالأم المريضة، في حاجة الى علاجها حتى لا تُدفن». ويعتقد أن المسؤول عن هذه المأساة هو الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي: «لقد دمّر ليبيا، لم يؤمن أبداً بافريقيا، وكان يحتقر الافارقة، وهو اليوم عدو الشعب الليبي، وفرنسا ليس لها اي مصداقية، لا في ليبيا ولا في المنطقة» ويضيف صالح: «على القضاء الفرنسي ان يحاكم ساركوزي للضرر الذي سبّبه لنا بدلاً من بحثه عني من اجل قضية التمويل هذه».

لكن لماذا يرفض صالح الحديث عن الحملة الانتخابية لرئاسيات 2007؟ يقول: «حين جاء القضاة للقائي هنا أرادوا ان يطرحوا علي أسئلة شخصية، لكني لم أجب. إنهم يعتقدون أني الرجل الذي يمكن أن يقول لهم إني منحت المال لساركوزي، وإني موّلته، لكني لا أعرف شيئاً عن هذه القضية الفرنسية – الليبية، أعرف فقط أن ساركوزي لم يكن مهتماً بشعبي، ولم يفكر إلا في اعادة انتخابه وبيع طائرات الرافال، ثم يضيف: «القذافي قال إنه موّل ساركوزي. وساركوزي قال إن احداً لم يمول حملته الانتخابية، لكني أصدّق القذافي أكثر من ساركوزي».
يتذكر صالح ذلك الغداء الذي جمع في مزرعته في ضواحي طرابلس الوزير الاول البغدادي المحمودي وصديقه شكري غانم، الذي كتب في دفاتره التي وقعت بين يد القضاء الفرنسي أن صالح ادعى أنه ارسل الى ساركوزي مليوناً ونصف المليون يورو.

لكن بعد عشر سنوات، يقول صالح: «زارني البغدادي فعلاً، وكان غالباً ما يأتي لزيارتي، والأمر نفسه بالنسبة إلى شكري غانم، ولكني لا اتذكر أني قلت ما ذكره في دفاتره».

لكن رغم ذلك، أكد الكثير من الشهود الذين استمع إليهم القضاء الفرنسي أن صالح يعد من الشخصيات المهمة والمتورطة في عملية تمويل رجال السياسة الأوروبيين، وبين هؤلاء الشهود الوسيط اللبناني زياد تقي الدين، الذي أكد للمحققين عام 2013 أن صالح احتفظ بأدلة عن التمويل. وأضاف: «وفق معلوماتي، تتضمن هذه الوثائق تواريخ رحلاته الى فرنسا وتقارير زياراته وكذلك مجموع المبالغ المالية التي سلمت مباشرة إلى الأمين العام لقصر الإليزيه كلود غيون، بين عامَي 2007 و2011 وهذه المبالغ تصل قيمتها إلى 27.5 مليون يورو».

اندلاع الحرب:

اشتدت أوزار الحرب في ربيع 2011 مع بدء التدخّل العسكري الغربي في ليبيا في مارس. في ذلك الوقت، استولى مسلّحون معارضون للنظام الليبي على بيت صالح ومزرعته الواقعة على بعد 40 كيلو مترا عن طرابلس، مما دفعه الى اللجوء الى راعي غنم، قبل أن يعثر عليه إبراهيم المدني قائد ميليشيا الحي العربي الصغير في الزنتان.

كان كثير من المراقبين في الخارج يعتقدون ان صالح كان معتقلا في مقر يخضع للرقابة، لكن قائد الميليشيا سهر على راحته وعامله جيدا، لانه صديق له، لكن صالح كان في الوقت ذلك يعوّل على فرنسا وكلود غيون، الذي كان وزيرا للداخلية، للتفاوض ومساعدته للخروج برفقة عائلته من ليبيا.

كان عليه في البداية أن يجد وسيلة لمغادرة البلاد باتجاه تونس، ويقول: «غادرنا برّاً، ولم يتوقف محرك السيارة أبدا بين طرابلس وجربا التونسية».

انتقل صالح من جربا إلى تونس العاصمة، حيث كان السفير الفرنسي بوريس بوالون في انتظاره. قال صالح للسفير إنه مدين لفرنسا وساركوزي، وإنه سيبقى وفيًّا لهما مهما حصل، وفق ما ذكرته تقارير الاستخبارات الفرنسية.

الهروب إلى النيجر:

وبعد ثمانية أيام، وبالتحديد في 23 نوفمبر 2011، نُقل صالح سرا الى باريس، حيث وضعت شقة جميلة تحت تصرفه. في الشهور التالية نشط صالح كثيرا وكثف لقاءاته السرّية في فنادق فخمة في باريس، إلى أن عبّرت السلطات الليبية الجديدة ممثلة بالمجلس الوطني الانتقالي عن انزعاجها من حماية فرنسا لأحد اركان النظام البائد.

ومع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة، رتبت السلطات الفرنسية سرّا عملية ترحيل صالح الى النيجر، على اعتبار انه يحمل جواز سفر دبلوماسي نيجري، وتجمعه علاقة صداقة مع الرئيس محمودو إيسوفو.

مكث صالح شهرا واحدا في النيجر، قبل ان ينتقل الى جنوب افريقيا، حاملا أسرار سنوات قضاها إلى جانب القذافي، واليوم يقدّم نفسه في صورة الرجل الوحيد القادر على توحيد كل مكونات الساحة السياسية الليبية من الاسلاميين المتطرفين الى انصار القذافي، مرورا بزعماء القبائل الذين يتحدث معهم فترات طويلة عبر تطبيق «الواتس أب»، لكنه في المقابل نادرا ما يتحدث للصحافة، وإن حدث ذلك، فعن طريق وسطاء يهتمون بالامر، مثلما حدث عام 2013 خلال الحديث الذي ادلى به للنسخة الفرنسية من مجلة فانيتي فير أوجون أفريك، بعد اربعة اعوام.

فشل ساركوزي في الانتخابات التمهيدية التي اجراها حزب الجمهوريين، بسبب الفضائح السياسية المالية، وانسحب من السياسة، في انتظار ان يستمع القضاة لإفادته في شان الملف الليبي، في حين يرى صالح انه الانسب لرئاسة ليبيا، او قيادة دبلوماسيتها، ويسعى منذ أكثر من عام إلى تنظيم ندوة ينتظر ان تجمع في عاصمة افريقية 400 شخصية ليبية، والهدف التفاوض على السلام في ليبيا، وإقامة دولة جديدة، معتمدا في ذلك على الاتحاد الافريقي وعلاقته بالرئيس الكونغولي دنيس ساسو نغيسو الذي عُيّن على رأس اللجنة العليا حول ليبيا في الاتحاد الأوروبي.

وكان صالح أجرى جولة الى غرب افريقيا الفراونكوفوني، والتقى رؤساء الدول الذين موّل بعضهم للوصول الى السلطة في زمن القذافي، ويستعد لزيارة كل من مصر والجزائر والسودان برفقة عبدالحكيم بلحاج، الذي أصبح قائدا حربيا ورجلا سياسيا.

لوموند

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق