رأي

السبسي والجبهة الشعبية في تونس

 

ظلت العلاقة بين الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، والجبهة الشعبية اليسارية بين مد وجزر وحلف وقطيعة طوال السنوات التي أعقبت الثورة التونسية. وتأتي تصريحات الرئيس، أخيرا، لتصب مزيدا من الزيت على نار الصراع بين الطرفين الذي اندلع على خلفية صراعات سياسية متجددة، تعيشها تونس منذ نجاح ثورتها في إطاحة زين العابدين بن علي سنة 2011.

مما ينبغي الإقرار به قبل كل شيء هو براعة السبسي في نسج التحالفات، كما قدرته على نقضها، وهو يتصرف أحيانا، في تصريحاته المختلفة، بمنطق ردود الأفعال التي تبدو بوجه عام هجومية وحادة. وهو يستخدم هذا الأسلوب لإخضاع الخصوم، أو جلبهم إلى دائرة تأثيره بما يخدم وجوده في السلطة واستمراره فيها، فمنذ أن تزعم حزب نداء تونس الذي تأسس على يديه سنة 2012، اعتمد السبسي سياسة اللعب على التناقضات الإيديولوجية بين القوى السياسية المختلفة، وبشكل مكّنه من الصعود السريع في المشهد السياسي، مستفيدا من تحالفاته وعمق امتداداته داخل أجهزة الدولة. فإثر صعود الترويكا (حركة النهضة، المؤتمر من أجل الجمهورية، التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات) إلى الحكم بعد انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2011، وحصول الفراق بين الأحزاب التي كانت متحالفة من قبل في معارضتها نظام زين العابدين بن علي، أفلح الباجي السبسي في جذب قوى اليسار المتحالفة ضمن الجبهة الشعبية، ليشكل معها حلفا واسعا استهدف إطاحة الترويكا من الحكم، وهو ما تم بداية من سنة 2014 حيث حرصت الجبهة الشعبية على منح “نداء تونس” مشروعية الحضور السياسي، على الرغم من الشبهات التي كانت تحوم حول مؤسسيه، بوصفهم امتدادا للنظام الدكتاتوري السابق، وهو ما تجسّد في دعوة الجبهة في بيان شهير، في 11 ديسمبر/ كانون الأول 2014، إلى قطع الطريق انتخابيا على الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، الأمر الذي منح الفرصة لحزب نداء تونس أن يتغوّل في المشهد السياسي، ويستأثر بالرئاسات الثلاث.

غير أن حسابات التحالف بين الجبهة الشعبية و”نداء تونس” ما قبل الانتخابات، وفي مواجهة خصم سياسي مشترك، ضاعت أدراج الرياح بعد الانتخابات، والبدء في تشكيل حكومة “نداء تونس” الذي سارع إلى التحالف مع حركة النهضة، ضمن لعبة سياسية مصلحية، تكشف عن رغبة ثاوية في إيجاد حكومة توافقية، بعيدا عن اليسار الاحتجاجي.

وبعد هذه الخطوة التي قلبت المشهد السياسي رأسا على عقب، وجدت الجبهة الشعبية نفسها في خانة المعارضة، ولكن هذه المرة في وضع أضعف في غياب حلفاء فعليين، يمكنهم مقارعة التحالف الحاكم الجديد. وعلى الرغم من سعي السبسي إلى تشكيل ما سماها حكومة وحدة وطنية، اجتذب إليها عناصر سياسية مختلفة، فقد ظل موقف الجبهة عدائيا تجاهه، خصوصا مع استمرار تحالفه مع خصمها الإيديولوجي القديم، أعني حركة النهضة. ومن هنا، تصاعدت حدة الخطاب بين الطرفين، خصوصا على خلفية القوانين التي سعى رئيس الجمهورية إلى تمريرها عبر البرلمان.

وجاء التصويت أخيرا على قانون المصالحة الإدارية، ليدفع الأزمة الى مداها، بعد أن انتقد السبسي السلوك السياسي لنواب الجبهة الشعبية في البرلمان، ليصل به الأمر إلى حد وصف زعيم الجبهة حمة الهمامي ب “الفاسق”، وبأنه “لا يمكن أن يكون مرجعا للعقلاء”، وليزيد من شحنة السخرية الخطابية، عندما فسّر الفسوق بأنه وصف يطلق على الفأرة، الأمر الذي قابله رد من زعيم الجبهة الشعبية، من خلال التذكير بما سماها جرائم السبسي الحقوقية، وتورطه في تعذيب المعتقلين السياسيين، خصوصا من المنتمين إلى اليسار، زمن توليه وزارة الداخلية، وقبلها حين كان مكلفا بملف الأمن الوطني في أثناء حكم الرئيس الحبيب بورقيبة.

قابل السبسي هذه الاتهامات بأسلوبه الساخر، معتبرا أنه لا علاقة له بهذه الاتهامات ولم يتورط يوما في ممارسات مخالفة لحقوق الإنسان. على أن هذه التراشق اللفظي يكشف عن حالة التوتر التي تكتنف المشهد السياسي التونسي اليوم، خصوصا في ظل الصراع الحاد بين قوى السلطة وقوى المعارضة. على أنه، وعلى الرغم من مبالغات رئيس الجمهورية، وإفراطه في تقزيم معارضيه، ونعتهم بشتى النعوت، فإنه يظل مهيمنا على المشهد العام، نظرا لهشاشة المعارضة السياسية في تونس اليوم. ولا يعود هذا الأمر إلى قمعٍ من الدولة، وإنما إلى غياب البرامج لدى المعارضة اليسارية، وعجزها عن تمثل المشهد السيسي، بل وتورّطها في خطاب احتجاجي متشنج، يجعل المواطن الرافض سياسات الحكومة يتوجس أكثر من خطابات اليسار، ما يعني، في المحصّلة النهائية، أن المعارضة اليسارية ما زالت بعيدة عن أن تكون البديل الممكن للحكم الحالي. فأزمة المشهد السياسي التونسي اليوم مزدوجة بين نظام حكم يخلق الأزمات وعاجز عن حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الحادة ومعارضة فاقدة للأهلية وللبرامج وعاجزة عن التواصل مع الجمهور، من خلال خطاب عقلاني رصين، يجعلها تنال أصوات الناخبين في الانتخابات المقبلة. ويبقى المشهد على ما هو عليه، بتجاذباته وخلافاته وصراعاته، وهو ما يعبّر، في النهاية، عن نوع من الحيوية السياسية التي تعرفها البلاد منذ بداية انتقالها الديمقراطي.

سمير حمدي_ العربي الجديد 2017/10/02

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق