رأي

أخيراً… حفتر في تونس

 

 

لم يكن الاستعراض المسلح الذي قام به فريق حراسة اللواء خليفة حفتر موفقا في زيارته أخيرا إلى تونس. وخلافا لما خططت له دائرة الإعلام الموالية له، أثار بث الشريط القصير عنها تساؤلات ومخاوف لدى الأوساط التونسية، إذ سبق للرئيس صدام حسين أن نزل بثقله الأمني في مطار تونس قرطاج للمشاركة في فعاليات القمة العربية، لكن الرئيس بورقيبة اعترض على ذلك، ومنع الرجل القوي في تلك المرحلة من أن يكون مصحوبا بهيلمانه وصولجانه، مؤكدا له أن تونس دولة ذات سيادة، تتحمل مسؤولية حماية ضيوفها بدون المساس بالأعراف الدولية.

أدرك حفتر، أخيرا، أن تونس تعتبر من بين الأطراف التي يمكن أن تشارك في دعم التسوية السياسية بين الليبيين، إذ سبق له أن اعتبر التونسيين “شعبا جائعا”، إيحاء منه بأن تونس طامعة في الثروة النفطية الليبية، وأن هذا العامل محدّد لسياستها الخارجية ولعلاقتها بجارتها. وقد كان ذلك تصريحا مفعما بالإساءة والاستفزاز.

لا تبنى الدبلوماسية الجادة على المشاعر وردود الأفعال، وإنما تستند على المصالح والقواسم المشتركة. لهذا تعتبر ليبيا بلدا جارا، والتعاون مع أصحاب القرار فيها خيار استراتيجي، بقطع النظر عن هويتهم وأساليبهم في إدارة الشأن العام، ومن دون النظر إلى الطريقة التي وصلوا بها إلى السلطة أو سياساتهم في التعامل مع مواطنيهم. المهم أن يكونوا مستعدين للتعامل مع نظرائهم التونسيين، وأن يكونوا جادين في الامتناع كليا عن التدخل في الشأن التونسي، وأن يراعوا سيادة البلد ومصالحها الحيوية.

اختلف الوضع في ليبيا الآن مقارنة بما كان عليه بعد نجاح الانتفاضة ومقتل العقيد القذافي. رحبت تونس بنتائج الانتخابات الأولى التي نظمت في ليبيا، واعتمد الجميع نتائجها. لكن عندما حصل الانقسام الكبير بين شرق البلد وغربها، ارتبكت الدبلوماسية التونسية، حتى أنها عمدت إلى فتح مكتبين للخارجية، عساها أن ترضي طرابلس وطبرق. لكن محاولاتها فشلت، حيث أصبح الرعايا التونسيون مستهدفين بشكل مباشر من مليشيات الجانبين العديدة.

أدت المتغيرات الميدانية والإقليمية إلى صعود نجم اللواء حفتر الذي نجح عسكريا في إخضاع مساحة مهمة من الجغرافيا الليبية لنفوذه، كما أسهم، من جهة أخرى، في تحرير مواقع عديدة كانت تحت سيطرة تنظيمي داعش والقاعدة. وازدادت سلطته المعنوية والسياسية، بفضل دعم القاهرة وأبوظبي، إلى جانب نوع من الرعاية التي أصبح يتمتع بها من موسكو. وهكذا نجح حفتر في فك العزلة عنه، وأصبح، من المنظور الدولي، أحد اللاعبين الرئيسيين داخل ليبيا، ولم يعد بالإمكان تجاهله أو محاولة شطبه. وهو ما فهمه الأميركان والأوروبيون. وكان استقباله في باريس من الرئيس الفرنسي من المؤشرات المهمة والدالة على المكانة المحورية التي أصبح يتمتع بها الرجل، ما سمح له بتمرير بعض شروطه، مستثمرا، بشكل جيد، تعدد الصراعات الدائرة داخل المعسكر المنافس له، إلى جانب الأداء السياسي الضعيف لسلطة فايز السراج ومن معه، ومن هذه الشروط تعديل اتفاق الصخيرات.

في ظل هذا السياق الإقليمي والدولي الجديد، وتفاعلا مع مساعي المبعوث الأممي الجديد، غسان سلامة، نحو محاولة جمع مختلف الأطراف حول حوار جديد قد يؤدي إلى تسوية سياسية متكافئة ومدعومة من الجميع، على الرغم من تشكيك كثيرين في احتمال نجاح هذه المساعي، التسوية أصبحت ضرورية بعد فشل السلاح في إنهاء الأزمة، وإخراج البلاد من أجواء الحرب الأهلية. وهو الهدف الذي تريد أن تساهم تونس في تحقيقه في أسرع وقت، نظرا لأنه من شروط حماية أمنها القومي.

كانت زيارة حفتر إلى تونس قصيرة، وربما أداها اضطرارا أكثر من كونها اختيارا، لكنه في كل الأحوال لم يكن من مصلحته أن يقفز على هذا البلد الذي، على الرغم من تعثراته، يشكل الرئة التي يتنفس من خلالها مئات آلاف الليبيين، وتنظر إليه النخب الليبية بنظرة إعجاب لما يتمتع به من حرياتٍ عالية وخدمات أساسية.

صلاح الدين الجورشي 

المصدر: العربي الجديد، 2017/09/26

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق