رأي

تونس: المناهضون لقانون المصالحة والمدافعون عنه

 

توفيق المديني :
بعد جدل دام أكثر من سنتين صادق الإئتلاف الحاكم في البرلمان التونسي على «قانون المصالحة الإدارية »الذي ينص على وقف الملاحقة القضائية بحق مسؤولين سابقين متورطين في قضايا فساد، في ظل احتجاج قوى شبابية واستياء كبير في صفوف الكتل النيابية المعارضة..ويتيح القانون ببنوده الثمانية، الذي تمّت المصادقة عليه، لحوالي 1500 موظف في الدولة وأشباههم التمتع بالعفو في قضايا حصلت بين يوليو/تموز 1995 إلى يناير/كانون الثاني2011،وتتعلّق بـ«الفساد المالي جرّاء تنفيذ تعليمات سلطة العهد البائد».

الموظفون الذين شملهم قانون المصالحة في المجال الإداري الأخير، لاعلاقة لهم بالموظفين «الذين استفادوا» او اتهموا بالرشوة والذين يشملهم الفصل الثالث من مشروع قانون المصالحة الاقتصادية مثلهم مثل رجال الأعمال «المستفيدين» والذين فتح لهم المشروع باب تسوية وضعيتهم القانونية عبر مسار صلح قانوني مالي . ووضعية هؤلاء تختلف عن وضعية عائلة الرئيس الأسبق بن علي الذين صودرت أملاكهم ولديهم ملف خاص.أما بالنسبة للذين خالفوا «قانون الصرف» ولديهم أرصدة بنكية غير قانونية وأملاك غير مصرح بها في الخارج، فقد خصص الفصلان 7 و8 من مشروع القانون لهذه الفئة اي لرجال الاعمال الذين لديهم مصالح وممتلكات واموال في الخارج بصفة غير قانونية ..
وقد تصدر نواب المعارضة، لا سيما من كتلة الجبهة الشعبية عملية التصدّي لمشروع قانون المصالحة بهدف عدم تمريره و المصادقة عليه في البرلمان التونسي، معتبرين أنّ البرلمان اليوم بعد المصادقة عليه، قد وجّه طعنة إلى روح الثورة وكتب صفحة سوداء في تاريخ الانتقال الديمقراطي. فإقرار قانون المصالحة حتى في طابعه الجزئي يمثل انتكاسة في ضمير الشعب التونسي بعد الانقلاب المسجل على الدستور والمصادقة على وثيقة تبييض الفساد والتطبيع مع الفاسدين.وإلى جانب نواب المعارضة في البرلمان،عارضت حركات شبابية مستقلة ومنظمات المجتمع المدني،لا سيما النشطاء من منظمة «مانيش مسامح» (لن أسامح)، إقرار هذا المشروع ، وتظاهرت يوم السبت الماضي في العاصمة والمحافظات، بهدف اسقاط القانون. ولم يُسدل الستار بعد على مسار قانون المصالحة، لا سيما أن 35 نائباً وقعوا عريضةً للطعن في دستوريته بعد أن تمّت المصادقة عليه بغالبية 117 صوتاً. وسيُقدّم الطعن إلى الهيئة الموقتة لمراقبة دستورية القوانين (محكمة دستورية موقتة).

كما انضم الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة عمالية في البلاد) إلى جبهة القوى المناهضة ل«قانون المصالحة الإدارية» ، إذ قال إن «المصادقة على قانون المصالحة الإدارية تسامح مع مَن أخطأوا بحق المجموعة الوطنية وعقاب لمن رفضوا تجاوز القانون وتعرضوا إلى الاضطهاد، وهي عملية من شأنها أن تعيق أي تقدم في مجال العدالة الانتقالية المعطلة أصلاً منذ 4 سنوات تقريباً». وشدّد الاتحاد على «أهمية المصالحة في المرحلة الانتقالية على أن تكون قائمة على قاعدة المكاشفة والمحاسبة ثم المصالحة»، مشيراً إلى أن الغاية من هذا المسار هي القطع مع منظومة الفساد والتأسيس لمجتمع الديموقراطية والشفافية وسيادة القانون، وليست تشفياً في الأفراد ولا تبييضاً لفسادهم».

يعتبر المناهضون ل«قانون المصالحة الإدارية »من أجل العفو على «الفاسدين » مثالا سيئا لبقية الموظفين.فالإدارة التونسية تحتاج اليوم إلى ثورة لضرب المنظومة البيروقراطية بما يضمن عدم عودة منظومة الفساد، لأن الاستبداد يعتمد على البيروقراطية والفساد ومنح الامتيازات للذين يطبقون التعليمات . وكل هذه المعطيات تجعلنا نؤكد أن المصادقة على قانون المصالحة في المجال الإداري جاء خارج السياق .. فالمشكلة ليست في 7 آلاف موظف يتعرضون إلى مضايقات وإنما في المنظومة التي تهيئ الموظف للرشوة والفساد إضافة الى تبييض رجال الأعمال الفاسدين ومنحهم الأراضي بالمليم الرمزي ليتم بيعها بعد ذلك بالمليارات .فإذا قامت الحكومة التونسية بإصلاحات هيكلية يمكن لتونس بلوغ نسبة نمو سنوية بـ 4 و5 بالمائة خلال السنوات القادمة .ثم إن أولويات التونسي اليوم تتمثل في توفير الشغل والمقدرة الشرائية التي تدهورت بشكل كبير وغيرها من الملفات الحارقة التي تتطلب برنامج اصلاح هيكلي متكامل.أما أن نحول اليوم الوجهة من أجل العفو عن الموظفين المتورطين في قضايا فساد، ومع رجال أعمال فاسدين ،فهذا غير مقبول ولا معقول .فالشعب التونسي على يقين أنهم لن يكونوا رأس مال وطني باعتبار أن أموالهم متأتية من السرقة، فكيف يفسح لهم في المجال لتبييضهم بما يعبد الطريق لعودة منظومة الفساد .و ما دمنا لم نغير المنظومة والقوانين ونعمل على إصلاح حقيقي ،فإننا سنهيئ المناخ لعودة الفساد من جديد.

وبالمقابل ،يعتبر المدافعون عن هذا القانون أنه «سيعمل على طَي صفحة الماضي وتحرير روح المبادرة لدى الإدارة التونسية وتجاوز حالة الخوف لدى المسؤولين الإداريين من اتخاذ قرارات خشية تورطهم في قضايا فساد كما حدث في عهد بن علي حيث كانوا ينفذون تعليمات النظام من دون أن يكونوا فاسدين».ويرى حزب حركة نداء تونس أن المصادقة اليوم على قانون المصالحة الإدارية، الذي اقترحه رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي (مؤسس نداء تونس)، هو «مكسب تاريخي لا يوجد فيه منتصر ومهزوم بل فقط منتصر وحيد هو تونس».وحيّا حزب نداء تونس بقية الكتل البرلمانية التي صوتت لفائدة مشروع قانون المصالحة الادارية وقالت إن تصويتهم كان «بوعي وطني رفيع ومسؤول يبعث مجددا رسالة إلى العالم عن استثنائية النموذج التونسي في الذهاب بالانتقال الديمقراطي نحو مربع المصالحة والوئام الوطني بعيدا عن منطق العنف والاقتتال والفوضى»..

فالحكام الجدد لتونس اليوم يتصورون أنّ الدولة لابدّ أن تكون مرتكزة على «المحاصصة»الحزبيّة، تُسيّر بمنطق العصبيّة والغنيمة والولاء لمن حازوا الشرعيّة ومثّلوا الأغلبيّة ، من دون التفطن إلى خطورة التنكّر لوعود قطعوها حين صرّحوا أنّهم سيعملون جاهدين على تحقيق العدالة الاجتماعيّة و العدالة الانتقاليّة ومن ثمّ إرساء الدولة المدنيّة أو دولة المواطنة. و لم يعد خافياً على أحد،أن الرئيس الباجي قائد السبسي ، بطرحه الإصلاحات الاقتصادية “الموجعة”تحت غطاء موضوع المصالحة الوطنية،يتناقض كليا مع مع البرنامج الاقتصادي و الاجتماعي ل”حزب نداء تونس” الذي كان يتزعمه منذ عملية تأسيسه و لغاية انتهاء الانتخابات التشريعية و الرئاسية، و الذي اختاره بفضله جزء من الشعب التونسي.

ومن بين المؤيدين بقوة لموضوع إقرار قانون المصالحة المصالحة الوطنية التي دعا إليها رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية ، الذي أكّد في حوار إذاعي، أنّه يؤيد فكرة طي صفحة الماضي، مُشيراً أنّه مع المصالحة الوطنيّة الشاملة التي تتقدمها المحاسبة.وأشار راشد الغنوشي إلى أنّ المحاسبة يجب أنّ لا تكون بنية الانتقام بل بنية التجاوز والاتجاه الى المستقبل بصف تونسي واحد و يد واحدة في مواجهة الإرهاب، وذلك وفق تعبيره.

يبقى أن أعظم جرائم نظام بن علي السابقة ، تقع في الحقل الاقتصادي، و هنا يدور اختبار أساسي لتحقيق أهداف الثورة، و المصالحة الوطنية،فقد اتضح أن أوساط المال والأعمال مسؤولة جداً عن مساندتها للنظام السابق، وأسهمت في تعميق الهوة بين الفقراء والأغنياء. ومن هنا ،فإن تحصين الثورة يبدأ ليس بالإقصاء لطرف سياسي ، لأن هذا الإقصاء جزء من عملية التطهير الستالينية الشمولية، بل يجب اعتماد ضريبة للنمو، تفرض استثنائياً على الشركات والمداخيل الخاصة، إضافة إلى ضرورة تطبيق قانون العدالة الجبائية على فئة كل رجال الأعمال مع مفعول رجعي على أرباح مؤسساتهم، و توظيف هذه الأموال في استثمارات منتجة تخدم مشاريع التنمية في الولايات الفقيرة والمهمشة .

ولهذا السبب عجزت حركة النهضة عن مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تونس في زمن ما بعد الثورة، لأنها لا تعرف حاجات الشعب التونسي الاقتصادية والمعيشية فلم تهتم بها،وأخفقت أيضاً في بلورة خطة حقيقية للتنمية المستدامة تقطع مع نهج التبعية، فحافظت على عقد الصفقات المشبوهة مع الليبرالية الجديدة المتشكلة من نهابي مرحلة بن علي المخلوع،و تركت البلد للأغنياء الذين سبق أن مارسوا جميع أنواع النهب في عهدالنظام السابق،واعتمدت على الاستثمارات الأجنبية وعلى السياحة، وعلى ما يرد من دول أجنبية وشركات خاصة دون أن تقدم برنامجاً لعمل الإنتاج الزراعي والصناعي، أو حتى الخدمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق