رأي

استقبال الباجي قائد السبسي للمشير خليفة حفتر… إصلاح تبعات سياسة “الترويكا” ورصيد جديد للمبادرة التونسية

يمثل استقبال رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي للمشير حفتر حدثا قد يختلف المراقبون في تحديد أهميته وتأثيراته على مجريات الأزمة في ليبيا، لكن في الأثناء يمكن وضعه في سياق موقف تونس من الأطراف الفاعلة في الأزمة وهو موقف جدده رئيس الجمهورية من خلال مبدأين هما الحرص على عدم التدخل في الشأن الداخلي الليبي والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف.

وكان فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الليبية قد زار في أوت الماضي تونس واستقبله رئيس الجمهورية لكن اللافت للنظر أن البلاغ الرسمي الصادر عن الرئاسة كان خاليا من  أية صفة رسمية للمشير حفتر وهو ما يحمل على الاعتقاد بأن عدم التنصيص على صفة “القائد العام للجيش الوطني الليبي”، التي منحها مجلس النواب الليبي المنعقد طبرق عام 2015 ، تحاول من خلالها تونس عدم التورط في الاعتراف الرسمي بأية جهة خارج الوفاق المنشود بين الليبيين.

ورغم الدعوات الموجهة إلى حفتر بزيارة تونس فإن عدم استجابة المشير قد تعود بالأساس إلى مخلفات فترة “الترويكا” حيث وثقت الحكومة التونسية،عمليا،علاقاتها مع الجهات المسيطرة ميدانيا على طرابلس (فجر ليبيا وبقية الميليشيات الإسلامية)  والمتحكمة في المعابر على حدود تونس وليبيا.

ولعل هذا الحذر من قبل المشير حفتر باعد بينه وبين المبادرة التونسية حول ليبيا رغم التنسيق مع دولتي الجوار مصر والجزائر كما أن رفضه اتفاق الصخيرات حال دون ربط الصلة مباشرة معه من قبل تونس، لكن لا يجب تجاهل دور لقاء باريس بين حفتر والسراج بمبادرة فرنسية حيث ساهم اللقاء في صياغة تصور لإنهاء الأزمة قد تكون أهميته نفسية أكثر منها عملية ويبقي الحل السلمي في طليعة الخيارات المتاحة.

فالاتفاق على وقف لإطلاق النار وتحديد معالم مسار انتخابي يمثلان سياسيا احد المستجدات على الساحة الليبية لكن هناك أمران لا يمكن التغافل عنهما وهما موقف القوى الغربية وتحديدا بريطانيا وإيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة بل دورها في أي حل نهائي يمكن التوصل إليه وتنفيذ اتفاق الصخيرات وتوزيع المسؤوليات في الحكومة الوفاق بما يرضي حفتر وأنصاره في شرق ليبيا.

لقد برهن  موقف حفتر الرافض لقرار إيطاليا إرسال قطع بحرية إلى المياه الإقليمية الليبية  رغم “تنسيق” السلطات الإيطالية مع حكومة السراج وتهديده بضرب تلك القطع على أن العلاقة بين الطرفين البارزين في الأزمة الليبية مازالت تتسم بالبرودة والحذر رغم لقائهما في باريس.

ولعل السؤال المطروح حاليا أية إضافة يمكن أن تشكلها زيارة المشير حفتر لمسار تسوية الأزمة الليبية؟ يمكن الحديث عن تدارك تونسي لمخلفات سياسة “الترويكا” تجاه ليبيا وهي زيارة ولئن جاءت متأخرة بعض الشيء إلا أنها ستؤخذ في الحسبان مستقبلا في حالة انتهاء الأزمة الليبية وبالتالي فإن الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف من شأنه الحفاظ على خصوصية العلاقة مع ليبيا حيث أن الاستقرار فيها،كما أوضح الباجي قائد السبسي، شرط أساسي لاستقرار تونس”.

وواضح أن الدور التونسي  في حل الأزمة الليبية له هو الآخر خصوصية ورغم تقديم تونس مبادرة بالتنسيق مع كل من مصر والجزائر  فهي  لا تدعي إمساكها بأوراق الحل وهو ما أوضحه رئيس الجمهورية بأن دور دول الجوار “يقتصر على تسهيل الحوار وتشجيعه بين كافة مكونات الشعب الليبي وفي إطار من التعاون والتنسيق مع منظمة الأمم المتحدة”.

ولئن حوصل البلاغ الرئاسي تصريحات المشير حفتر باقتصاره على مواقف جد رسمية من الدور التونسي فإن الزيارة في حد ذاتها ربما تطوي صفحة  مخلفات سياسة “الترويكا” تجاه ليبيا بما من شأنه الحفاظ على مصالح تونس مع البلد المجاور.. ويبقى السؤال: كيف يمكن لتونس أن تستثمر هذه الزيارة في مبادرتها وهل يمكن توقع تقدم ملموس في حل الأزمة بين أبرز الأطراف وهما حفتر والسراج؟

نور الدين عاشور _ الصباح 2017/09/19

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق