الجزائرتقارير

أويحيى والمعارضة في الجزائر: الذاكرة السوداء

خلال أربعة أيام من جلسات مناقشة خطة عمل الحكومة الجزائرية الجديدة بقيادة أحمد أويحيى، التي بدأت أول من أمس الأحد وتنتهي بعد غد الأربعاء، ينتظر أن يشهد البرلمان الجزائري جلسات صاخبة تحتد فيها المواقف بين كتل الموالاة التي تغرق في المديح السياسي لبرنامج الحكومة وإنجازات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وبين كتل المعارضة التي تجتهد لكشف وضع الإفلاس السياسي والاقتصادي في البلد الذي قادت إليه الحكومة وسياسات الرئيس بوتفليقة، لكن مجمل الجدل القائم في البرلمان يرتكز أساساً على  شخص رئيس الحكومة أحمد أويحيى نفسه، بسبب ارتباطه بخيبات اقتصادية واجتماعية ومحطات إخفاق سياسي.

وعاد أحمد أويحيى إلى البرلمان الجزائري للمرة الرابعة ليعرض خطة عمل حكومته بعد تفويضه من قبل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لتسيير فترة الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد بسبب انهيار مقدراتها المالية. وقاد أحمد أويحيى أربع حكومات منذ عام 1995. وخلال الحكومات الأربع لا يذكر الجزائريون منجزاً اقتصادياً وسياسياً لافتاً حققه الرجل. على العكس من ذلك، علقت في ذاكرة الجزائريين مآزق اقتصادية وأوضاع اجتماعية حادة خلال فترة رئاسة أويحيى للحكومة خصوصاً في التسعينات، إذ تزامنت ولايته في ذلك الحين مع الاتفاق الهيكلي الذي وقعته الجزائر مع صندوق النقد الدولي وأدى إلى تسريح 300 ألف عامل وغلق 30 ألف مؤسسة عمومية وبيعها للقطاع الخاص، فضلاً عن اعتقال ومحاكمة 7600 من الإطارات والكوادر المسيرة للمؤسسات العمومية، والاقتطاع الاجباري من أجور العمال. كما شهدت تلك الفترة ندرة حادة في السلع والمواد التموينية. وخلال الفترة الثانية التي أدار فيها أويحيى الحكومة في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أخفق أويحيى في تحقيق أي منجز اقتصادي أو نقل اقتصاد البلاد من حالة الريع والاعتماد الكلي على النفط إلى اقتصاد منتج للثروة في القطاعات الأخرى كالصناعة والزراعة والسياحة.

يستعيد القيادي في حزب “جيل جديد”، إسماعيل سعيداني، هذه التفاصيل الرقمية والأوضاع المزرية التي عاشتها الجزائر وعاشها الجزائريون في ظل حكومة أويحيى في التسعينات. ويلفت إلى أن اسم أويحيى يرتبط “بأكبر عملية تزوير للانتخابات شهدتها البلاد في أول انتخابات برلمانية بعد انقلاب يناير 1992، والتي جرت في يونيو/حزيران 1997 وشهدت تزويراً شاملاً، أقرته لجنة تحقيق برلمانية حينها”. يومها فاز حزب أويحيى، التجمع الوطني الديمقراطي، والذي لم يكن قد مرّ على تأسيسه سوى أربعة أشهر.

وفي تقدير عضو كتلة الاتحاد من أجل النهضة والتنمية والبناء، سليمان شنين، فإن أحمد أويحيى لا يحمل مؤشرات القدرة السياسية على إنقاذ البلد، لكونه جاء وحكومته “في ظل غموض لافت وتقارير متناقضة حول الطرف الذي دفع إلى إقالة حكومة عبد المجيد تبون السابقة، وتعيين حكومة جديدة بقيادة أويحيى”. ويعتقد شنين أن الكارتل المالي كان الفاعل الأبرز في الإقالة والتعيين، معتبراً أن خطة عمل الحكومة التي عرضها أحمد أويحيى أمام البرلمان تشير إلى عدم وجود نية صادقة للتوجه إلى الحكم الرشيد تكون فيه الأولوية للكفاءات وليس للولاءات. ويلفت إلى أنه “في غياب الحكم الرشيد تكون كل مخططات الحكومة معرضة للفشل، وعندما نسمع الخبراء من أبناء النظام ممن يعرفون الوضع جيداً ولديهم المعطيات وبعضهم عضو في منظمات دولية، يحذرون من المخاطر التي تتجه إليها البلاد، نكون مطالبين بأن نستمع إلى الكفاءات وليس إلى الولاءات، لأننا أمام مخاطر إفلاس حقيقية”.ويعتقد سعيداني أن قرار بوتفليقة إعادة تدوير أويحيى في منصب رئيس حكومة، هو في حد ذاته مؤشر، ليس فقط على خطورة الوضع الراهن، لكن أيضاً على المآلات التي يمكن أن تنتهي إليها الحكومة الحالية، والتي لجأت مباشرة الى خيار الطبع الإضافي للأوراق المالية.

من جهتهم، يعتقد إخوان الجزائر أن مجيء أويحيى لتسيير شؤون الدولة والبرنامج الحكومي الذي عرضه أمام البرلمان ما هو إلا حلقة أخرى من حلقات الفشل. وبرأي أحد أبرز قيادات حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، فإن ذلك “طور من أطوار الهروب إلى الأمام التي إن لم تتوقف قد توصل البلد إلى حالة لا يحمد عقباها”. ويضيف “أستطيع أن أقول هذا كرجل سياسي بعيد عن المسؤولية في الحركة الآن (حصل توافق داخلي بعد الوحدة بين الإخوان تنازل فيها المقري عن رئاسة الحركة حتى مايو/أيار المقبل)، في انسجام وتكامل مع خط المعارضة الذي نحن عليه، وكرجل واجه أحمد أويحيى من قبل في حلبة البرلمان وفي اللقاءات الثنائية، بصفتي رئيساً للكتلة البرلمانية للحركة سنة 1997 أثناء مناقشتي وتعاملي مع برنامج الحكومة، بخلفية نزيهة تقوم على العلم وتبحث عن الخير وتحرص على مساحات التوافق، فأدركت يومئذ مكره السياسي واستبداده وحبه لإذلال الغير وكسر إرادة المخالف”. ويتابع “ثم تابعته عبر السنوات وهو رئيس للحكومة مرات عدة ومسؤول في الدولة ووزير بلا توقف فلم يزد فيه سوى المكر والتربص بخصومه والحرص على السلطة وتوابعها حتى تضخم فيه ذلك فأصبح يطمح أن يكون رئيساً للجمهورية بأي صفة من الصفات، يُظهر الولاء للرئيس الحالي وهو يرقب مكانه”. ويتوقع مقري أن ينهي أويحيى مساره الحكومي الحالي بصدمة اقتصادية أكبر مما تعيشه البلد. ويلفت إلى أن “كل مرور لأويحيى على رئاسة الحكومات كان صدمة على الجزائريين والنتائج تؤكدها الأرقام، ولو كان مسؤولاً حقاً وهو يتحدث عن الوضعية الخطيرة للبلد التي كان ينكرها لاعتذر للشعب الجزائري بأنه هو من أهم من ساهم في هذا التردي. ولا عيب أن يفعل السياسي ذو المصداقية ذلك حين يبين الخطأ ويشيع”.

لا يتعلق ربط المأزق الاقتصادي والاجتماعي بوجود أويحيى على رأس الحكومة فقط لكونه أدار حكومات فاشلة سابقاً، لكن أيضاً بسبب المنهج الذي يعتنقه أويحيى في مساره السياسي. ولا يتوقف أويحيى عن مهاجمة قوى المعارضة والاستخفاف بمواقفها. قبل أسبوع وصف مواقفها بـ”الري في البريمة”، ويعني مواقف تذهب مع الريح. كما يصف في كل خطاباته التحاليل والمواقف التي تدعو إلى تغيير أسلوب الحكم في الجزائر، وتحذر من الوضع الخطير الذي انتهت اليه الجزائر، بأنها “مواقف فتنة ودعاة فوضى”. وهو ما كرره في خطابه أمام نواب البرلمان يوم الأحد الماضي. ويستند أويحيى في مواقفه ضد المعارضة إلى “جدار الصدّ” الموالي للرئيس بوتفليقة، إذ يحوز الأغلبية في الحكومة والبرلمان ويهيمن على قطاع واسع من المشهد السياسي والإعلامي، لكن أويحيى لم ينجح خلال كل فترات إدارته للحكومة في الحصول على حالة إجماع سياسي، ناهيك عن الإجماع الشعبي بخيبة خياراته وقراراته.

عثمان لحياني _ العربي الجديد 2017/09/19

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق