رأي

حكومة الشاهد الثانية أمام تحديات تونس

 

بعد أن استنزفت مشاورات التعديل الحكومي طاقات مكونات الطبقة السياسية الحاكمة في تونس، بسبب التجاذبات التي حامت حوله خلال الفترة الماضية، تشكلت حكومة يوسف الشاهد الثانية، التي حازت في النهاية على تأييد غالبية الأحزاب والقوى السياسية مما جعلها أول حكومة تحصل على مثل هذا الاجماع السياسي منذ ثورة 14يناير/كانون الثاني 2011. وهو ما من شأنه بالتالي أن «يعبّد» أمامها طريق نيل الثقة خلال الجلسة البرلمانية المنتظرة اليوم الاثنين11سبتمبر الجاري.

وبحسب الفصل 88 من الدستور التونسي الجديد، يتعين أن تحصل حكومة يوسف الشاهد قبل مباشرة عملها على ثقة الغالبية المطلقة من نواب البرلمان، أي 109 من إجمالي 217 نائبا.فمن الناحية النظرية ستحظى حكومة الشاهد الثانية بدعم أصوات نواب النهضة (69) ونواب ما تبقى من نداء تونس (58) ونواب حزب الابن الضال محسن مرزوق العائد مشروع تونس (24) ونواب حزب آفاق تونس والتونسيين بالخارج (10) ونواب الكتلة الوطنية (8) مع الاخذ بعين الاعتبار امكانية حصول تفاوت طفيف في الارصدة التي ستحوم في محيط 169 صوت الان بعض النواب قد يستنكفون لأسباب قاهرة شخصية في الغالب عن التصويت على هذا الاسم أو ذاك.

وفي المقابل، فإنّ الأحزاب التي أعلنت عدم منح ثقتها للحكومة الجديدة، هي «الجبهة الشعبية» المعارضة (تحالف أحزاب يسارية وقومية يملك 15 مقعداً في البرلمان) التي انضمت إلى حزب الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي (4 مقاعد) وحزب «الوطني الحر» (16 مقعداً) وحزب التيار الديموقراطي (3 مقاعد) في تشكيل القوى المعارِضة للتحالف الحكومي.

مانراه اليوم في تونس رغم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في نسختها الثانية ، أنّ رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد المتمسك بوثيقة أولويات حكومة الوحدة الوطنية المقرة في قصر قرطاج العام الماضي، التي وضعتها الأطراف السياسية و المنظمات الوطنية ، إضافة إلى صندوق النقد الدولي، لم يحقق انتظارات وطموحات الشعب التونسي، بل إن حكومته الأولى تعرضت لانتقادات شديدة من جانب الخبراء والمتابعين بسبب فشلها في التحكم في التوازنات المالية الداخلية باعتبار تفاقم عجز الميزانية الى مستوى قياسي لم يبلغه الا في عهد حكومة الوحدة الوطنية، والفشل في التحكم في التوازنات المالية الخارجية المتعلقة بتفاقم عجز الميزان التجاري الذي فاق كل التوقعات وأدى الى انهيار الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية،انهيار لم يزعزع حكومة الوحدة الوطنية ولم يحرّك لها ساكنا حيث حافظت على سياستها في مجال التجارة الخارجية في انتظار أفق سنة 2019.

ولعلَّ أقسى ألوان التَّسلُّط الشمولي التي تعاني منه تونس اليوم ،هي سيطرة وصفات المؤسسات الدولية المانحة (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية )، وبصورة أقلَّ وضوحًا المؤسَّسات الأجنبية العملاقة،التي أصبحت هي التي تُسيِّرُ البلاد نحو تجميل الرَشوة بإعطاء القروض والاكتتابات، والتَّزوير في الميزانيات العامَّة، لتصيرَ السيادة الوطنية للدولة التونسية بين عشيَّةٍ وضُحاها أثرًا بعد عَين. ويتكبد الشعب التونسي الخسائرَ، الواحدة تلوَ الأخرى، في طوفان الأزمات المتلونة، لا سيما أزمة الديون وعلاقة تونس بالمؤسسات الدولية الدائنة (50 الف مليار من المليمات(24 مليار دولار )حجم الديون الخارجية) وهو ما سيجعل حكومة الوحدة الوطنية أمام وضعية صعبة .إذ بات من الضروري أن تقوم الدولة التونسية بجدولة ديونها واتفاق جميع الاطراف على بداية التفكير في جدولة الديون وايجاد الحلول الضرورية ، و الحيلولة دون فقدان تونس سيادتها الوطنية ، بفعل فساد الطبقة السياسية الحاكمة، و الضغوطات التي تمارسها الولايات المتحدة و دول الاتحاد الأوروبي و المؤسسات الدولية المانحة ،لفرض هيمنتَها وإرادتها بنظُمها السياسيَّة والاقتصاديَّة، وبسط سطوتَها العسكريَّة، واستعمارَها الاقتصاديَّ على الشعب التونسي.

وفضلاً عن الأزمة الاقتصاديه والاجتماعية الخانقة ،تعيش تونس اليوم في ظل أزمة سياسية أيضًا.فالنظام السياسي التونسي الذي جاء به دستور 2014 هجين وشاذ، إذ يصعب تصنيفه ،فهو ليس نظامًا قائمًا على الفصل المرن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية كما هو الحال على العموم في الأنظمة البرلمانية،وهو أيضًا ليس بنظام قائم على الفصل الصارم بين السلطتين،كماهو معمول به في الأنظمة الرئاسية.إنه نظام شبه برلماني وشبه رئاسي.وفي الواقع السياسي التونسي ، تعيش البلاد في ظل نظامين اثنين، أحدهما شبه برلماني ظاهري ومعلن عنه حسب ما نص عليه الدستور،ونظام خفي يديره قصر قرطاج ويحن إلى دستور 1959 ،ومن بين مظاهر ذلك هو أن مركزة الثقل الحقيقي داخل السلطة التنفيذية ليست في الحكومة ولكن في قصر الرئاسة بقرطاج..والحال هذه،هناك أزمة حكم في تونس اليوم، لا سيما في قمة هرم الدولة، فالرئيس الباجي أظهر عجزاً واضحاً في إعادة بناء الدولة الوطنية، وقيادة الجمهورية الثانية، إذ تجاوزالدستور الذي ينص على أن شكل الحكم برلماني أو أقرب منه، بينما حوّل الرئيس النظام رئاسيا، حين جعل من قصر قرطاج المرجعية الأولى .

يتوقع الخبراء والمتابعون ان تلقى «حكومة الشاهد 2» المصير نفسه الذي لقيته سابقاتها وهو العجز عن تحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي المنشودين.. فمن المفروض أن تعد هذه الحكومة برنامج عمل تفصيلي يستند إلى وثيقة قرطاج وإلى ما ذكره رئيس الحكومة نفسه بأن هذه الحكومة ستكون «حكومة حرب» وتقدمه أمام البرلمان وتلتزم به وعندئذ يمكن الحديث عن أمل في الاصلاح والتغيير بعد التعديل الوزاري الاخير…. ثم إن نجاح حكومة الوحدة الوطنية في مجابهة المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية في تونس،مرهون بمعالجة القضايا التالية:

أولها: مجابهة حكومة يوسف الشاهد مرهون بمجابهة الفساد الديكتاتوري ، المدعوم من الطبقة الرأسمالية الطفيلية في الداخل ، والذي يجد من يدافع عنه من أحزاب الإئتلاف الحاكم ، التي بسبب تجاذباتها السياسية، وصراعاتها على المحاصصات الحزبية على تقاسم المناصب الحكومية ، كلفت الاقتصاد الوطني خسائر كبيرة . فهذه الأحزاب التي تتبنى الليبرالية الاقتصادية ، ليس وارداً عندها التفكير في إرساء نمط تنمية جديد ونمو جديد.بينما تقتضي تحقيق التنمية المستدامة محاربة الفساد جذريًّا، نظرًا لإفراغه المجتمع التونسي مِن مبادئه المتوارثة، لِيَحُلَّ محلَّها تجمعاتٌ شاردةٌ مِن اللِّئام والمرتزقة، مِن وراء الأزمات الاقتصادية ، حيثُ يَحصُل الفاسدون على أرباحٍ طائلةٍ على حساب خسائر الطَّبقات الفقيرة، التي تكدح بالعمل في المصانع والمزارع. كما أن الفساد يكلف تونس خسارة سنويا من 3 إلى 4 نقاط النمو ،وذلك حسب دراسة قام بها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات ،علما ان نقطة النمو الوحيدة تمكن من خلق ما بين 15 و20 ألف موطن شغل.

ومن المعلوم أنَّه يمكن أن تكونَ هناك عواقبُ معقَّدةٌ لمواجهة الفساد المتضخم في تونس التي تمرُّ بمرحلَة انتقاليةٍ من الحُكم السلطوي إلى الديمقراطيَّة، واقتصاديات السُّوق الحُرَّة،لا سيما في ظل أحزاب الإئتلاف الحاكم الباحثة عن تقسيم كعكعة السلطة وفق المحاصصات الحزبية،و التغاضي عن صُوَرِ الأنشطة السِّريَّة للفساد، ماجعل السقوطَ في دوامة الصَّفقات المشبوهة غيرَ قاصرٍ على القطاع العام ، بل امتدَّ – بصورٍ غير معهودة – إلى المؤسَّسات الخاصَّة، والبنوك الأجنبية، والشَّركات متعددة الجنسيات، ليفتحَ الباب أمامَ المُقامِرين الجدد من السياسيين المدافعين عن الرأسمالية الطفيلية ،و سياساتِ الخصخصة، التسريع ببيع القطاعات العامَّة كفرصةٍ للثراء الفاحش، عن طريق بيع الأصول العامَّة بأسعارٍ زهيدة للأقارب والأصدقاء من الباطن، لتدخلَ أموال الشَّعب في جيوب كبار الفاسدين عبرَ ممارساتٍ غيرِ شريفة تُحاك في الظلام، أدَّت لإفلاس الموازنات العامَّة من جهة، وإعادة إنتاج النظام الديكتاتوري الفاسد السابق الذي كافحه الشعب التونسي على مدى أكثر من أربعة عقود من جهةٍ أخرى.

ثانيها: حل مشكلة البطالة،وإعادة ترتيب المؤسَّسات العملاقة، وإصلاح الأجهزة المصرفيَّة والبنكيَّة، والتوصُّل لأُطرٍ صحيحة لمعالجة مظاهر الرِّشوة، وغسيل الأموال، والضَّرب على أيدي المفسدين لتنقية الأسواق مِن الغلاء، خاصَّةً مع تحرُّك المنظَّمات الحكومية وجهاتِ التَّنمية والتعاون لضبط آليات العرْض والطلب، ووضع أطر تنظيميَّة للشَّركات متعددة الجنسيات، ومنع صُوَر التلاعُب بقوتِ وأرزاقِ البُسطاء مِن عامَّة النَّاس، والاستفادة الإيجابيةِ من ثورة المعلومات الرَّقميَّة، وتكنولوجيا الاتِّصالات والإعلام، لخدمة مقومات التنمية الشَّعبيَّة.

ثالثها:تبني حكومة يوسف الشاهد منوال تنموي جديد ،وبلورة استراتيجية وطنية لمعالجة الأزمات الرَّاهنة، وفى مُقدَّمتها: التَّركيزُ على القطاعات الإنتاجيَّة، والتركيز على الزراعة التي تُغذي الصناعات الإستراتيجيَّة، وتعديل مؤسَّسات السياحة ومؤتمراتها، وتنمية الاستثمارات في الولايات الفقيرة و المحرومة تاريخيا من التنمية ، وترميم الطُّرق والسِّكك الحديديَّة، والتزام حكومة الوحدة الوطنية بالحوكمة الرشيدة. كما أنَّه من الضَّروريِّ أن تلتزمَ الحكومة بترشيد الثروات العامَّة، وتحسين الانتفاع بالقُدرات الذاتية للشعب، وضبط آليات الأسعار وموازين المدفوعات، والالْتزام بالنُّظُم الأكثرِ شفافيةً، لمنعِ الفساد الإداريِّ والمصرفيِّ، وحسن إدارة الممتلكات المؤمَّنة – إن وجدت – وتطوير النُّظُم التكنولوجية ، وإضفاء طابع اللاَّمركزيَّة على الحُكم المحلي، وجعل السلطات الإقليميَّة أكثرَ خضوعًا للرَّقابة والمحاسبة، لضمان نزاهتها، وحظر الفساد الأجنبيِّ الخارجي في الأسواق الوطنية.

توفيق المديني

المصدر: صحيفة العربي الجديد،11سبتمبر2017

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق