إصدارات

التوتاليتارية الليبرالية الجديدة والحرب على الإرهاب لتوفيق المدينى

 

يتناول كتاب “التوتاليتارية الليبرالية الجديدة والحرب على الإرهاب”، مواضيع راهنة متنوعة، تمتدّ من العولمة الرأسمالية المتوحشة الى الامبراطورية الأميركية، والى القضية الفلسطينية وتداعيات الحادي عشر من أيلول، وصولاً الى فشل استراتيجية الاحتواء العسكري والحرب الأميركية على العراق.

لكن الأمر الملفت في الكتاب هو العودة الى توظيف مفهوم التوتاليتارية، بوصفه مفهوماً قديماً/ جديداً، ارتبط تاريخياً وسياسياً، بمفهوم الدكتاتورية، حيث أطلق على العديد من الأنظمة السياسية في مختلف بلدان العالم. وباعتبار أن المفاهيم تتغاير باختلاف مركباتها وحمولاتها ومدلولاتها، عبر ترحالها المعرفي، من عصر الى آخر، وعبر حركات أقلمتها وإعادة الأقلمة في الأرض أو الإقليم الجديد. فإن هذا المفهوم وظّفه عدد من المفكرين والباحثين، فمثلاً استخدمه “ميشل بوغنون موردان” في كتابه “أميركا التوتاليتارية”، كي يصف أميركا المحكومة ليس فقط بهاجس السيطرة على العالم، بل والعمل على أمركته، فضلاً عن كونها لا تدخر وسعاً في تعاليها الميتافيزيقي حين تصنّف الأمم الأخرى وفق محوري الخير والشر، إحالة وإرجاعاً الى عقل ساستها الميتافيزيقي المحكوم بالثنائيات القطبية المتضادة والمتصارعة.

وإذا كانت أقلمة التوتاليتارية الجديدة تحيل على قوة احتوائية، بمعنى أنها تسعى الى امتلاك مجمل مكوّنات الكيان العالمي الذي نعيش فيه، فإنها تبتعد هنا عن المفهوم الكلاسيكي للتوتاليتارية الذي وسمها بعدد من الصفات والعلامات الثابتة، كسيادة الحزب الواحد، والدور الموجه للإيديولوجيا، ومحو الحدود الفاصلة بين الدولة والمجتمع، وتضخم دور الأجهزة الأمنية بما يؤمن سيطرة القمع والإرهاب على رقاب الناس، وتقديم دور السلطة على دور الدولة ومؤسساتها.. إلخ.

لكن التوتاليتارية التي تجسدت بهذا الشكل في الأنظمة الشمولية، كالنظامين الستاليني والنازي، غير قابلة لإعادة التوظيف في الحالة الأميركية، حيث إن مكوّناتها تتجلى في الحالة الأميركية من خلال مواقفها بالنسبة الى باقي دول العالم، وتوظيفاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، والتي تجسد صورة الصوت الواحد، والرجل الواحد، واحتكار القوة المسلحة، واحتكار وسائل الاتصال الجماهيري، واقتصاد ممركز.. إلخ.

اضطراب مفهومي:

لكن المؤلف يتساءل عما إذا كان من الجائز نعت الليبرالية الجديدة، أو الليبرالية العولمية، أو الليبرالية المتوحشة أو ديكتاتورية الأسواق أو ديكتاتورية تقنيات الإعلام الجماهيري، بالتوتاليتارية؟. وهذا يحيل الى نوع من الاضطراب المفهومي فيما يطرحه، حيث يستند الى توصيفات عالم الاجتماع الفرنسي المعروف “بيير بورديو” لليبرالية الجديدة الساعية الى التجسّد في نمط من السوق العالمية المتوحشة، والتي يحكمها قانون الانتخاب الدارويني، أو ما دعاه الفيلسوف هوبز “حرب الجميع ضد الجميع”، وتحديدات “موردان” للتوتاليتارية الأميركية. ولم يسعفه تعداد خصائص التوتاليتارية التي اعتادت إيديولوجيا قوى اليمين تكرارها ووصفها للنظام الشيوعي الذي كان سائداً بلدان روسيا وأوروبا الشرقية. لذا يرتاح المؤلف في العودة الى “جوهر الإيديولوجيا الليبرالية”، من خلال عرضه لمسار التطوّر الفكري التاريخي لها، حيث ظهرت الأفكار الليبرالية في عصر التنوير وحتى خلال الثورة الصناعية (1750 ـ 1850)، وكانت تشكل منارة مضيئة في تاريخ تطوّر البشرية. وجاءت الليبرالية مناقضة بشكل جذري الإيديولوجيا الإقطاعية، فهي ضد فكرة الماوراء من حيث تأكيدها على موضوعية الطبيعة والمادة، وضد الوحي والميتافيزيقيا من حيث تأكيدها على العقلانية والعلم، وضد الاستبداد من خلال تأكيدها على الحرية، وضد سحق الفرد وامتصاصه في الجماعة من حيث تأكيدها على أولوية الفرد والفردانية. في حين أن الليبرالية الجديدة في زمن العولمة تتسم برأسمالية متوحشة، تقوم على استقطاب الرساميل والتدفقات الاستثمارية، وبالتالي تسعى الى تركيز الثروة والرأسمال في البلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية، وهذا يفضي الى ازدياد إفقار العالم الثالث وتهميشه وإفلاسه، حيث تتخذ عمليات نهبه السافرة والمقنعة طابعاً همجياً ووحشياً وبطرق متعددة ومتنوعة. وتلعب الولايات المتحدة الأميركية الدور الرئيس في صياغة هياكل القوة الاقتصادية في العالم من خلال قوتها السياسية والعسكرية.

آفلة:

ويقايس المؤلف ما بين إيديولوجية امبراطورية آفلة وأخرى صاعدة، عبر تقابل ما بين الليبرالية الكلاسيكية الغربية التي كانت تمثل ـ وفق منطق مقايسته ـ إيديولوجيا الامبراطورية البريطانية، وبين التوتاليتارية الليبرالية الجديدة التي تمثل إيديولوجيا الامبراطورية الأميركية، لكن الأمر لا يتعلق بمقايسة الإيديولوجيات، إذ تاريخياً، ونظراً لأن رأس المال، كما قال ماركس ذات يوم، ليس له وطن، فقد جرت عمليات تبديل مركز القوى، منذ بداية القرن العشرين، خصوصاً في المرحلة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث قامت قوى المال في بريطانيا بنقل مراكزها الى الولايات المتحدة، وترافق ذلك بنقل الخبرات والتقنيات الاستعمارية والاقتصادية والاستخباراتية، من خلال عمليات التوأمة ما بين المصارف الكبرى والشركات ومعاهد الأبحاث، وجرت التوأمة المالية والنقدية ما بين المصرفين المركزيين في بريطانيا وأميركا، وكذلك جرت عملية توأمة ما بين معهدي الأبحاث والدراسات الشهيرين: المعهد الملكي للشؤون الدولية ومجلس العلاقات الخارجية، كما جرت عمليات مماثلة بين وكالات الاستخبارات في كلا البلدين، حيث تمّت عمليات تدريب عناصر من الاستخبارات الأميركية في بريطانيا خلال فترة الحرب العالمية الثانية وما قبلها.

مواضيع كثيرة وراهنة يتناولها الكتاب، ويحاول دراستها، وتوصيفها بشكل يمكن معه معرفة ما يجري في عالم اليوم، ومعرفة التغيّرات المتسارعة التي طرأت على العالم في الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية. ولا يخفي المؤلف مناهضته للتوتاليتارية الليبرالية، مع ملاحظة صعوبة الجمع المفهومي بين طرفي مصطلحه، سواء في المركبات أم الحمولات، أم التناقض في التوصيف والتوظيف والاستثمار، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر فيما يطرحه، بحيث ينتفي الإيديولوجي لصالح الفكري والمعرفي، ويبعد منهجية البحث من النظر بعين واحدة.

عمر كوش
المصدر: موقع المستقبل، 2004/02/04

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق