إصدارات

«جحر الضبّ» وتراجيديا القيم المتدهورة في مجتمع متدهور

 

 

دون مبالغة فإنّ رواية الكاتب التونسي «نور الدّين العلوي» الجديدة من الأعمال الأدبية التي لا تتركك إلاّ وقد أنهيتها. من السهل الممتنع بناؤها «الكلاسيكي» وليس في ذلك ذمّ، بل إنّه من مظاهر قوّتها وأصالتها في زمن ظنّ فيه الكثير من الكتاب واهمين أن الرّواية لا تكون إلاّ لعبة أساليب وتقنيات وتجريب شكلاني.

تأخذ الرواية قارئها منذ البداية لمتابعة شيّقة ومثيرة لمسارات بطليها الرئيسيين، وهما «حمادي» و«سعاد»، شاب من الشمال الغربي وفتاة من جنوب تونس وهما ـ ولنقل بلغة أساتذة علم الاجتماع والعلوي الروائي من بينهم ـ عيّنة لقطاع كبير من شباب تونس الذين ظنّوا أن التعليم والحصول على الأستاذية هما مصعدهم الاجتماعي الوحيد لتحقيق أحلامهم وتحسين ظروف حياة عائلاتهم المتواضعة والفقيرة. ولكنّهما يضطرّان أو يختاران (ومن له الحق في محاسبتهما أخلاقيا) أن يصيرا «قوّادا» و«عاهرة».

كان لهذا البلد مستقبل فأعدموه:

في زمن الرواية نحن فيما بين تسعينات القرن الماضي وسنوات القرن الواحد والعشرين وهي الفترة التي عرفت فيها بلادنا تضخّم أكبر ملف اجتماعي وهو ملف أصحاب الشهائد المعطّلين عن العمل. ويبرز من وقائع الرواية وشخصياتها ومساراتها أن بطالة أصحاب الشهائد لم تكن المظهر الوحيد للأزمة الاجتماعية وإنما وجه من وجوه أزمة شاملة طالت كلّ جوانب حياة التونسيين، اقتصاديا وسياسيا وقيميا. «لقد كان لهذا البلد مستقبل فأعدموه ولعلّ نارا مجهولة تبعثه من رماده ذات يوم» (الرواية ص 37).

يضطرّ «حمادي» الذي يحمل أمل عائلته الفقيرة الى أن يعمل نادلا في مقهى وهو حامل أستاذية العربية ثمّ يجد له «الدّبير» عملا آخر مساعدا له في نقابة لإحدى الإقامات السكنية الحديثة وتنزلق رفيقته وزميلة الدّراسة «سعاد» للمتاجرة بجسدها جنسيا بعد أن تاجرت به عاملة في الشقق والبيوت وتنشأ بينهما رغم ذلك وبسبب ذلك علاقة مركّبة هي من أكثر العلاقات إثارة وقوّة دلالية وتراجيدية. فثمّة مزيج من التعاطف والتحالف والرفقة والتعاون، ما يجعل منهما ثنائيا يقلب كلّيا الصورة الرومانسية والمثالية التي حلم بها كلّ واحد منهما. ولم يكن هذا الانقلاب في سلوك شابين وإنما في مسار مجتمع تدهورت قيمه وانقلبت عكسيا، فصار من كان يفترض أن يكونوا مستقبله (الأساتذة المتخرّجون حديثا) ضحايا واقعه الذي امتلأ بكلّ الإفرازات والفضلات والتقيؤات الأكثر تعفّنا.

يبدو الأمر أشبه بسلوك ثأري وهو كذلك وأكثر كما يدلّ انتهاء الرواية بحادثة/ أو جريمة الحرق التي ذهب ضحيتها بعض شخصيات الرواية/ الإقامة. فقد أصيب كلّ من «حمادي» و«سعاد» ومن مثلهما من خريجي الجامعات المعطّلين العاجزين عن دفع رشاوى من أجل النجاح في «الكاباس» أو الحصول على شغل بخيبة نفسية وأخلاقية كبيرة وجارحة إلى أبعد مدى في النفس فقد اكتشفا أنّهما كانا ضحية أكبر عملية تحيّل وأن حكاية الشهائد والمصعد الاجتماعي لم تكن سوى كذبة وفخ ومجرّد حيلة ابتكرها النظام لجعل الجامعات مجرّد قاعات انتظار لما لا يجيء.

من القهر إلى الانتقام:

ما حدث في البناء النفسي والقيمي لشخصيتي «حمادي» و«سعاد» أنّهما قد استبطنا هذا الشعور بالقهر وتحوّلا إلى ما يشبه الانتقام من النفس والمجتمع ككلّ بقبول أعمالهم وهيأتيهما الجديدتين بل واعتبارها أفضل ممّا كانا ينويان القيام به، يقول «حمادي» في أحد مونولوغاته مقارنا بين عمله مساعدا لنقيب المتساكنين وقوّادا يتمعّش من شبكة دعارة منظّمة «وهل من فرق بين هذا المكان وفصل دراسي فيه تلاميذ يؤمنون أن لعب كرة القدم أكثر فائدة من قراءة المتنبي» (الرواية ص60). ويروي عن «سعاد»: «لم نفترق بعد التخرّج وها هي معي تنظّف الشقق المفروشة وتنتظر الضيف حتّى يدخل لتربكه بطلب الإكرامية….. ولا تمانع في خدمات إضافية كلّما كان الضيف يجد يده قريبة من حافظة نقوده» (الرواية ص77).

وإن لم يكن فيما حدث لحمادي من تحوّل من أستاذ متخرّج إلى حارس و«قوّاد» ومتحيّل ما لا يتعارض والثقافة الرجالية التي تبيح للرّجل هكذا سلوكا (رغم أنّ «القوّاد» هو نتاج معكوس أو الوجه الآخر للعاهرة) فإن ما حدث لسعاد يعدّ جريمة إنسانية يندى لها الجبين فقد كانت في ولادتها ثمرة اغتصاب تعرّضت له أمّها ذات البشرة السوداء ولم يكن ذلك الاغتصاب سوى وجه لسلوك عنصري عام في مدينة قابس حيث يمتدّ التمييز إلى المقابر فيدفن السود في مكان منعزل وبعيد عن البيض و«الأسياد». ويبلغ استبطان «سعاد» لدراما وجودها ذرى تراجيدية عالية حين أخذت تكلّم نفسها بحضور «حمادي» بعد نوبة بكاء:«أطلقوا سراحي أيها الحراس، يا أبراهام لنكلن الكلب أريد أن أعود أمة سوداء في قيد متين أجمع القطن والتبغ وعندي مكان أبيت فيه ولا أفكّر في غدي… لا أحد يرغب فيّ زوجة، لا أحد يتركني أتعهّر، لا أحد يتوقّف عن تصنيفي في خاناته، فيشنقني ليرتاح. أنا لست في خطط الآخرين وليست لي خطّة» (الرواية ص 128.)

محنة المتنبي والمثقف الحالم:

لقد كان «حمادي» و«سعاد» قطبي هذه الرواية وعلامتها الفارقة ولم يكن سقوطهما سوى صورة من تدهور قيم في مجتمع متدهور، فسدت علاقاته وانهارت نخبه. واختيار الكاتب لهما غرفة داخل إقامة سكنية حديثة مكّنتهما من أن يكونا شاهدين على مظاهر التدهور الأخلاقي والاجتماعي لفئات وشخصيات منهم الأستاذ الجامعي والسياسي والمعلّم والشرطي والمقاول ووكيل الشركة وشخصيات أخرى قادمة من القطرين اللّيبي والجزائري. جميعهم معطوبون أخلاقيا واجتماعيا وجميعهم أسرى سلبيتهم وجشعهم وانحطاطهم الأخلاقي.

لقد أفاد «العلوي» من تكوينه العلمي أستاذا لعلم الاجتماع في بناء رواية «جحر الضبّ» ووظّف مواهبه الأسلوبية وروحه الساخرة وثقافته الأدبية ليصوغ ما يشبه «التماثل» و«القدر» الساخر الذي يجعل من «حمادي» و«سعاد» المحبّين للأدب وللمتنبي خاصّة يعيشان وجها من وجوه محنة «المتنبي» والمثقف في كلّ زمان حين يضطرّه الوضع وضعفه أمام السلطة والمال الى أن يهجو الزمان الذي أوصله إلى الدرك الأسفل، فيمدح «كافور» ثمّ يهجوه:

أما في هذه الدنيا كريم تزول به عن القلب الهموم

أما في هذه الدنيا مكان يسرّ بأهله الجار المقيم

تشابهت البهائم والعبدي علينا والموالي والصميم.

الرواية في 260 صفحة وقد قدّم لها الأستاذ توفيق بكار المشرف على سلسلة «عيون المعاصرة» في دار الجنوب بنصّ حمل عنوان «من أدب الثورة قبل أوانها عهد التغيير وبئس المصير» وتباع بـ13 دينارا تونسيا.

 

 

كمال الشيحاوي_ الصحافة اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق