رأي

الإرهاب بين الديني والعلماني

 

 

الإرهاب لفظ شائع الاستخدام، عصي التعريف، فكل الأفعال الإرهابية يمكن تصنيفها ضمن جرائم أخرى، ولا توجد جماعات تسمي نفسها إرهابية، بل يستخدم لفظ الإرهاب سبة أو وصمة عار تطلقها الحكومات على أسوأ خصومها، وتبرئ منها أنفسها، حتى لو كانت ضالعةً في جرائم جسيمة في حق شعوبها أو شعوب دول أخرى.

وترتبط العمليات الإرهابية في الأساس بالهجمات العنيفة والدامية على الأهداف الرخوة، مثل المدنيين الأبرياء في الأسواق والمرافق العامة، بغرض إيقاع أكبر عدد من الضحايا، كما تتصف بعدم التمييز بين ضحاياها، فالإرهابي الذي يفجر نفسه في سوق أو شارع عام أو حفل موسيقي لا يميز بين ضحاياه، بل يهاجم كل من يصادف وجوده حوله، الأمر الذي يزيد من حالة الرعب التي تعيشها المجتمعات المعرّضة للهجمات الإرهابية، لأنها لا تفرق بين ضحاياها.

ويعد الإرهاب ظاهرة حديثة، ترتبط بالدولة القومية، لأنها تتعلق بسعي الإرهابيين إلى زعزعة استقرار شرعية خصومهم من الحكومات وتقويضها، من خلال إشاعة حالة من الرعب وعدم الأمان في أوساط مواطنيها، وإظهار تلك الحكومات بصورة الضعيفة العاجزة عن حماية شعبها، كما أن ظاهرة الإرهاب ترتبط بالأمن بمفهومه الحديث، والذي يفترض قدرة الحكومات على بسط الأمن على مختلف أراضيها، والقضاء على الجماعات العنيفة واحتكار استخدام العنف.

هذا بالإضافة إلى ارتباط ظاهرة الإرهاب بالإعلام الحديث والذي يلعب دورا كبيرا في تشكيل وعي الشعوب بخطر التهديد الإرهابي، حيث يرى بعضهم أن ضحايا الإرهاب في بعض الدول قد يقلون كثيرا عن ضحايا حوادث الطرق أو العصابات الإجرامية المختلفة. ومع ذلك يحول الإعلام أي عملية إرهابية قضية أمن قومي، وتهديدا للكرامة الوطنية ولصورة وشرعية الحكومة، وهو تصوير يشارك فيه السياسيون كذلك، ولولا وجود الإعلام، بصورته الحديثة، لربما عجزت الهجمات الإرهابية عن ترك آثارها الراهنة.
وهذا يعني أن التهديد الإرهابي يتم تضخيمه، في أحيان كثيرة، لأسباب سياسية وأخرى تتعلق بطبيعة الدولة الحديثة نفسها، وما يرتبط بها من مفاهيم، كالكرامة الوطنية والاستقرار السياسي وشرعية الحكومة واحتكارها استخدام العنف والقدرة على فرض القانون والنظام.
ومنذ التسعينيات، وصورة الإرهاب تقترن دوليا أكثر فأكثر بالدين والتدين والإسلام والمسلمين، حيث صعدت على السطح ظاهرة الإرهاب المدفوع بأسباب دينية، وخصوصا القادم من العالم الإسلامي، وقد ساهمت عدة عوامل في ذلك، مثل صعود الدين والتدين حول العالم منذ السبعينيات، وحالة الحروب والغزو والاستبداد والحروب الأهلية التي تعيشها دول عربية وإسلامية، وسقوط الاتحاد السوفيتي الذي كان يغذّي حركات إرهابية يسارية ووطنية ضد أهداف غربية. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، تراجع دعمه تلك الجماعات، وتراجعت أهميتها على الخريطة الدولية.

ويلاحظ هنا أن الإرهاب الديني لا يرتبط بالمسلمين فقط، فعلى سبيل المثال ارتبط قيام دولة إسرائيل بظهور دور جماعات إرهابية ذات خلفيات يهودية وصهيونية، استهدفت الاحتلال البريطاني والفلسطينيين قبل قيام دولة إسرائيل، مثل أرغون وشتيرن اللتين شاركتا في هجمات إرهابية ضد قرى عربية، وفي اغتيال مسؤولين بريطانيين.

وبعد إعلان دولة إسرائيل، ظهرت جماعات دينية يهودية إرهابية رفضت علمنة دولة إسرائيل، واتفاقات السلام مع العرب، كاتفاقية كامب دايفيد. وتعرف إسرائيل، حاليا، ظاهرة الجماعات الإرهابية المتدينة التي يقودها مستوطنون ضد الفلسطينيين، كالجماعات التي تهاجم الفلسطينيين عقابا على أي إجراء تتخذه الحكومة الإسرائيلية لتفكيك المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.

وفي مقابل الإرهاب الديني، توجد أنواع مختلفة من الإرهاب العلماني، والذي قد يكون مدفوعا بأيدولوجيات ليبرالية أو يسارية أو ثورية أو قومية. على سبيل المثال، يشير بعضهم إلى أن أول أنواع الإرهاب الحديث كان ليبراليا علمانيا دولاتيا في دوافعه، وهو المرتبط بالثورة الفرنسية نفسها، فبعد حوالي ثلاثة أعوام على انطلاق الثورة الفرنسية في عام 1789، سادت فرنسا فترة تعرف تاريخيا بحكم الإرهاب، والتي أطلقها قادة الثورة أنفسهم دفاعا عنها، وراح ضحيتها آلاف المواطنين الفرنسيين، أغلبهم من الفقراء والبسطاء. فبعد حوالي ثلاث سنوات على ميلاد الثورة، مر الثوريون بفترة من التشدّد الإيدولوجي، خصوصا مع تعرّض الثورة لضغوط خارجية، وهو ما دفعهم إلى إطلاق موجة من العنف الدامي دامت عدة سنوات، دفاعا عن قيم الثورة، كالإخاء والمساواة والمشاركة السياسية والجمهورية، وضد أعدائها من الأثرياء والملوك وبعض رجال الكنيسة، حيث أعدمت لجان عامة شكلها الثوريون الآلاف بتهم واهية.
وهناك من يقول إن إرهاب الدولة قد يسعى إلى تحقيق واحد من أهداف ثلاثة، تخويف

معارضيه، وتغيير العادات والتقاليد والأفكار ونمط حياة المواطنين بالقوة، وقد يصل إلى حد الاستئصال. ويشار هنا إلى فترة الحروب الأهلية التي عاشتها دول في أميركا اللاتينية مع القوى المعارضة اليسارية في السبعينيات والثمانينيات، نموذجا لإرهاب الدولة وإرهاب مضاد قام به متمردون لأهداف يسارية وثورية، حيث شكلت النظم فرق اغتيالات ومعتقلات سرية، بالإضافة إلى إعدامات عشوائية واسعة، وانتشار التعذيب وغيره من الجرائم، ورد عليهم المتمردون بالمثل.

ويعد الإرهاب الثوري واليساري والوطني الأكثر انتشارا وسيطرة على تاريخ القرن العشرين، ففي نهاية القرن التاسع عشر، انتشرت في روسيا وأوروبا جماعات ثورية يسارية، كالاشتراكيين الثوريين والفوضويين، استخدم بعضها العنف والإرهاب ضد الطبقات البرجوازية لأهداف ثورية، حيث رأى هؤلاء أن العنف الثوري أفضل أساليب الدعاية، والأقدر على تحطيم إرادة الطبقات الحاكمة، وتعبئة الناس وحشدها ثوريا.
وتميزت الحركات الوطنية التي اجتاحت أوروبا والعالم الثالث في النصف الأول من القرن العشرين بدرجة عالية من العنف، واستمر بعضها في ممارسة الإرهاب داخل الدول الأوروبية نفسها حتى نهاية القرن العشرين وأوائل القرن الحالي، مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي الساعي إلى استقلال أيرلندا الشمالية عن بريطانيا، وحركة إيتا الإسبانية الساعية إلى استقلال إقليم الباسك عن إسبانيا.
ويلاحظ هنا أن بعض الحركات الثورية العنيفة تقوقعت على نفسها محليا، وتخطى بعضها الحدود، وحاول تصدير ثورته العنيفة، كالثورة الكوبية التي تحولت نموذجا دوليا في الستينيات والسبعينيات.

الخلاصة أن من ينظرون إلى الإرهاب مقترنا بالدين والتدين فقط يفتقرون للنظرة التاريخية، ولفهم كيف تطور الإرهاب خلال العصر الحديث، في مجتمعات مختلفة، فالواضح أن الإرهاب يقترن بالأساس بالمجتمعات التي تمر بمراحل احتقان وصراعات كبرى، سواء مع النخب الحاكمة أو مع المحتل الأجنبي، وأنه يتراجع في المجتمعات الديمقراطية والمستقرة، حيث تضع الجماعات المسلحة سلاحها وتنخرط في العملية السياسية.

وقد ارتبط الإرهاب بظهور الدولة الحديثة، وارتبط كذلك بمختلف أيدولوجياتها من ليبرالية واشتراكية وثورية وقومية. وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، انتشرت الديمقراطية في أوروبا ودول أميركا اللاتينية، وانهار الاتحاد السوفيتي، ما أدى إلى تراجع واضح في خطر الجماعات الإرهابية القومية والثورية واليسارية المعادية للغرب.

وللأسف، عرف العالم الإسلامي، خلال العقود الأخيرة، كوارث سياسية عديدة، كالغزو الروسي لأفغانستان والأميركي للعراق. بالإضافة إلى انتشار الاستبداد في العالم العربي، باعتباره أحد أهم قلاع الاستبداد في العالم وآخرها، وكلها عوامل ساهمت في ظهور ما يعرف بالإرهاب الديني القادم من العالم الإسلامي، والذي لا يختلف، في غالبية دوافعه وأساليبه وأغراضه، عن الأنواع المختلفة من الإرهاب الديني العلماني التي سبقته.

علاء بيومي

المصدر: العربي الجديد، 2017/09/03

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق