إصدارات

«مباراة ساخنة» للتونسية نورا خليل: فسيفساء الواقعي والعجائبيّ والسرياليّ

 

 

يقول غي دي موباسان الأب المؤسس للقصّة الفرنسية وأحد ألمع نجومها في القرن العشرين معرّفا القصّة القصيرة :«إنّ هناك لحظات عابرة منفصلة في الحياة لا تصلح معها إلاّ القصّة القصيرة، لأنها عندما تصور حدثا معيّنا لا يهتمّ الكاتب بما قبله أو بعده».

وعرّفها كالدويل وتشيخوف وكاترين آن وغيرهم، تعريفات أخرى متأنيّة ومتضادّة، وبهذا يتّضح أنّ هناك اختلافا شديدا في الوقوف على تعريف القصّة القصيرة جماليّا وبنيويّا، غير أنّ التجاذب ينتفي ويحلّ محلّه الإجماع على جمالية السرد في مجموعة الكاتبة والفنانة التشكيلية التونسية نورا خليل «مباراة ساخنة» الصادرة مؤخرا عن دار زخارف، في طبعة فاخرة وأنيقة من الحجم الصغير تؤثثها ثلاث عشرة قصّة قصيرة.
تعدنا نورا مند العتبة الأولى للنصّ بطبق ساخن ودسم، سرعان ما نتذوّقه ونحن نقرأ تباعا «يوم خارق للعادة» و«تاكسي» و«الرقص مع الأشباح» و«الجنّة تحت أقدام الأزواج» و«سيرة ذاتيّة لحقيبة» و«الحياة حلوة» و«كيف تقضي على صرّار في أسبوع» إلى آخر المجموعة. ثم لا نبطئ في اكتشاف أن ميزة السرد عند نورا خليل وبصمتها في نسج الحكايات وخلق عوالمها الفنيّة الخاصّة بها، تعتمد بالأساس على خلطة سحريّة لا تعرف سرّها سوى الكاتبة، بضاعة موقّعة، كما يقول الفرنسيون، ميزتها سرد واقعي بظلال خفيفة تكاد لا ترى من الفانتازيا والسريالية وأحيانا الوجودية.

تجدر الإشارة إلى أن الكاتبة نجحت إلى حدّ كبير في الإفلات من الشرك الذي ظلّ يتخبط فيه القصّاصون التونسيون إلى ماض ليس ببعيد جدا، حين انغلقت النصوص على متونها وابتلعت الكتاب موجة التجريب وألعابه، حتى نسي البعض متون النصّ وأسئلته، فنجحت القاصة في مراوغة التشكيل الفارغ والتعقيد المجانيّ، وجاءت نصوصها من نوع السهل الممتنع، معتمدة على سلاسة أفكارها ولغة رشيقة قائمة على التكثيف والإيجاز كشرطين لا بديل عنهما في فنّ القصة القصيرة.

في قصة « يوم خارق للعادة» لا تتعرّض فقط للتابو والمسكوت عنه، وإنّما تحاكمه، وقلّما تعرّض الأدب النسوي العربي باستثناء بعض الأسماء أمثال الكاتبة المصرية نوال السعداوي بمثل تلك الشجاعة إلى مفاهيم ترجع أصولها إلى تقاليد بائسة متجذّرة في مجتمعاتنا العربية، وتقول بصريح العبارة في قصّة «يوم خارق للعادة»: ماذا نسمّي الرجل الذي يتاجر بجسمه؟ عندما نقول مومس عن المرأة، ماذا يقابلها في الجهة الأخرى؟

ترسم نورا خليل أجواء سريالية حول عالم السلاح الناريّ، المسدّس تحديدا والذي اكتسب بريقه وصورته، بل أصبح أيقونة شطراها الشر والخير في المجتمع التونسي ما بعد الثورة، فهو الذي تمّ بواسطته تصفية أبرز زعامات المعارضة اليسارية التونسية، كما صار الملايين من التونسيّين يفكّرون في امتلاكه لأجل أمنهم الشخصيّ. تنسج حوله الكاتبة ميزات إنسانيّة فهي تصوّره لنا عاشقا وحبيبا، تلتاع له شوقا ومن ثمة تلفظه حبيبا خائنا. هكذا يبدو الواقع التونسيّ وهمومه مشارا إليه كهمّ شخصي بالنسبة للكاتبة، وإذ أسالت الثورة التونسيّة لعاب الكثيرين وتهافتوا عليها إبداعيّا، دون أن تكون لهم الحصافة في تركها تتخمّر على مهلها، فجاءت جلّها مشوّهة، تشير نورا لها برشاقة تاركة القارئ يقيم تأويلاته الخاصّة به، دون أن تكون وصيّة على المشترك والجمعيّ بينها وبين أفراده.

رغم المرح الذي يظهر أحيانا واضحا للعيان بين نص وآخر فإنّ الطابع الأسود يلوح أحيانا شديد القتامة، في نصوص نورا مثل مجهول ملفوظ في الظلام والبرد، وكأنما تذكرنا أنّ هناك سجينا ما يزال يقبع في زنزانة منفردة، أو تشير ضمنا إلى إشكالات ما زالت مطروحة أمام القصّة في معالجة همّ الإنسان ووجعه في مفهومه الكوني، باعتبار القصّة وعاء يستوعب القلق الوجودي الدائم الذي يتنازع الإنسان.
انتهجت نورا خليل تعبيرا يتناغم كليا مع أسئلة القصص التي اجـــترحتها ولا يتنافر معها، باعتمادها أحيانا على نسق سريع تدعمه الجمل القصيرة، وأحيانا نسقا متأنيا حين تقتضي الأمور، عبر المونولوجات والحــــوارات الباطنية التي تساءل فيها نفسها قبل المجتمع عن طريق شخوص القصّة.

إنّ نور خليل تلعب في أحايين كثيرة دور طبيب جراحة التجميل الذي يمدد على سريره الطبّي جلد المجتمع باحثا عن الندوب والتقرحات التي تشوّهه، ومن ثمّة تحاول تجميله وجعله أقل قبحا سرديّا على الأقلّ في نصوصها، حينما تقفل قصّة «الجنّة تحت أقدام الأزواج» والمجموعة بقفل الأمل. فعلت ذلك برشاقة متخصّص عارف بتقنيات القصّ دون الوقوع في شرك التنظير والوعظ، ودون أن يسقط القارئ معها في مربّع الملل والعنتريات الجوفاء.

هكذا تتمدّد عوالم نورا خليل القصصية داخل السؤال، سؤال النص. كيف تكتب؟ كيف يمكن أن تتجاوز سابقيها؟ وسؤال المعنى الذي يفرض نفسه في ظل واقع إشكالي يتطلب من الأدب العامة والقصة القصيرة تخصيصا أن يكون لها دور وصوت في تراكمه.

يمكنا القول كخلاصة إنّ الكاتبة ومنذ مجموعتها القصصية الأولى أقدمت في محاولة جادة ومحترمة على تعديل مسار القصة القصيرة التونسية شكلا ومضمونا، لتعود بها مع كوكبة من القصّاصين التونسيين الآخرين أمثال نجيبة الهمامي وعيسى جابلي ومحمد الفطومي وغيرهم إلى التجريب السردي، مؤكدة على معاني النصوص وأخيلتها يربطها بالواقع المجتمعي والأدبي في تونس.

القدس العربي، 2017/07/06

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق