تحاليلتونس

تشابه في المسيرة و تماه في المؤشرات:الشاهد «ماكرون» تونس ؟

 

 

   بدأت معظم المرتكزات التي قادت «ايمانيول ماكرون» الى «الاليزيه» بالتشكّل خلف شخصية يوسف الشاهد «الابن السياسي» للباجي قائد السبسي والذي اصبح مُرشّحا لتكرار التجربة الفرنسية في تونس في سباق الرئاسيات القادمة . 

يشهد المشهد السياسي تحوّلات كبرى عالميّا في سياق اعادة انتاج منظومات حُكم جديدة تؤسس لانهيار التمشي التقليدي الذي كان متّبعا كمسار حتمي للوصول الى الحكم، يمر اساسا عبر مراكمة التجربة السياسية و “النضال ” و المرور عبر تدرّجات عديدة في المستوى الحزبي قبل الوصول الى منصب «الزعامة « الذي يخوّل الترشح لمناصب هامة مثل رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة او يخوّل الدخول في تشكيلة حكومية… كل هذه المعطيات تم الغاؤها باعادة انتاج مفهوم “الزعيم “الذي لا يستغرق الوقت الكثير وبإمكانه التواصل مع اكبر قدر ممكن من الجمهور عبر تقنيات التواصل الحديثة بخطاب حديث يقطع مع الخطاب السياسي الخشبي ويكون مباشرا اكثر .

زعماء جدد:

زعماء جدد بدؤوا بالظهور على الساحة السياسية في عدد من الدول يتشابهون بأقدار كبيرة و في عديد المستويات، تشابه يبدو واضحا بين الرئيس الفرنسي «ماكرون» ورئيس الحكومة التونسي يوسف الشاهد … تشابه يمكن تلخيصه في عدد من العناصر، اوّلها غياب التدرّج الهيكلي الحزبي لكلا الشخصين فرئيس الجمهورية الفرنسي ايمانويل ماكرون (ولد في 21 ديسمبر 1977) جاء للسياسة من عالم المال وهو متخرج من المدرسة الوطنية للإدارة في 2004، ثم أصبح مفتشًا ماليًا قبل أن يبدأ في 2008 العمل كمصرفي استثماري في بنك «روتشيلد» … انضم بين 2006 و2009 للحزب الاشتراكي، ثم عين في 2012 نائبًا للأمين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية لدى الرئيس فرانسوا هولاند، ثم وزيرًا للاقتصاد والصناعة والاقتصاد الرقمي في حكومة مانويل فالس الثانية، وذلك حتى 2016… في أفريل 2016، أسس حزب إلى الأمام ! (!En marche) ذا التوجهات الوسطية. ثم في 16 نوفمبر الموالي أعلن عن ترشحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية 2017… وتمكّن من الفوز بعد ان دعمته شخصيات من توجهات سياسية مختلفة (يمين، يسار، وسط…).

يوسف الشاهد (ولد في 18 سبتمبر 1975 ) الذي لم يعلن رسميا عن نيّته في الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة ويروّج في الكواليس أنّه يستعد لها، تختلف مسيرته الوظيفية واختصاصه مع “ماكرون ” فهو متحصل على شهادة مهندس في الاقتصاد الفلاحي سنة 1998 كما تحصل على الدكتوراه في العلوم الفلاحية، من المعهد الوطني الفلاحي بباريس في 2003، بعد ان سبق وتحصل سنة 1999 على شهادة الدراسات المعمقة في اقتصاد البيئة والموارد الطبيعية.

دور الباجي قائد السبسي :

اما سياسيا فتتشابه مسيرته مع ماكرون بشكل كبير فهو حديث العهد بالممارسة السياسية حيث كان الشاهد من مؤسسي الحزب الجمهوري في 9 أفريل 2012… ثم استقال وانضم الى حركة نداء تونس وأصبح عضو مكتبها التنفيذي… استفاد من قربه فكريّا من مؤسس الحزب الباجي قائد السبسي رفقة مجموعة اخرى استفادت من الخبرة السياسية للباجي من بينها سليم العزابي و محسن مرزوق … حيث راهن عليه في حل الخلافات داخل النداء سنة 2015 وعيّنه رئيسا للجنة الـ 13 التي حاولت تقريب وجهات النظر بين الفرقاء داخل الحزب حينها .

قرب الشاهد من الباجي جعل بعض الخبراء يطلقون عليه تسمية “الابن السياسي ” للباجي قائد السبسي وتدعّمت هذه المقاربة اكثر بعد ان تم تعيين الشاهد كاتب دولة لدى وزير الفلاحة (سنة 2015 ) ثم أصبح وزير الشؤون المحلية في نفس الحكومة سنة 2016 … وفي شهر اوت من نفس السنة اقترحه الباجي ليصبح رئيسا للحكومة وهو ما حصل بعد ان نال الثقة في اوت من نفس السنة باغلية قياسية قُدّرت بـ 167 صوتا ليصبح اصغر رئيس حكومة في التاريخ المعاصر لتونس وحظي على غرار ماكرون بدعم قوى سياسية من مختلف التوجهات .

في طليعة الشخصيات المحبوبة :

من نقاط التشابه ايضا ان «ماكرون» كان قبل الانتخابات في طليعة الشخصيات المحبوبة من الفرنسيين وهو ما اكّدته معاهد سبر الاراء التي اوردت ارقاما شديدة الاهمية في ما يتعلّق بتماهي مواقف ماكرون مع افكار عدد كبير من الفرنسيين وهو ذات الامر بالنسبة لرئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد الذي ارتفعت نسبة رضا الشارع التونسي عنه حسب سبر اراء نشره ” معهد امرود كنسلتنغ “والذي اكد ان نسبة رضا التونسيين عن الشاهد ارتفعت من 39.6 % خلال شهر ماي الفارط الى 54.4 % خلال الشهر الجاري وهو ما يفسّر ان حربه ضدّ الفساد والتي اسفرت عن ايقاف عدد من روس الفساد وكبار المهربّين ساهمت بشكل كبير في تحسين صورته مما زاد من ثقة التونسيين فيه.

دور المرأة :

مسيرة الشخصيتين تتميز ايضا بالدور الهام الذي تلعبه المرأة فمسيرة ماكرون لا تخلو كل مفاصلها من وجود اسم زوجته “برجيت ترونيو ” التي احبها منذ كان سنه 16 سنة حينما كانت تُدرّسه اللغة الفرنسية … “بريجيت ” التي تكبر ماكرون بعشرين سنة اثّثت كل مراحل حياته السياسية ويعتبر بعض المقربين من ماكرون انها من قادت ماكرون الى القصر الايلزية وانها صانعة نجاح زوجها.

اما دور المراة في حياة الشاهد فيتلخص في انه حفيد الناشطة النسوية والنائبة في البرلمان راضية الحداد … ولئن كان يوسف الشاهد يحاول الابتعاد عن اسقاط اسم راضية الحداد في اي طرح يحاول مقاربة مسيرته السياسية الاّ ان اسم رئيسة الاتحاد القومي النسائي بين سنتي 1957 و 1972 يطفو دائما في احالة على التاريخ السياسي لهذه العائلة.

الصعود السريع للشاهد يُشبه الى حد كبير الصعود بنفس السرعة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون… لكن امال فوزه بالانتخابات الرئيسية تبقى رهينة عديد المعطيات منها موقف رئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي باعتبار نفوذه الرمزي على حزب النداء فإن قرّر الباجي الترشح للانتخابات القادمة فانّ كل المعادلات ستتغيّر اما ان قرّر الباجي دعم الشاهد مثلما دعمه في محطات سابقة و سعى الى تجميع عدد من القوى السياسية لاسناده فان الامر سيصبح ايسر بالنسبة للشاهد.

سرحان الشيخاوي
الشروق،2017/08/09

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق