إصداراتتونس

كتاب “الطّاهر بن عمار : كفاح رَجل و مصير أمّة”(1889-1985)

مقدمة :
مؤلف” الطاهر بن عمار 1889-1985: كفاح رجل و مصير أمة”، تأليف  في ( 743ص) ، هو   ثمرة زهاء ثلاثين عاما من البحث و التحقيق في شخصية الطاهر بن عمار إنسانا وسياسيا ” ص 9…كما جاء في التقديم. لقد كان هذا الخيال خاصية عائلية موروثة..هو خيال ثمرة الإنغماس في الثقافة و الولع بالفن، .يكتب المؤلِّف  عن والده  :” ومنذ سفرته الأولى مع أخويه إلى فرنسا و إيطاليا سنة 1909 لم تنقطع صلته بفرنسا بالخصوص حيث زارها سنة 1910 و سنة 1911 لمتطلبات العمل و حضور معرض الفلاحة وكان إلى جانب ذلك يرتاد المسارح و دور الثقافة..) ص44. و  يكتب المؤلف :” ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن الطاهر بن عمار كان من المولعين بالمسرح وقد قاده اهتمامه الفني إلى التردد على مسرح الأوبرا.و في هذا السياق تعرف على المغنية و الممثلة المسرحية الشهيرة آنذاك “مارت شنال” التي ربطته به علاقة صداقة تواصلت سنوات. وكان لهذه الممثلة صالون ثقافي و سياسي يقصده كبار رجال السياسة و الثقافة في عاصمة الأنوار و بفضل هذه العلاقة تمكن من التعرف على عدد كبير من محترفي السياسة وأهل الفكر و الفن.ص49.
الكتاب في  11 فصلا ، هي 1-محاكمة الطاهر بن عمار : المفاجأة الكبرى-2 – جذور عائلة بن عمار -3- الطاهر بن عمار- 4 –الطاهر بن عمار و تكوين الجمعيات ذات الطابع الإقتصادي-5- الحرب العالمية الثانية وانعكاساتها- 6- الطاهر بن عمار و الجبهة الوطنية- 7- تشكيل حكومة الطاهر بن عمار الأولى 6أوت 1945-13 سبتمبر 1955 : المهمة العسيرة -8- الطاهر بن عمار يشكل أول حكومة وطنية متجانسة -9- الذكرى الأولى للإستقلال و بوادر محنة الطاهر بن عمار – 10- النشطة الأخرى للطاهر بن عمار -11 وفاة الطاهر بن عمار و” الصمت الفضيحة– 
صانع الجمهورية : منظر الإصلاح الإقتصادي و النهوض بالفلاحة التونسية: 
ينطلق مؤلف الكتاب في فصله الأول من وصف شارع باب البنات يوم الإثنين من غرة سبتمبر 1958، صبيحة محاكمة مهندس الإستقلال التونسي و الممضي على وثيقته ، المناضل الطاهر بن عمار وزوجته .ص17.وفي الفصل الموالي، يقدم المؤلف ، سليل العائلة نبذة عن جده الحاج علي بن عمار (1908-1915) القادم من بلاد الشام في أواسط القرن الثامن عشر والذي استهوته تونس باستقرارها و ازدهارها و طيب العيش فيها فعمد إلى بيع أملاكه كلها ما عدا الغنم و الخيل و الإبل و بضع عشرات من الخيل ( ص19-20).
في 25  نوفمبر 1889ولد الطاهر بن عمار برأس الدرب، و هو سادس تسعة إخوة وأخوات من أبناء الحاج محمد بن عمار و نشأ  في تلك الناحية .ويقول الطاهر بن عمار حين درس بالعلوية إنه بدأ يدرك منذ شبابه المبكر مساوئ السياسة الإستعمارية فقد لاحظ أن السلط تعامل الفلاحين الفرنسيين من المعمرين بكثير من المحاباة و التسهيلات و الإمتيازات في حين تضع العراقيل في طريق الفلاح التونسي ص 40.ومنذ سنة 1910،اصبح الطاهر بن عمار ممن يرتادون باستمرار “النادي التونسي” و كان لخير الله بن مصطفى و عبد الجليل الزاوش الأثر الكبير في انضمام الشاب الطاهر بن عمار إلى هذا النادي الذي يضم خيرة المناضلين المثقفين و على ر أسهم حسن القلاتي و محمد الأصرم (ص42-43)و سوف تكون لعبقرية المكان و لباب الجديد تحديدا الإسهام المحدد في صنع المصير السياسي للزعيم الطاهر بن عمار صعودا و نزولا ،كما يتضح من الفصول القادمة في الكتاب.ف”في تونس بدأ الطاهر بن عمار بالفعل نشاطه السياسي وكان يعقد اجتماعات في حيه بناحية رأس الدرب يحضرها مجموعة من الشبان فيتناقشون في القضايا المطروحة على الساحة السياسية و يبدو أنه بدأ الخوض في معركة كسب الأنصار للقضية التونسية ص 45 . وفي فصل تحت عنوان “الطاهر بن عمار و تكوين الجمعيات ذات الطابع الإقتصادي،تبرز جهود الرجل في وضع صروح البناء الجمعياتي لصالح الفلاحة التونسية..و هذا درس بالغ الرموز لتونس ما بعد 14 جانفي 2011 .فبعد أن ساهم في بعث الجمعية الفلاحية الأهلية ثم الحجرة الفلاحية، كان تقرير المصير دوليا ف”في شهر جويلية 1931، سافر الطاهر بن عمار إلى باريس ليشارك في المؤتمر الفلاحي الإستعماري وقدم تقريرا بسبع صفحات نشر بجريدة “صوت التونسي” في عددها 234، الصادر في 21 أوت 1931 وهو تقرير يدل على مدى عمق تجربة صاحبه في الميدان الفلاحي و إلمامه بمشاكل الفلاحة التونسسية ومعرفته الدقيقة بأسباب أزمتها مما أهله لتقديم الحلول المناسبة و تشخيص مواطن الداء من تأثيرها وخطورتها وأمام استفحال الأزمة و قع الإتفاق على إرسال وفد تونسي إلى باريس لتوضيح خطورتها، لأن القضايا العويصة  تتجاوز صلاحيات المقيم العام و إدارته .وكان امل هذا الوفد أن يجد حبل النجاة للخروج من الوضعية الخطرة التي تعيشها الفلاحة التونسية .وهكذا قدم الوفد للمسؤولين الفرنسيين مقترحات يمكن أن تخرج الفلاحة من النفق المظلم الذي تردت فيه و اقترح إنشاء هيكل جديد للقرض الفلاحي…وفي تونس ضغط المعمرون و غلاة الإستعمار على المقيم العام فرانسوا مونسرون وعلى السلط الفرنسية و قاموا بحركة نشيطة بين تونس و فرنسا لكي لا تستجيب السلط الفرنسية إلى مطالب الوفد الفلاحي التونسي بقيادة الطاهر بن عمار. ( ص 90-ص91.) 
وقد عاد وفد فلاحي ثان إلى باريس في شهر أكتوبر 1932 وذلك عندما شهدت هذه السنة “وصول الأزمة العالمية ذروتها، تلك الأزمة التي اندلعت بوال ستريتWall Street بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1929 وظهرت تأثيراتها المدمرة على فرنسا ومنها على مستعمراتها وهو ما ضاعف مصائب الفلاح التونسي الذي بدأت مأساته مع رغبته الصادقة في تعصير فلاحته و تطويرها و لكنه اصطدم بالنظام العقاري المفروض من الهياكل الإستعمارية ..” ص 92. و بالإضافة إلى جهوده الكبيرة في الوفدين الفلاحيين إلى باريس سنتي 1931و 1932 و وإلى موقفه الصارم من تقرير لجنة تاردي قدم الطاهر بن عمار للفلاحة التونسبة في الثلاثينات خدمات جليلة لعل من أهم ما تمكن من إنجازه هو تأسيس جهاز بنكي جديد لمساعدة الفلاحين وكذلك التوصل إلى وتجميد البيوعات العدلية.(ص)101.
و قد جاء اندلاع الحرب العالمية الثانية ليضع فاصلة أولى لتطور النشاط الوطني التونسي و ذلك بإعلان حالة الطوارئ.فقد”علق المقيم العام نشاط المجلس الكبير بقسميه و كون لجنة من 10 أعضاء 5 من التونسيين هم الطاهر بن عمار و امحمد شنيق و ألبار بسيس و حامد عكاشة و عبد الرحمان اللوز و 5 أعضاء وفرنسيين.ص 117.ولكن سرعان ما استأنف نشاط المجلس الكبير كما يرد في هذا الفصل تحت عنوان:” الحرب العالمية الثانية و انعكاساتها” .ففي 1 نوفمبر 1934، انتخب الطاهر بن عمار لتمثيل القسم التونسي في المجلس الكبير في عضوية “المجلس الإستشاري المؤقت بالجزائر”.ص120 .ورغم هذا الإشعاع لهذا المجلس، فقد “كان أغلب أعضاء القسم التونسي في المجلس الكبير و بالخصوص رئيسهم الطاهر بن عمار يدعمون بقوة مذكرة 31 أكتوبر 1951 التي تطالب بتعويض المجلس الكبير بمجلس تشريعي متجانس لا مكان فيه إلا للتونسيين و طلبوا من الحكومة ألا تدعو إلى تجديد القسم التونسي” ص 141.و هو مطلب لم يرى النور بعد ذلك.
ومن جهة أخرى يبرز الكاتب في الفصل الموالي تحت عنوان” الطاهر بن عمار و الجبهة الوطنية”، و هو أطول فصول الكتاب ( 136 صفحة) كيف كان الطاهر بن عمار ركيزة أساسية ضمن هذا الهيكل الوطني المذكور التي كانت شرارتها الأولى منذ سنة 1944 ، حيث شهدت تلك السنة حراكا كبيرا وعاد الإهتمام بشؤون الحركة الوطنية ودخل طلبة جامع الزيتونة و أساتذته في إضراب و انتعش النشاط الحزبي وعادت اجتماعات “النادي التونسي”. كما سعى قادة الحزب الدستوري الجديد إلى إحياء فروعه و تنشيطها.وكان الجميع يستغلون الغضب الشعبي المتولد عن إبعاد المنصف باي ونفيه لإذكاء نار الحركة الإحتجاجية.ص. 143،كما كانت للطاهر بن عمار “صلات جيدة بكل مكونات المشهد السياسي التونسي من ذلك أنه التقى بالشيخ عبد العزيز الثعالبي في أواخر سنة 1934 وقد تقدمت به السن فأبدى الشيخ الثعالبي قلقه من تشتت القوى الوطنية و حث الطاهر بن عمار على بذل كل ما في وسعه لجمع كلمة الوطنيين في هيكل ينسق جهودهم و يوفر لحركتهم الثقل و المصداقية و النجاعة لتلبية المطالب الوطنية ووعده الطاهر بن عمار بأن يسير في هذا الإتجاه الذي يخدم مسار التحرير.ص143 .
لم يكن لكل هذا النشاط و الإشعاع إلا ان يكون صانع الإستقلال مستهدفا من العصابات الإرهابية للمستعمر الفرنسي التي انبعثت للوجود مع المقيم العام الفرنسي الجديد الدموي “دي هواكلوك” و ذلك يوم 13 جانفي 1952 ، هذا الذي واجهه عضو حكومة محمد شْنيّق و الكاتب العام للحزب الحر الدستوري لاحقا، الزعيم صالح بن يوسف عند أول اجتماع للأول بالشاذلي آنذاك بقصر المرسى ، لما امره بالسكوت “لا أحد هنا يمكنه أن يأمرني بالسكوت إلا صاحب الجلالة”.ص 150. كل هذا التصعيد المشترك للوطنيين جعل موجة الإغتيالات الآثمة تنطلق مع محاولة اغتيال الزعيم الطاهر بن عمار الفاشلة ب”فيل جاك” ( المنيهلة حاليا) يوم 4 ديسمبر 1952. والي سبقت عملية اغتيال فرحات حشاد يوم الجمعة 5 ديسمبر 1952 بضاحية رادس..وهي الجريمة التي “رفع من أجلها الطاهر بن عمار قضية ضد الأشخاص الذين ذكرهم المفتش امحمد بوسنينة للسيد محمود بدير و عرض على المحكمة رسائل التهديد العديدة التي وصلته..” وقد قابل الوطنيون هذه الجرائم و الإغتيالات ب”تصاعد المقاومة الوطنية المسلحة”.، كما يعنون الكاتب احد فصوله..ف”أثناء هذه الفترة كان نشاط المقاومة الوطنية ( الفلاقة) يتصاعد رغم محدودية الوسائل و وأخذت أسماء رموزها تنتشر بين الأهالي نتيجة الضربات الموجعة التي كانت تصيب بها المستعمرين. ومن أشهر هؤلاء المقاومين ساسي الأسود و لزهر الشرايطي
كما يكشف الكاتب من خلال هذا الفصل كيف تميز بورقيبة بمقدرته الفائقة في تعبئة المساعدين و كسب الرجال،فقد “هاتف الحبيب بورقيبة الطاهر بن عمار ليلة الإربعاء 21 جويلية 1954 يدعوه إلى المجيئ قبل أن يلتقي بفوشي ( أحد وزراء شارل ديغول) لأن الأمر الذي يريد أن يحدثه فيه لا يقبل الإنتظار .وهكذا تم اللقاء بعد ظهر يوم الإربعاء 21 جويلية 1954 بمقر إقامة بورقيبة بقصر “لافرتي” بأميلي حيث أخذه هذا الخير على حدة على حديقة القصر و أخبره بأن محمد المصمودي ممثل الحزب الحر الدستوري الجديد بباريس زاره قبل يوم و بلغه أن منداس –فرانس الذي تحدث إليه في “جينيف” مستعد لفتح باب المفاوضات قصد الإحراز على لإستقلال الداخلي و لا شيء فوق ذلك وأن الحبيب بورقيبة قد قبل هذا العرض فورا فصادق الطاهر بن عمار على هذا الأمر مضيفا أن هذا ما وعد بهم منداس -فرانس من قبل توليه رئاسة الحكومة الفرنسية كما ذكرنا سابقا.ولم يكن هذا الإتفاق بين الرجلين –بن عمار و بورقيبة- غريبا فقد كانا يحملان نفس القراءة  و التمشي لمعالجة القضية الوطنية”.ص275.
كان لا بد أن تتوج مسيرة الطاهر بن عمار المتميزة ب”الثبات والصرامة في المطالب و المرونة مع المرحلية في إدخال بعض بنود الإتفاق المرتقب حيز التنفيذ”.كما يرسم له ابنه الكاتب الذي كانت يجمعه شكل من “التواطؤ في جريمة حب الوطن ” . ليكوّن ” الطاهر بن عمار  أول حكومة وطنية متجانسة” و بأنه “يتجاوز أحد النقاط الخلافية مع الحبيب بورقيبة و هو شخصية المنجي سليم، وها أن هذا الفلاح و السياسي الصامد يأمره ب ” إعداد حقيبته لمرافقته إلى باريس قائلا ك”لقد بدأنا المهمة مها و وسنتمها معا”.وقد تجمع العديد من الشخصيات الرسمية و جمهور كبير بمطار العوينة حيث خاطب الطاهر بن عمار الحضور قائلا :”أنتم ترونا أنه يوم عظيم.ما اجمل هذا النهار! الإستقلال و المطر في آن.هذه الأمطار الاولى في شهر مارس مفيدة جدا للفلاحة.كل شيء على احسن مايرام”.و التفت حمادي بدرة وزير الفلاحة إلى الطاهر بن عمار قائلا له بتأثر “إن هذا المطر الذي يتهاطل في كامل البلاد بشير خير ودليل على نجاحك. “ص 477.
بوادر التصفية ونهاية رجل وطني :
في الفصل السابع تحت عنوان”الذكرى الأولى للإستقلال و بوادر محنة الطاهر بن عمار،وهو ثاني أطول فصول الكتاب ، يصدع الكاتب ب”الحقيقة التي يدركها كل من تابع عن كثب ما عقب الإستقلال إنما هي سعي الرئيس بورقيبة لوضع ركائز الحكم الفردي و ما صاحب ذلك من حملة مسعورة على من ينعتون بالبرجوازية كما لو كانوا متواطئين مع المستعمرين و إنما كان القصد من هذه الحملة تجريد هذه الفئة من كل دور في معركة التحرر الوطني و بناء نهضة تونس الحديثة”ص 489.و يواصل الكاتب مستنتجا في نفس هذه الفقرة من نفس الفصل بأنه “كان هدف الرئيس بورقيبة تصفية حساباته مع هذه الطبقة نتيجة مركبات نفسية تراكمت منذ الطفولة فكان لايكن مودة للمناضلين من أبناء هذه الطبقة و إن أخفى طيلة مراحل الكفاح الوطني، و كأنه يجب على هؤلاء أن يعتذروا على انتمائهم الإجتماعي و عما حققوه من ارتقاء بفضل كدّهم ” ص 499 .
ومع ذلك” كان الإيقاع بالطاهر بن عمار يفتح الباب على مصراعيه أمام بورقيبة للحكم الفردي و الإستبداد و شل كل مؤسسات الدولة و تكميم الأفواه و توظيف القضاء لغايات سياسية. لم تعمل المؤسسات إذن كما أرادها المناضلون الذن حرروا البلاد و سعوا إلى إرساء الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة. و إن ما عرفته تونس من مآس على مدى ستين سنة، كان نتاجا لثلاث سنوات من الحكم الفردي في غياب مجلس تشريعي دام المجلس التأسيسي قرابة ثلاث سنوات و لم تكن له صلاحيات التشريع. ثلاث سنوات كانت كافية ليتمكن بورقيبة من وضع يده على مفاصل الدولة و إقصاء كل من يمكن أن يعارضه سواء داخل الحزب أو على الساحة السياسية.فلو أن المؤسسات اضطلعت بالدور الذي أسست من أجله و لو كان هناك فصل من بين السلط القضائية و التشريعية و التنفيذية لما آلت الأوضاع إلى ما آلت إليه .و يكفي أن نقارن بين عدد الصحف و الدوريات التي كانت تصدر قبل الإستقلال و بين عددها بعد سنوات قليلة من الإستقلال حتى نتبين حجم ما ألحقه بورقيبة بحرية التعبير و حق التظيم السياسي. ص 509
فها أن بورقيبة و حاشيته تدبر المكيدة لرجل يروي الكاتب :” الحقيقة ان الوقائع تعود إلى يوم 15 ماي 1955 و أذكر جيدا- و كنت في العاشرة من عمري- أن والدتي اصطحبتني إلى قصر قرطاج لتقدم تهانيها إلى حرم الأمين باي، السيدة جنينة بمناسبة عيد العرش. وبعد انتهاء الحفل و عند مغادرتنا القصر و كانت والدتي بعد في السيارة، لحقت بها جودة زكرياء زوجة الشاذلي باي ووضعت في حجرها صندوقا ملفوفا بغطاء رأس (فولارة)مربوطا بخيط. و لم يكن حجم الصندوق يتجاوز صندوق الحذاء. وظنت والدتي أنها هدية لا تعلم محتواها فامتنعت قائلة : ” أرجوك سيدتي..إن سي الطاهر زوجي لا يحب ذلك وقد منعني من تلقي الهدايا”.ولكن السيدة جودة أصرت متوسلة: ” أرجوك أرجوك. إنها ليست هدية بل امانة أود ان تحفظيها ” …ص 510. و يوصل الكاتب : و أذكر أن السيدة جودة ق أسرت لوالدتي في ذلك الموقف أنها تتوقع أن زوجها سيطلقها لأنها لنم تنجب ذرية و هو ما أحزن زوجها الشاذلي باي الذي كان قد سعى – كما أشرنا إلى ذلك سابقا – إلى تغيير نظام الوراثة كي يؤول الحكم من الأب إلى الإبن لا إلى اكبر أفراد العائلة المالكة سنا كما هو معمول به. فكان أشد ما يكون حرصا على أن يرزق إبنا من صلبه يرث الحكم بعده- وكانت جودة قد تبنت ابن أخي زوجها امحمد فتوسلت إلى السيدة زكية بن عمار قائلة:” أرجوك احفظي هذه الأمانة ذخرا لهذا الصبي” تعني ابنها بالتبني-. ص 510. فماذا كان مصير أحد القادة الكبار للإستقلال جراء هذه الحادثة ؟ يقدم الكاتب تسلسل الأحداث كما يلي:” هكذا يتضح بما لا يترك مجالا للشك أنه لاعلم للطاهر بن عمار بهذا الحدث البسيط. و الذي فوق ذلك مر عليه ثلاث سنوات أي قبل الإستقلال الداخلي و التام وقبل إلغاء الملكية بما يزيد على السنتين.كان الأمر إذن افتراء محضا و توظيفا كيديا انتقاما من الطاهر بن عمار” ص 511.
خاتمة:
فها أنه ” لم تمض أربعة أيام حتى أودع الموقوفون الثلاثة، الطاهر بن عمار و حرمه و أخوها السجن المدني ب9 أفريل .ومن المواقف المؤثرة و المثيرة التي يذكرها أكثر من واحد من رجال الأمن تلك اللحظة عندما هم زهير ببو بوضع الكبالة في يد الطاهر بن عمار اليسرى فاستوقفه  قائلا :” لا.دَعْ اليسرى وضع الكبّالة في اليمنى هذه التي أمضت وثيقة الإستقلال “. ويذكر الشهود ايضا أن زعير ببو الذي كان وراءه  قد اضطرب و ارتعشت يداه وقال وقد خنقته العبرة :”معذرة سي الطاهر لقد وضعوني في هذا الموقف الذي لم أختره، غني عبد مأمور، أنفّذ  لأوامر و أنت تعلم” .
 

المنذر شْريّط
المصدر:  مركز الدرسات الاستراتيجيةو الديبلوماسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق