الجزائررأي

الجزائر وجرائم الإستعمار

 

 

سلوك النظام الجزائري الحالي تجاه فرنسا يختلف جذريا عن الطبيعة المميزة لسلوك مرحلة كل من الرئيسين أحمد بن بلة وهواري بومدين اللذين ثابرا على انتهاج أسلوب القطع الحاد مع إدارة قصر الإليزيه.

يبدو أن النظام الجزائري يستخدم مسألة الذاكرة التاريخية لصالحه من أجل كسب المزيد من الشرعية أمام الرأي العام الجزائري، وفي الحقيقة فإن مطالبته لفرنسا أن تعترف بجرائمها في الجزائر لا يتجاوز فلك التصريحات التي توجه للاستهلاك المحلي، إلى ممارسة مواقف جادة تمس العلاقات الاقتصادية مع الدولة الفرنسية وكذلك المجالات الحيوية الأخرى منها الوجود الثقافي واللغوي في الجزائر.

ففي يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين دعا، كل من وزير المجاهدين الجزائري الطيب زيتوني والرئيس عبدالعزيز بوتفليقة فرنسا أن تعترف بجرائمها التي ارتكبتها في حقبة الاحتلال الذي دام قرنا وثلاثين سنة.

ويبدو أن النظام الجزائري يريد أن يستعجل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لكي يفي بوعد الاعتراف بجرائم العهد الاستعماري الذي وعد به الجزائريين أثناء زيارته للجزائر أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، حينما صرّح وهو على الأرض الجزائرية بأن احتلال بلاده للجزائر يدخل في إطار جرائم الحرب ضد الإنسانية.

لا شك أن السلطات الجزائرية تنتابها الآن شكوك كثيرة في نوايا الرئيس الفرنسي ماكرون تجاه الجزائر وذلك بسبب عدم قيامه بزيارتها أوّلا بعد انتخابه رئيسا للدولة الفرنسية، حيث فضّل زيارة المملكة المغربية في شهر فبراير الماضي بدلا منها وذلك خلافا لعادات الرؤساء الفرنسيين السابقين. والظاهر هو أن زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون لجنوده في مالي أيضا قد أوله النظام الجزائرية تأويلات سلبية رغم اتصاله بالرئيس بوتفليقة بواسطة مكالمة هاتفية عبّر فيها عن رغبته في بناء علاقة استراتيجية فرنسية جزائرية، كما أعلن فيها أيضا عن زيارة قادمة له للجزائر لمناقشة ملفات محورية ساخنة وفي مقدمتها الأزمة التي تمر بها ليبيا ومشكلة الإرهاب وخاصة في منطقة الساحل والصحراء الكبرى دون أن يحدد الرئيس ماكرون جدولا زمنيا للزيارة.

وهنا ينبغي طرح هذا السؤال: لماذا هذا القلق الجزائري بخصوص عدم قيام ماكرون حتى الآن بزيارة للجزائر علما أن الزيارات الرئاسية البروتوكولية ليومين أو لثلاثة أيام لا تحل المشكلات الكبرى والمعقدة التي تختلط فيها تعقيدات القضايا السياسية الإقليمية والدولية والاقتصادية والثقافية بميراث الاستعمار الثقيل، فضلا عن التباينات السياسية المفصلية بين الجزائر وفرنسا ذات الصلة باحتضان الأخيرة لأقطاب المعارضة الأمازيغية المقيمين والناشطين في الفضاء الفرنسي والساعين إلى انفصال المنطقة القبائلية حينا وإلى الحكم الذاتي حينا آخر؟

في هذا السياق يمكن للملاحظ أن يعثر على لهجتين اثنتين متضافرتين كمكونين للبنية العامة لخطاب النظام الجزائري الذي يدعو فرنسا إلى تقديم الاعتذار للشعب الجزائري عن استعمارها للجزائر. تتميز اللهجة الأولى بالطابع التصالحي الذي يتمثل في مضامين الرسائل التي وجهها الرئيس الجزائري بوتفليقة إلى فرنسا بشكل عام وفي المدة الأخيرة إلى شخص الرئيس الفرنسي ماكرون حيث نجده يؤكد فيها أن فرنسا التي باشرت معها الجزائر المستقلة بناء شراكة استثنائية يجب أن تكون نافعة لكلا الطرفين وهي “شراكة لن يزيدها الاعتراف بحقائق التاريخ إلا صفاء وتوثبا”. ثم يضيف “هذا التذكير بالماضي ليس فيه أيّ دعوة إلى البغضاء والكراهية”.

وفي الوقت نفسه تبرز لديه لهجة التمسك بالحق التاريخي في المحافظة على ذاكرة حركة التحرر الوطني وصدامها مع الظاهرة الاستعمارية الفرنسية “إننا نمارس حقنا في حفظ الذاكرة وفاء لشعبنا الذي ضحى بمليون ونصف مليون من أبنائه وبناته لكي يسترجع سيادته الوطنية واستقلاله”. أما وزير المجاهدين الطيب زيتوني فتظهر في تصريحاته التي أدلى به الاثنين الماضي لهجة توجيه العتاب لفرنسا على إمعانها في التأخر في الاعتراف بماضي احتلالها للجزائر وما تمخض عنه من نتائج كارثية إلى جانب لهجة الأمل الملموس في اللجان الجزائرية – الفرنسية التي قال بأنها ستشرع قريبا في العمل على عدد من المشكلات العالقة مثل قضية الأرشيف، والتجارب النووية الفرنسية في الجزائر.

ويلاحظ هنا أن سلوك النظام الجزائري الحالي تجاه فرنسا يختلف جذريا عن الطبيعة المميزة لسلوك مرحلة كل من الرئيسين أحمد بن بلة وهواري بومدين اللذين ثابرا على انتهاج أسلوب القطع الحاد مع إدارة قصر الإليزيه ولقد تجسد ذلك في ربطهما للجزائر أيديولوجيّا وسياسيّا وتنمويّا بالاتجاه الاشتراكي التقليدي، وفي نزع السيطرة المباشرة لفرنسا ما بعد الاستعمارية على قطاع النفط والغاز الذي يمثل العصب الرئيسي للاقتصاد الجزائري.

أزراج عمر

المصدر: العرب، العدد 10683، 06-07-2017، ص9.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق