المغربرأي

المغرب: خطاب 29 يوليو والمفهوم الجديد للسلطة

 

 

 

كم كلفة عدم الاستقرار وانعدام الأمن؟ الثمن باهظ بلا شك. وما تعرفه بعض الدول العربية من انعدام الأمن وانتشار أشلاء الدمار لا يمكن إلا أن يشعرنا باليأس والقنوط. لكن بصيص الأمل يبقى دائما موجودا وهناك نماذج حية داخل مناطق الحرائق المنتشرة على خارطة العالم العربي رغم قلتها تشعرنا بذلك الأمل.

المغرب من الدول التي استطاعت أن تنجح في تدبير هذه اللحظة التاريخية التي تمر منها المنطقة رغم التحديات. يسير البلد نحو هدفه بخطى ثابتة، ودون مبالغة نقول إن المغرب استطاع أن يتأقلم مع محيطه ويصنع مقارباته في التصدي للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

منذ ثماني عشرة سنة رفع الملك محمد السادس شعار “المفهوم الجديد للسلطة”، مفهوم لا تزال ملامحه تتراءى كل سنة ومع كل منعطف وفي كل أزمة أو تحد. تجلى المفهوم عندما أجاب العاهل المغربي على احتجاجات حركة 20 فبراير المتزامنة مع ما اصطلح عليه “الربيع العربي”، فكان خطاب 9 مارس الذي تمخض عنه دستور اعتبره الكثيرون ثوريا.

وها هو تحد آخر يمر منه البلد تشكل في أحداث الحسيمة والاحتجاجات التي استمرت أكثر من ثمانية أشهر، خرج الناس هناك مطالبين بالكرامة وتفعيل مشاريع التنمية بالمنطقة. تطورت الأحداث على صدامات بين الأمن والمحتجين وفشل مسؤولي المنطقة في تدبير الملف.

خرج العاهل المغربي باعتباره رئيس الدولة وضامن وحدتها وحسن سير مؤسساتها، مخاطبا شعبه في التاسع والعشرين من يوليو قبيل يوم واحد من احتفالات عيد العرش. فشرح الوضع بكل واقعية وموضوعية، عندما قال إننا نعيش اليوم في مفارقات صارخة من الصعب فهمها، أو القبول بها. فبقدر ما يحظى به المغرب من مصداقية، قاريا ودوليا، ومن تقدير شركائنا، وثقة كبار المستثمرين، تصدمنا الحصيلة والواقع بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال إنها تقع في مغرب اليوم.

هناك سرعتان؛ الأولى سابقة للزمن ومتناغمة مع طموحات الشعب تسير بها المؤسسة الملكية كمعبر عن نبض الشارع، وسرعة أخرى لا تكاد تحس بها تسير بها طبقة السياسيين والإداريين. هنا يكمن الخلل، فمغرب واحد وسرعتان متمايزتان ستكون النتيجة سلبية ودون المستوى المطلوب.

النجاح في قطاع دون آخر ينعكس سلبا على الكل، فقد عرف المغرب أوراشا كثيرة وهامة على كل المستويات السياسية والقضائية والاجتماعية والاقتصادية، لكن كانت يد العبث أيضا مشاركة في تقليل المردودية على المواطن المغربي العادي، ذاك المواطن الذي يعيش في الأحياء الهامشية والنجوع البعيدة والقرى النائية هو من يجب أن يستفيد من غلة الوطن وليس قلة قليلة لا ترى في الوطن سوى مصالحها الخاصة.

وحسب تشريح الملك محمد السادس للوضع فذلك راجع بالأساس، في الكثير من الميادين، إلى ضعف العمل المشترك، وغياب البعد الوطني والاستراتيجي، والتنافر بدل التناسق والالتقائية، والتبخيس والتماطل بدل المبادرة والعمل الملموس.

الاستقرار الحقيقي يساهم فيه الجميع والمسؤولية يجب تحملها من الجميع أيضا، فالمؤسسة الملكية بالمغرب تعرف مسؤولياتها كعنصر مركزي داخل الدولة وكضامن للاستقرار، والاستقرار يتحقق بشكل تام غير منقوص عندما تقترن المسؤولية بالمحاسبة وعندما يذهب المسؤول الإداري إلى عمله حاملا فكرة جديدة وأملا متجددا وحلولا مبتكرة وفوق ذلك تراه يحمل هم كل الأسر المغربية ومتطلباتها.

خطوة نحو الأمام تحتاج دعما إضافيا وجهدا متكاثفا، فالمغرب به طاقات بشرية يجب استثمارها وليس قتل الأمل فيها. والبداية من داخل المؤسسات العمومية، فمن بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، كما يقول الملك، ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات التي تقدمها للمواطنين.

إذن حاجة المغرب أكيدة إلى عقلية إبداعية تهندس بابتكار للحلول وتعطي إمكانيات متعددة للخروج من المآزق وتدبير المشاكل دون تركها تتراكم. وحاجتنا إلى كل أفكار تغني قاموسنا السياسي المغربي وتقوي نموذجنا التنموي والاجتماعي.

من حق الملك أن يقرع السياسيين، فاليد الواحدة لا تصفق ولا بد للطبقة السياسية أن تقوم بواجبها، فالعاهل المغربي يتحدث بلسان الشعب وهذا الأخير يلوذ به في المحن والشدائد. وكثيرا ما كان تدخل الملك بردا وسلاما على الكثير من الأسر والأفراد الذين عانوا من شطط في استعمال السلطة من إحدى المؤسسات.

الحقيقة هي أننا في حاجة إلى ماكينة لإنتاج جيل من السياسيين والإداريين يتمتعون برؤية استشرافية تتماشى مع روح العصر، فالتنمية المناطقية تتطلب جهدا مزدوجا من الإدارة والقطاعين العام والخاص، وهنا يورد العاهل المغربي قراءته لحل المشاكل التي تعيق التنمية بالقول إن العامل والقائد، والمدير والموظف والمسؤول الجماعي وغيرهم، مطالبون بالعمل كأطر القطاع الخاص أو أكثر وبروح المسؤولية وبطريقة تشرف الإدارة وتعطي نتائج ملموسة لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس.

إنه المفهوم الجديد للسلطة الذي أتى به الملك محمد السادس في أول خطاباته في العام 1999، وها هو يعيد صياغته بطريقة وصيغة أخريين في خطاب العرش 2017، مفهوم يتطور ويتجدد ويحتاج إلى تنزيل مستمر إلى أرض الواقع.

تم إطلاق سراح نسبة مهمة من الشباب الذين خرجوا محتجين بالحسيمة والنواحي، أولئك الذين مجدوا قتل السفير الروسي بتركيا. وهذا المسعى من طرف العاهل المغربي أعطى نفحة إضافية لهذا المفهوم ودرسا مغربيا بأنه لن يحيد عن طريق تعميق أسس دولة الحق والقانون.

تدبير السلطة مضن فعلا لكن المؤسسة الملكية استطاعت أن تثبت مع الوقت أنها استشرافية وقريبة من تطلعات وطموحات وأحلام الشعب. وهذا لا ينعكس على بعض السياسيين الذين يقدمون على امتصاص مقدرات البلاد والعباد دون أن يرف لهم جفن ودون أن يتحملوا مسؤولياتهم في خدمة هذا الوطن.

فحماية الاستقرار والأمن ليست فقط من واجبات الأجهزة الأمنية، فالطبقة السياسية والمسؤولون الإداريون المغاربة يتحملون الجزء الآخر من هذه المسؤولية الكبرى.

المطلوب وضع الرجل المناسب في مكانه المناسب والقطع مع الزبونية والارتشاء للوصول إلى المنصب، وهذا سيساهم قطعا في إضفاء المشروعية على الأحزاب والسياسيين والإدارة أيضا، ويجعل المفهوم الجديد للسلطة ليس مناسبة احتفالية وإنما قاعدة تتراكم بها الإنجازات وتتحطم فوقها كل مفاهيم الاتكالية والخنوع واللامسؤولية.

محمد بن امحمد العلوي

المصدر: العرب، العدد  10709،  2017/08/01، ص7.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق