تحاليلتونس

قراءة في حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة

 

منذ أن تولّت الحكومة الحالية مقاليد الحكم تتالى تراكم المشاكل وكذلك الإجراءات،يصعب على الشخص الواحد تقييم جدواها وتأثيراتها،إلاّ أنه يسهل القيام بذلك عندما يتعلّق الأمر بقطاع ما،كالفلاحة مثلا،وهو موضوع هذا المقال. فمنذ مباشرة هذه الحكومة لمهامها طفى على السّطح معضلة شحّ السدود الكبرى ومشكلة ضيعة ستيل بجمنة-قبلي وإشكالية آليات التصرّف في أراضي الدولة الفلاحية المصادرة وغيرها،وكذلك الشأن بالنسبة للأراضي”الاشتراكية”.وإن كان لا بدّ من إجراءات هيكلية ومؤسساتية وتقنية لتثوير الفلاحة،فإنّ هذا لم يمنع المسؤولين على القطاع باتخاذ عديد الاجراءات التي تستحقّ الوقوف عندها،من ذلك الإجراء المتمثّل في إحداث تعاضدية فلاحية للتصرف بضيعة جمنة،وخيار تحلية ماء البحر،والحوافز المالية والجبائية الواردة بقانون الاستثمار عدد 71 لسنة 2016.فما هو إطار الإجراءات المتخذة والأهداف المرجوّة منها والآليات المرصودة ومن هم المنتفعون؟

لا يختلف إثنان في أنّ جزء من هذا الإطار أملته بعض العوامل الظرفية،مثال ذلك التطارح الذي حصل حول موضوع ضيعة جنمة-قبلي وما أحدثته من تفاعل إعلامي وسياسي انتهى باتفاق على إحداث هيكل شبه عمومي تعاضدي للإشراف التقني والمالي بالشراكة مع الدولة. هذا الموضوع المحلي والاستحواذ على لمساحات كبرى من أراضي الدولة الفلاحية دفعت بالبعض إلى البحث عن أجدى طرق التصرف في هذا المخزون العقاري.فبرزت أصوات تدعو إلى ضرورة استرجاع الدولة لأراضيها للقيام بالدور التعديلي لكي تضمن بذلك موارد مالية قارة للدولة،وأخرى قائلة بمواصلة سياسة الكراء للخواص وفق شروط قانون 1995،وثالثة تراهن على التأسيس للاقتصاد الاجتماعي/التضامني،ورابعة تهلّل لما ورد بمشروع اتفاقية التبادل الحرّ الشّامل والمعمّق لاستحثاث الاستثمار الخارجي في الميدان الفلاحي. هذا الإطار الظرفي طرح معضلة هيكلية عامّة تخصّ الشأن العقاري الفلاحي بتونس-تشتّت الملكية العقارية،حزمة فنية فلاحية-وأخرى تخصّ الهياكل المؤسساتية الضرورية لضمان الحوكمة الأجدى(شركات تعاونية،تعاضدية،مجامع فلاحية). لحلحلة الوضع صدر منشور مشترك صادر عن وزيري الداخلية والفلاحة وكاتب الدولة للشؤون العقارية بتاريخ 09 فيفري 2017(منشور عدد 40 منقّح للمنشور عدد 434 الصادر بتاريخ 01 أكتوبر 1998)يضبط شروط ومقاييس الإسناد لفائدة الفلاحين الشبان.كما صدر قانون الاستثمار عدد 71 لسنة 2016 لتحفيز النشاط الفلاحي الجماعي(تعاونيات،مجامع تنمية)وتحفيز المشاريع المصنّفة بخانة صنف”أ” من خلال منحة تفاضلية بنسبة 30% من حجم الاستثمار مع ترفيع سقف القرض العقاري من 150 إلى 250 ألف دينار(من 75 إلى 125 ألف دينار لدى الأصول)وتطويل مدّة الإمهال من 5 إلى 7 سنوات وتخفيض في نسبة الفائدة من 5 إلى 3%،مع امكانية الانتفاع بالقرض العقاري لاقتناء منابات شركاء على الشّياع للمساهمة في الحدّ من تشتّت الملكية.كما تمّ التّنصيص على منحة إضافية بـ 15% من قيمة الاستثمار للمشاريع المندرجة في إطار منظومة اقتصادية،أي تلك التي تثمّن المواد الفلاحية بمناطق الإنتاج.كما وقع إعادة هيكلة الأراضي الاشتراكية بحيث لم يبقى سوى 379 ألف هك بدون تصفية.أمام هذا المجهود التشريعي والتنفيذي،لسائل أن يتساءل عن آفاق هذه الإجراءات وحدودها ؟

في حقيقة الأمر هناك إجراءات منصوص عليها بمجلة الاستثمار القديمة لكن وقعت مراجعة بعض الشروط. باعتبار قدم إجراءات التحفيز للتصدي لتشتّت الملكية وللنشاط التشاركي-العائلي يسهل تقييم جدوى هذه الإجراءات،إذ يكفي الإشارة إلى المنحى التصاعدي لمؤشّر تشتّت الملكية بتونس حتّى يستشرف المرء ضعف جدوى هذا الإجراء،وهذا تأكيد على أنّ إشكالية الملك العقاري الفلاحي إشكال عقائدي أكثر منه مالي أو تقني. لذا،رغم تقديرنا الإيجابي لحجم الحوافز فالإشكال العقاري سيبقى أحد أهمّ العوائق لتثوير الفلاحة التونسية،فالأمر يستدعي القيام بتغيير عقلاني للذهنية التي”تقدّس”الأرض وفق معيار التملّك الفردي لا وفق معيار التقاسم الجماعي لفوائد الأرض.بالتوازي مع هذا يجب الدعوة إلى التفكير في تأسيس منظومة الاقتصاد الاجتماعي/التضامني وشروطها،كمنظومة متناسقة(تمويل،تأمين،تزويد،تسويق)موازية لمنظومة اقتصاد السوق،أي أنّه حان الوقت لصياغة تصوّر يشمل صنفين من الفلاحة : صنف أوّل يهمّ الضيعات الصغرى والشريحة الدنيا من الضيعات المتوسطة،تسوسه شروط التكافل والتضامن مع شرط إدماج حلقات التحويل والتصنيع صلب النشاط التضامني بالضيعة من خلال إحداث وحدات صغرى تمزج بين التقنيات التقليدية والتكنولوجيا المستحدثة،وهو ما قد يسمح بوضح حجر الأساس لآليات تسويق دائمة لما يعرف بـ”من المنتج إلى المستهلك”،وخاصة المواد الغذائية البيولوجية،لأنّ هذه الضيعات الفلاحية هي الأقرب لإنتاج من هذا الصّنف من المواد.أمّا الهدف الخصوصي من هذه المنظومة(فلاحة-تحويل محلي)فيكمن في توفير الشغل والعيش الكريم بعيدا عن منطق تراكم الأرباح.بالتوازي يمكن تصوّر صنف ثاني،يهمّ الشريحة العليا من الضيعات المتوسطة وكلّ الضيعات الكبرى،يسوسها الإنتاج المكثّف لغاية توفير المواد الأولية لوحدات التصنيع الغذائي الكبرى و/أو للتّصدير،على أن تفتح الأبواب لهذا الصنف من الفلاّحين أو يكونوا من المساهمين في رأس مال هذه الوحدات.هل يكفي إنجاز هكذا تصور لتأمين حاجيات الفئات المعنية؟

طبعا لا،لأنّه حتّى وإن وقع حلّ المعضلة العقارية فإنّ المعيقات الطبيعة ستظلّ في تطور مستمرّ وفق منحى سلبي. فالنموّ الديمغرافي بنماء حاجاته الكمية والنوعية،والزحف العمراني على المساحات الفلاحية،والتغيرات السلبية للمناخ والبيئة(انجراف وتصحّر-شحّ وملوحة وتبخّر)ستشمل كلّ الضيعات مهما كان حجمها وتقنيات انتاجها،لذلك لا بدّ من مشروع يأخذ بعين الاعتبار هذه المخاطر الداهمة،أولها شحّ المياه وتبخّرها. فلا جدال حول أهمية المياه للإنتاج الفلاحي،سواء تلك المرتبطة بحجم ونسق الأمطار أو المخزون المائي بالسدود والموائد المائية.قد نشيّد ألف سدّ لكن جدواها منعدمة إذا شحّت السّحب ! لهذا لا بدّ من استحثاث البحث العلمي لإيجاد طرق تقنية للتحكّم في نسب الضّياع أوّلا،ولابتداع تقنيات بديلة لترشيد استهلاك المياه وأخرى لتوفير المياه بما في ذلك المياه غير التقليدية،كما أنّه من الضرورة بمكان أن يقع توجيه البحث العلمي لتحسين مردود البذور والمشاتل والسلالات المحلية في ظلّ الظروف الطبيعية المتحوّلة.أكيد أنّ الإجراء المتمثّل في اقتناء وحدات لتحلية مياه البحر والمياه الجوفيّة وحفر وتجهيز آبار عميقة قد تساعد على توفير ماء صالح للشراب وتقلّل من الضغط على السدود،لكنها غير كافية باعتبار النسبة العالية لسهم الاستهلاك الفلاحي للمياه أوّلا(%80-%83)،ولغلاء كلفتها المالية ثانيا(اقتناء الوحدات وقطع الغيار فيما بعد).لقد بات ضروريا البحث عن معادلة تكيّف بأكثر جدوى بين الإنتاج النباتي والحيواني حسب فئة الضيعة،كأن يقع التحفيز على تربية مواشي وفق طرق تراعي العوائق العقارية والطبيعية وتحترم الضوابط البيئية وتثمّن المخلفات العلفية بالضيعات الفلاحية،وتثمّن الإنتاج العلفي بالغابات والأحراش،والتحفيز لاستعمال بيوت الاستنبات العلفي لتجاوز مشكل انعدام الملكية لدى بعض سكان الأرياف(غرفة بحجم 50 م² قادرة على توفير حاجيات 50 بقرة حلوب أو 250 رأس غنم وماعز).

ممّا ورد بالقانون المذكور أعلاه، الترفيع في القيمة القصوى للمشاريع الصغرى(صنف”أ)من 60 إلى 200 ألف دينار مع ضرورة توفير 10% كتمويل ذاتي.فما يمكن ملاحظته في هذا الشأن ما يلي: أولا، أنّ هذا الإجراء هو استحثاث لاستثمار ادخار مفترض !العارف بأوضاع الفلاحين يدرك جيّدا ندرة المنتفعين المفترضين بهكذا شرط؟ ثانيا، الترفيع في القيمة القصوى هو اعتراف ضمني بارتفاع أسعار كلّ عناصر الإنتاج الفلاحي وبالتالي ارتفاع لكلفة الإنتاج.لكن تحسين ظروف الإنتاج لا يعني بالضرورة تحسين الوضع المادي للفلاحين، طالما بقيت منظومة التّسويق وسياسة التّسعير عند الإنتاج على ما هي عليه.فالمتابع للشأن الفلاحي يمكن له تسجيل اعتماد الدوائر المسؤولة على معدّلات المؤشرات دون التّدقيق في طرفي(الأدنى والأقصى)، وطالما بقيت هذه الدوائر حبيسة النظرة السكتارية-التكنوقراطية، متجاهلة التحولات الاجتماعية التي يشهدها الريف التونسي وأسبابها وتأثيراتها، فإنّه لا خير يرجى من كلّ الحوافز المالية والجبائية.فسياسة تسعير الحبوب مثلا، سياسة عرجاء لاعتمادها على الأسلوب التفاضلي، فهي تفضل المستهلك على المنتج وتفضّل انتاج القمح الصّلب على القمح اللّيّن وبالتّالي فهي تفضّل جهات على أخرى. وهذا ما يؤكّده ضعف الإقبال على زراعة القمح اللّيّن(%10-8) وضعف مؤشر الاستهلاك الذاتي من المواد الغذائية(أقلّ من (%5. فإجراء التّرفيع في سعر الحبوب عند التّسليم لمراكز تجميع الحبوب (الأمر الحكومي عدد 416 المؤرخ في 7 أفريل 2017) أدّى إلى ارتفاع الهوّة الفاصلة بين سعر القمح الصلب والقمح اللّيّن إلى مستوى الـ 17د/قنطار! في هذا الإطار يمكن أن نسوق أربع ملاحظات، وهي الآتية :

(i) إنّ حجم الزيادة في السّعر لا يغطّي حجم الزيادة الذي شهدته أسعار مستلزمات الإنتاج، فما بالك إذا اعتبرنا حجم تدهور القدرة الشرائية.

(ii) لماذا يصرّ المسؤولون على التقليل من شأن زراعة القمح اللّيّن؟ قد تكون المبرّرات التاريخية تعود لحقبة الاستعمار الفرنسي، ففرنسا من أكبر البلدان المنتجة للقمح اللّيّن وهي لا تحبّذ منافسة، والمبرّر التاريخي الثاني في علاقة بنمط الاستهلاك العائلي(من أكبر مستهلكي القمح الصلب).لكن الآن ليس هناك ما يبرّر هكذا سياسة تسعير إذا علمنا أنّ منحى الاستهلاك العائلي بتونس أصبح لصالح القمح الليّن، حيث تشير آخر مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء (2015) إلى ارتفاع معدّل حجم الإنفاق المخصّص لاستهلاك القمح الليّن : %61,69 (84,9 كغ/فرد/سنة) مقابل%38,31 للقمح الصلب (63,8 كغ/فرد/سنة).

(iii) لماذا الإصرار على التقليل من شأن القمح اللّيّن وهو الذي أشارت به الخارطة الفلاحية باعتبار قدرة هذا الصنف على مقاومة الجفاف الظرفي والقدرة على الصّمود أمام الأمراض الفطرية والأحسن مردودا إذا تساوت ظروف الإنتاج (21 قنطار قمح ليّن/هك مقابل 15 قنطار قمح صلب/هك). فمساحة القمح الليّن لم تتعدّ الـ 10% من جملة مساحة الحبوب]100 ألف هك/1240 ألفا مخصصة للحبوب/سنة 2016-2017(8%)[.

(iv) إنّ تقنية التداول الزراعي تقتضي زراعة البقول، والفول المصري إحداها.والتشجيع على مثل هكذا حزمة فنية شأن لا يهمّ سوى الضيعات المتوسطة والكبرى وخاصة تلك المختصّة في زراعة الحبوب.الإشادة بهكذا إجراء لا يختلف حوله فلاّحان، لكن قد يكون من المفيد التفكير في طريقة ثانية، بديلة أو موازية، وذلك بتحفيز شريحة الفلاحين المعنية بزراعة الفول المصري من بوّابة “تسمين العجول والخرفان”، هكذا نحقّق ثلاثة أهداف في ذات الوقت: تثمين البقول عبر التّسمين، تحسين مردود الحبوب في السنة الموالية، انخراط الضيعات المتوسطة والكبرى في منظومة اللّحوم الحمراء.

كذلك، يمثّل إجراء التشجيع على الاستثمار في الميكنة شرطا من الشروط للتقليل من إهدار الطاقة(محروقات)والإنتاج(10% من صابة الحبوب) الذي يعود في جزء هام منه لتقادم الآلات الفلاحية، لكنّه يبقى شرطا للتنقيص من هدر الإنتاج وليس شرطا لتحسينه.فاقتناء الميكنة الفلاحية لا تهمّ سوى فئة قليلة من أصحاب الضيعات الكبرى والمتوسطة، وواقع الحال يؤكّد ذلك، لأنّ أغلب الآلات الفلاحية (جرّار، آلة حصاد، آلة ربط الأعلاف الخشنة) على ملك المستغلات التي تفوق الـ 50 هك. وإذا بقي منحى الاستثمار الفلاحي كما هو عليه الحال، أي إقصائي بطبع الشروط المطلوبة (مساحة، رهن عقاري) فإنّ برنامج تجديد أسطول الميكنة الفلاحية لن يشهد تغييرا يذكر، إلاّ إذا تحرّكت آلة التمويل الموازي (قرض المزوّدين) أي أصحاب المصلحة الكبرى من هذا الإجراء، أي الشركات المختصة في بيع الآلات الفلاحية.وتجدر الإشارة أنّ مثل هذا الإجراء قد يؤدي إلى استفحال ظاهرة التحايل والتلاعب بعقود الإيجار الفلاحي (مساحة ومدّة) وقد تولد ظاهرة المضاربة/المرابحة كأن يشتري صاحب ضيعة آلة بنصف سعرها(باعتبار المنحة)ويبيعها بأقلّ من سعرها لشخص آخر لا تتوفر لديه الشروط المطلوبة، وقد يشهد الوضع تكاثر التعاونيات الفلاحية الوهمية لغاية التحايل للانتفاع بالحوافز ليس إلاّ.أمام هذا الزخم من التّشجيعات لسائل أن يسأل لماذا تتمنّع الدوائر المسؤولة على دعم مستلزمات الإنتاج (بذور، أسمدة، أدوية)وفي المقابل تزيد في حجم منح الاستثمار؟ لماذا يرفض البعض تطبق سياسة حقيقة الكلفة ومن ثمّة حقيقة الأسعار؟ إنّه احد بنود اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق : برنامج “تأهيل القطاع الفلاحي”!

وقد حظي الزيتون ببرنامج خصوصي، نظرا لأهمية هذا النشاط بتونس، سميّ”برنامج مليون زيتونة”، إجراء لا يكمن لعاقل أن يعارضه، لكن يجب تنسيب حجم الجدوى المرجوّة إذا أخذنا بعين الاعتبار ضعف المردود الحالي والتواتر السنوي لحجم الإنتاج وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار انخراط بعض بلدان حوض المتوسط في مسار انتاج زيت الزيتون(الجزائر مثلا).ثمّ، أنّ هذا”المشروع”يكتنفه بعض الغموض من حيث الشرائح المستهدفة، فهل هو مشروع لإحداث ضيعات جديدة و/أو توسيعها أم هو مشروع لتشبيب القديم من الضيعات أو الاثنان معًا؟

يمكن الجزم أنّ حزمة الإجراءات المتخذة تذكر فتشكر ولا يستهان بها، بل محبّذة، لكنّها تبقى في خانة الاستجابة لمطالب ظرفية لبعض الفئات من الفلاحين والمستهلكين ولم ترتق بعدُ إلى مستوى المشروع الشامل الذي يقطع مع المقاربة القطاعية والمنظوماتية، بل قد تكون، وهذا الأرجح، بداية فعلية لتجسيد مشروع اتفاقية التبادل الأوروبية-التونسية(آليكا).وما قد يؤشر على هذا المنحى حرص الحكومة على خصخصة البنوك العمومية – البنك الوطني الفلاحي احدها- : هل ستقبل هذه الأخيرة، إن لم يقع خصخصتها، والمدعوّة لفرض نفسها وسط غابة المؤسسات المالية التجارية الخاصة، بالمخاطرة والتنازل عن الشروط الحالية لتمويل الاستثمار الفلاحي (رهن عقاري، جدوى اقتصادية)؟ أم أنّ دورها المحوري في المستقبل سيوجه لدعم مسار التكثيف العقاري وتشجيع المضاربة على العقارات الفلاحية وذلك من خلال نافذة القروض الفلاحية التي قد تورط الفلاحين الصغار والشريحة الدنيا من متوسطي الفلاحين، قروض قد تؤدي إلى إفلاس جزء هام منهم وبالتالي التسليم ببيع ما يملكون من عقارات فلاحية لفائدة شريحة أخرى أيسر حال، بمن في ذلك الأجانب ! إنّ حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة قد تناست الفلاحة العائلية-التقليدية عن قصد لغاية دفنها، وكلّ التّشجيعات موجّهة للفلاحين الكبار (فلاحة صناعية) ومن ورائهم وحدات التجميع والتحويل وشركات توريد الآلات الفلاحية، وهي إجراءات لتعبيد الثنايا للاستثمار الأجنبي كما ورد بمجلّة الاستثمار، ويمكن الجزم أنّ اتفاقية التبادل الحرّ الشامل والمعمّق موضوع قد حلّ أجل حسمه، والإعلان عن ذلك سيكون في قادم الأشهر.

د.عبد المجيد بنقياس
المصدر: الشروق، 1-8 ماي 2017.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق