تونسدراسات

جريمة التحيل في القانون التونسي

 

 

قال الله عز وجل في محكم تنزيله:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ“: صدق الله العظيم سورة البقرة، الآية 188 “.

والتحيل لغة هو الاحتيال والنصب ومعناه احتالَ واحتالَ على واحتالَ في واحتالَ لـ يحتال احْتَالْ، احتيالاً، فهو مُحتال، والمفعول مُحتال عليه واِحْتَالَ عَلَى صَدِيقِهِ وَأخَذَ مِنْهُ مَالَهُ أي دَبَّر لَهُ حِيلَةً أي أتى بالحيلة واستعملها والاحتيال اصطلاحا هو المكر والخديعة باستحلال المحرم وإبطال الحقوق وإسقاط الواجبات فهي أكل أموال الناس بالباطل وإفسادٌ في الأرض وتدميرٌ للبلاد والعباد.

وقد تحدث ابن خلدون عن التحيل في معرض حديثه عن الجريمة في المجتمع الحَضَري حيث يقول: «وأما فساد أهلها – أي المدينة – في ذاتهم واحدًا واحدًا على الخصوص فمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلوُّن بألوان الشر في تحصيلها وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها بحصول لونٍ آخر من ألوانها فلذلك يكثر منهم الفسق والشر والسفسفة والتحيُّل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه أي بوجه حق أو دونه.

وقد انتشرت جريمة  التحيل في مجتمعنا المعاصر وتطورت تطورا رهيبا وأصبحت تحتل موقعاً متقدماً في مصاف الجرائم الخطيرة كما أصبح يعاني منها آلاف الضحايا الذين عجزوا عن استرداد أموالهم التي نهبت منهم وتنوعت وسائل هذا النوع من الجرائم ولكنها مع اختلافها إلا إنها تتفق وغيرها في التمويه والخداع والتغرير، الأمر الذي جعل هذا الجرم ينخر في المجتمع في نواحيه الاقتصادية والتنظيمية والاجتماعية ويطال الفرد والمؤسسة والاقتصاد والمجتمع  في نفس الوقت.

ولا شك أن الازدياد الملحوظ  لجرائم التحيل في بلادنا خاصة بعد الثورة هو تحلي بعض الناس بالبساطة والسذاجة المترتبة على الخلل الكبير في القيم الثقافية والتربوية يقابله وجود نفوس شريرة لا يهنأ لها مقام وهي ترى المال بأيدي هؤلاء البسطاء ولو كان من عرق جبينهم وكدح أيديهم فضلا عن ذلك فان البحث عن الربح السريع وتكوين ثروة كبيرة يدفعان عددا من المتحيلين إلى استعمال الخداع والنصب والحيل والخزعبلات قصد الإيقاع بضحاياهم بسهولة تامة خاصة أمام غياب واضح للطابع الزجري والردعي للنص القانوني مما أدى أيضا إلى ظهور نوع جديد من التحيل ألا وهو التحيل الالكتروني الذي عصف بآلاف الضحايا.

كيف تصدى القانون التونسي لجريمة التحيل؟

لقد تعرض القانون التونسي لهذه الجريمة من خلال الفصل 291 من المجلة الجزائية المنقح بالأمر المؤرخ في 8 أكتوبر 1935 الذي جاء فيه ما يلي:» يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها ألفان وأربعمائة دينار كل من استعمل اسما مدلسا أو صفات غير صحيحة أو التجأ للحيل والخزعبلات التي من شأنها إقناع الغير بوجود مشاريع لا أصل لها في الحقيقة أو نفوذ أو اعتماد وهمي أو التي من شأنها بعث الأمل في نجاح غرض من الأغراض أو الخوف من الإخفاق فيه أو وقوع إصابة أو غيرها من الحوادث الخيالية ويكون قد تسلم أو حاول أن يتسلم أموالا أو منقولات أو رقاعا أو ممتلكات أو أوراقا مالية أو وعودا أو وصولات أو إبراءات واختلس بإحدى هذه الوسائل أو حاول أن يختلس الكل أو البعض من مال الغير”.

ولقد وردت هذه الجريمة بقسم مستقل من الباب الرابع المتعلق بهتك حرمة الملك والمسكن وعنوانه «في التحيّل وغيره من أنواع الخداع» ويفهم من هذا النص أنّ جريمة التّحيّل هي جريمة معقدة تتوفّر أركانها بتوفّر إحدى العناصر المبيّنة تفصيلا بالفصل المذكور فهي جريمة تتكون من ركن مادي وآخر معنوي.

فأما الركن المادي فهو يستوجب استعمال طرق احتياليّة وخزعبلات تنتهي بتسليم المال أو المنقول أو العقار موضوع التّحيّل للمتحيل بوجه غير شرعي فقد يكون موضوع التحيل أموالا أو منقولات أو رقاعا أو أوراقا ماليّة أو وصولات أو إبراءات أو عقارات أو وعود  تحصل عليها الجاني من المجني عليه بعد أن أقنعه زيفا بوجود مشاريع وهميّة أو بوجود نفوذ أو اعتماد وهمي أو باستعمال اسما مدلسا أو صفات غير صحيحة والنّتيجة في جميع ذلك تسليم الشيء موضوع التّحيّل بصفة إراديّة معنى ذلك وجوب توفّر علامات موضوعيّة تقنع الإنسان البسيط بالمشروع الوهمي الذي لا وجود له في الحقيقة.

والمقصود بذلك أن الركن المادي لهذه الجريمة يتكون من ثلاثة عناصر وهي أولا استخدام وسيلة من وسائل الخداع المبينة بالنص المذكور  ثانيا تحقيق طرق الخداع لإقناع المتضرر بوجود نفوذ أو اعتماد أو مشروع وهمي و ثالثا الاستيلاء على مكاسب الغير بصفة إرادية وهو ما يميزها عن جريمة السرقة.

وأما الركن المعنوي لجريمة التحيل فيتمثل في انصراف نيّة المتحيل للاستيلاء على أموال الغير باطلا باستعمال الخداع والوهم رغم علمه بأن القانون يعاقب على ذلك الفعل (القصد الجنائي العام) أي إدراك الجاني لحقيقة أفعاله وعواقبها ووعيه باستعمال طرق غير شرعيّة بهدف الاستيلاء على أموال الغير باطلا ويشترط أيضا تعمد الجاني سلب مكاسب المجني عليه بدون وجه حق بنية تملكها (القصد الجنائي الخاص).

إن المشرع التونسي اعتبر جريمة التحيل جنحة عملا بمقتضيات الفصل 122 من مجلة الإجراءات الجزائية ولا مانع من تطبيق ظروف التخفيف على مرتكبيها تفعيلا لأحكام الفصل 53 من المجلة الجزائية.

وجاء بالفصل 292 من نفس المجلة على انه :» يشبه بالتحيل ويعاقب مرتكبه بالعقوبات المقررة بالفصل المتقدم : أولا ـ بيع أو رهن أو توثيق أو كراء ما لا حق لمرتكب ذلك في التصرف فيه خصوصا الأحباس. ثانيا ـ بيع أو رهن أو كراء ما سبق بيعه أو رهنه أو كراؤه أو تسليمه بالفعل توثقة».

وحيث اقتضى الفصل 11 مكرر من مجلة المرافعات المدنية و التجارية صراحة ما يلي:» يعاقب بالسجن مدة عام كل من يتحيل لغاية عدم بلوغ المحاضر و الاستدعاءات»:.

ويفهم من هذا النص ان القانون التونسي اعتبر ان كل من يتعمد عن قصد حرمان الطرف الثاني في الدعاوي المدنية من وصول المحاضر او الاستدعاءات اليه لغاية حرمانه من مبدا المواجهة و الدفاع عن نفسه وتمكينه من الادلاء بما لديه من مؤيدات و شهود، اعتبره المشرع تحيلا, ومثال ذلك تعمد احد الزوجين اخفاء على الآخر استدعاء حضور جلسة طلاق او نفقة لدى محكمة قاصدا بذلك حرمانه من الدفاع عن نفسه او من  تقديم طلباته, ولهذا السبب تتمسك المحاكم بوجوب بلوغ الاستدعاءات شخصيا.

ومن امثلة جرائم التحيل المنتشرة في مجتمعنا والتي عجز القانون التونسي  للتصدي لها رغم ما تلحقه من اضرار جسيمة بالمجني عليهم وباقتصاد البلاد ايضا, حالات ايهام ببعث مشاريع خيالية لا وجود لها في الاصل, واقدام المتحيل على تسليم كمبيالات كضمان مقابل حصوله على مبالغ مالية متفاوتة من المتضرر بعد خداعه بانه اصبح شريكا في المؤسسة الوهمية, ثم يكتشف بعد مرور الايام  بانه تعرض لعملية تحيل منظمة, وبمجرد مثوله امام القضاء يتمسك الجاني الذي نهب اموال الغير باطلا بالطابع المدني للنزاع, ويتم الافراج عنه, وفي مقابل ذلك يلتجئ المتضرر الى المحاكم المدنية اين يستصدر حكما يقضي لفائدته لكن يعجز عن تنفيذه, نظرا لان المتحيل يتعمد اخفاء وتهريب امواله ومكاسبه.

ومن الامثلة الاخرى ايضا والتي تشكل خطرا على مجتمعنا, حالات البحث عن الكنوز, اذ يتعمد المتهم والذي يكون في غالب الاحيان مرافقا لاحد الاجانب اقناع المتضررين بوجود كنز بعقارهم  ويطالبهم بتوفير الاموال  والمصوغ ان لزم الامر  قصد شراء البخور ومستلزمات استخراج الكنز, وبمجرد حيازته للأموال يختفي عن الانظار.

وتعتبر ظاهرة عقود الهجرة للعمل خارج ارض الوطن محل اهتمام الكثير من شبابنا من الجنسين الذين يقعون لقمة سهلة في افواه المتحيلين الذين يسلموهم عقود مدلسة ويستحوذون على اموالهم وبمجرد وصولهم الى نقاط العبور بالمطارات او المواني يتم حجزهم وارجاعهم الى ارض الوطن, او يجدن انفسهن يشتغلن قسرا في مجال الدعارة.

ومن الامثلة الواقعية لجريمة التحيل ايضا, هو تعمد بعض المجرمين المحترفين استغلال اصحاب الشهادات العليا, وهنا اشارة الى ما يتبادر لأذهاننا بان المتضررين هم من البسطاء فقط, بل بالعكس من ذلك فان شبابنا المثقف وقع ايضا في شراك المتحيلين. وتتم هذه العملية الاحتيالية عادة بتوظيف احد المتخرجين حديثا للعمل كمدير او مسؤول بشركة وهمية, اذ يجد نفسه بين ليلة وضحاها داخل مكتب كبير ومحاط بالكتبة والمساعدين, كما يتحصل على مرتب مرتفع مع سيارة, ورصيد بإحدى البنوك باسمه الخاص, وبعد مرور بضعة اشهر يسلم له دفاتر شيكات وكمبيالات, وينطلق بوصفه المسؤول الاول عن الشركة بإمضاء الشيكات قصد تزويد الشركة المزعومة  بالسلع والمعدات, ودائما في اطار نشاط الشركة التجاري, ثم يتم التفريط في تلك السلع والبضاعة من طرف المتحيلين في مرحلة لاحقة اين يبيعونها من جديد بأثمان اقل من قيمتها, ويكون بيعها نقدا, ويحتفظون بتلك الأموال الطائلة لأنفسهم, وفي مقابل ذلك وبعد مرور عام او عامين يجد المدير المجني عليه نفسه متورطا في عشرات او مئات القضايا من اجل اصدار شيك دون رصيد, وتنظره عقوبات قاسية, فضلا عن ذلك فان الضرر يتجاوزه هو شخصيا ليطال اصحاب البضاعة الممسكين للشيكات او الكمبيالات ,كما تطال الاضرار اقتصاد بلادنا ايضا.

سأكتفي في هذا التحليل القانوني المتواضع بهذه الامثلة الواقعية للتحيل, مع التذكير بانها تعد بالمئات.

وفي الختام لا يسعني الا ان اشير بان القانون الجزائي التونسي يتعامل مع هذه الجريمة بأقصى ظروف التخفيف بعد ان حصلت له قناعة بانها مجرد جنحة بسيطة, على عكس التشريعات الغربية مثل القانون الاردني واللبناني والالماني… وخاصة القانون الفرنسي الذي ادرجها ضمن الجنايات الخطيرة التي تطال الافراد والاقتصاد وذلك من خلال الفصل 313 من المجلة الجزائية الفرنسية.

وفي ضوء ما وقع بسطه انفا, فأننا نتوجه بنداء لمجلس نواب الشعب التونسي ونلتمس منه اعادة النظر في احكام الفصل 291 من المجلة الجزائية, الذي بقي ولا يزال يشترط الحيل والخزعبلات والمشروع الوهمي لقيام جريمة التحيل.

الم يحن الوقت لإعادة صياغة الفصل المذكور؟ او اضافة فصول جديدة صلب المجلة الجزائية؟ وذلك بإبراز وسائل احتيال جديدة, مثل التحيل عبر مواقع التواصل الاجتماعي, او التحيل باستعمال الشيك او الكمبيالة, وهل ان عقوبة جريمة التحيل ستبقى مدرجة ضمن الجنح وفق التقسيم التقليدي للجرائم حتى وان تم ارتكابها من طرف عصابات منظمة؟

السيد بن حسين *

المصدر: الصباح، 21-28 ماي 2017.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*– محامي بسوسة وباحث قانوني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق