إصدارات

“البرنزي” للباحث عمار التيمومي… رواية تخرج عن التجريبية وسفر بين الواقع والخيال

صدر مؤخرا للباحث التونسي عمار التيمومي رواية جديدة عنونها بـ البرنزي  في طبعة أنيقة عن دار ورقة للنشر.

وهي رواية تقطع في شكلها مع النمط المتعارف عليه في الرواية العربية وتحديدا الشكل الذي ارتبط بالمرحلة التجريبية. لذلك صاغ روايته بفنية مبتكرة وحبكة وأسلوب فيها من التشويق والجمالية و الصنعة  الأدبية ما يرشح هذه الرواية لتكون ضمن أفضل إصدارت هذا الجنس الأدبي في هذه المرحلة ومرشحة للفوز بجوائز في عدة مناسبات أدبية.

إذ اعتمد صاحبها في كتابتها على رؤية مختلفة تتمثل في الفهرسة على نحو تبدو فيه الرواية في شكل مجموعة قصصية لكنها في الاصل ذات خيط واحد ناظم لأحداث عوالمها. وضع هذا المنحى الجديد في محاولة لمجاراة موقع وقيمة المطالعة والقراءة اليوم وذلك لتسهيل عملية القراءة في وقت لم يعد فيه القارئ صبورا على الرواية.

والمطلع على الرواية يتبين سعة اطلاع صاحبها ومحاولته الأخذ من كل الآثار الروائية العربية تحديدا أو الغربية. مما جعل هذا الأثر يكون اقرب لتجربة تنهل من عديد  الرؤى  الأخرى باختلاف مدارسها وتوجهاتها ومضامينها إلى حد التشابه على نحو  تجعلها اقرب ما تكون لمقاربة روائية بمقاس عصور سابقة لعهدها وكأن الرواية قدت بمقاس نقدي بحت. وربما ما يرجح ذلك هو مدى اطلاع ونهل صاحبها من  التراث  الأدبي بمختلف ثقافته ولغاته.

و البرنزي  هو بطل الرواية الذي تحوم حوله أحداث العالم الذي صاغ  كينونته  ونواميسه وتفصيله الكاتب، وهو عالم يمتزج فيه التاريخي بالخيالي ليكشف في رمزيته وأبعاده عن  هروب  من واقع أرهقته مظاهر العولمة وأفقدته نكهة العيش وشغف الحياة. فكان الهروب إلى واقع  البرنزي المغرّب المشرّق  كما رآه الجامعي توفيق بن حنيش في تقديمه للكتاب. وكما قدمه عمار التيمومي في روايته  ذاك الشاب الذي نشأ و نهل  من ثقافة وتقاليد بيئة قبيلة بني جلاص في القيروان التي أشّر لها بين ثنايا روايته في  الشهامة  و القوة  و الوفاء  و الصبر  و الحب  و التوق للأفضل . وأضفى تقديم توفيق بن حنيش في نفس المقدمة قراءة تقرب صورة هذه الشخصية التي تجمع بين الخيالي والواقعي للقارئ بقوله: يمتلك البرنزي قدرة عجيبة على خلق أعدائه. و سريعا ما يمحوهم بالإنتصارات الساحقة عليهم. فالكل زبد لوحده هو الجوهر وحتى الشخصيات المساعدة في حركة القص والحكاية كانت في الحقيقة صنيعة البرنزي يبتدعها لنفسه ويقضي عليها متى شاء ذلك ولسان حاله يقول  وما خلقتكم إلا لتطيعوني وتعينوني على شجون الحكاية.

فهذا الفتى الذي نشأ في بيئة ريفية فقيرة قضى طفولته في رعي الغنم والبقر في الجبال وجد نفسه ضمن  العسكر الفرنسي  في قلب باريس اين عاش وعايش حلم ثقافة وحضارة ما وراء البحار، في حياة قوامها الثنائيات المتضادة. حيث واقع العبث والمجون في ملاهي باريس وصخبها ونسائها المتحررات من ناحية وجدية وصرامة وقوة وانضباط من ناحية أخرى لتكون النقلة النوعية في هذا العالم بعودته لتونس وزواجه من فتاة أحلامه ابنة عمه  شهلاء  التي انتقل للعيش معها في بنزرت اين واصل مهمته ك عريف  هناك. وهي مراحل يعرج من خلالها الكاتب على جزء هام من تاريخ تونس في عهد المستعمر الفرنسي. فبانتقال  البرنزي  للعيش والعمل ببنزرت إشارة ضمنية للتطور الحاصل في تاريخ الحركة الوطنية ونضال أبناء القيروان تحديدا بعد القضاء على المستعمر لتنقل المعركة إلى بنزرت القلعة الهامة في تاريخ نضال أجيال من كامل ربوع الجمهورية من أجل استقلال البلاد.

كما تناولت الرواية في سرديتها في 238 صفحة، قضايا فكرية واجتماعية وانسانية وراثية معاصرة أراد من خلالها تسليط الضوء على أهمية  منبت  بنو جلاص خاصة وربوع القيروان كجزء من كامل البلاد التونسية المتجذرة في التاريخ والحضارة والأصالة. وهو ما ذهبت إليه قراءة الصالحة جمعة في التقديم الثاني لهذه الرواية بأن  هذا العامل  الذات  أو  البطل  في العرف السردي الكلاسيكي تشكل في خطاب التيمومي الروائي بسرد ووصف وأقوال . فكان حضور الكاتب الراوي قويا في الأثر من خلال توجيهه وتكييفه ل سياقات الأحداث والوقائع  والايدولوجيا  لتبدو في الظاهر حقيقة مطلقة ولكنها في تقدير الصالحة جمعة  حقيقة موهومة  تتغير حسب سياقات الزمان والمكان.

فكانت أدواته في ذلك كونا لغويا متعدد الأجناس وعودة إلى تسمية خصوصيات وميزات مراحل من تاريخ أبناء تلك الجهة التي ينحدر منها كاتب الرواية، تتمثل في خصوصيات العيش في تلك البيئة القديمة على غرار الأدوات الفلاحية القديمة والاكلات ووسائل النقل فضلا عن إيغاله في وصف مظاهر العيش الحضري وفي القرى والجبال. ليقدمها في مقاربات مشهدية أو صور ترغب القارئ وتشده وتحمله لرحلة في  تخوم التاريخ  بتأن واستمتاع بجمال الطبيعة وقيمة الحياة و البساطة  هروبا من  عالم الحضارة والنسق المتسارع لعصر العولمة.

فكانت المراة  القيروانية  حاضرة بقوة في هذه الرواية، فيقدمها في صورة تلك المرأة التي تجمع بين القوة والبساطة والمسؤولة والخانعة ولكنها طرفا فاعلا في الواقع والمجتمع رغم أنها كانت تقرب في أحايين كثيرة للصورة المتعارف عليها في تصور وذهنية وثقافة المجتمع التقليدي. وكانت زوجة  البرنزي  شهلاء  مثالا واضحا لها وقد اراد أن يقدم مقارنة بينها وبين المراة الفرنسية من خلال مقارنة ضمنية بين العلاقة التي تجمعه بها وطبيعة علاقته ب إيما  ابنة باريس. فـ البرنزي  ثرية بالمعاني والرمزية إلى درجة التشويق و الدعوة للتفكير.

نزيهة الغضباني

المصدر: الصباح،2017/01/28

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق