إصداراتتونس

«مشاعر» ديوان جديد لمنصف المزغني : نقد ساخر و لاذع للواقع التونسي بعد 2011

اثرى الشاعر التونسي المنصف المزغني  الساحة التونسية والعربية بديوان شعري جديد اختار له عنوان «مشاعر» وقعه يومالجمعة 10 فيفري بمكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة. وقد صدر «مشاعر» عن منشورات زخارف بخطوط رسمها الفنان سمير بن قويعة، وصورة التقطتها كاميرا الكاتب والمترجم وليد سليمان في لحظة رضاء جعلت الشاعر المنصف المزغني ينظر إلى المستقبل بتفاؤل وكأن به يقول نحن هنا والمستقبل لنا..

ديوان «مشاعر» وقصائد أخرى، يتضمن خمسة أقسام لكل منها عنوان خاص هي «حبات»، «محبات»، «رؤايات»، «نساءات»، «وفايات» ويتراوح عدد القصائد في كل قسم بين 19 قصيدة وقصيدة وحيدة.. و«محبات» وهو أطول قسم ويتكون من قصيدة الومضة المكثفة والمختزلة احيانا في كلمات معدودات مثل قصيدة «تعال» التي يقول فيها ( قلت لأحلامي// تعالي // فتعالت) ص 14 أو قصيدة «القبلة» ويقول فيها: اعتذرت // قالت له: قرأت في مجلة، معلومة: « في قبلة تنتقل الجرثومة») ص 13.

تلاعب بالكلمات وبالمشاعر ونفي للانحياز:

في قسم «نساءات» وهو اقصر قسم تفوقت «أغنية امرأة لا تغار» عن غيرها من القصائد من حيث انها قصيدة المراوغة التي يشاكس بها المزغني قراءه أو لنقل قارئاته والمستمعات المستمتعات بقراءته لنصوصه الغزلية علىطريقته الخاصة والفريدة والتي سرت لدى البعض من الشعراء كالنار في الهشيم -الكل يقلد المزغني ولا احد يحظى مثله بالقبول- .. في هذه القصيدة يستدرج الشاعر النساء ويعلي من شانهن ويروي بطولاتهن وثقتهن في انفسهن واعتدادهن بأنفسهن وكبريائهن إذ يقول: «أنا لا أغار// عليك// ولست أخاف رياح النساء //حوليك : لي كبرياء الجبال// ولي ثقة في جمالي.» ولكنه يختم مراوغا متشفيا نافيا لتهمة الانحياز الكلي للمرأة بقوله «أنا لا اغار // ولي فلتان خيالي// ولي كبرياء الجبال/ ولكن لي ثقة في جمالي // ولكن // تزلزلها ثقتي في الرجال».

عنوان القسم الأول والثاني «حبات» و»محبات» هو في الحقيقة عنوان ديوان كامل «حبات ومحبات» الذي سبق أن نشره المنصف المزغني سنة 2010 في سلسلة الكتب التي كانت تصدر عن مجلة «دبي الثقافية» وهي بنفسها طبعة مزيدة لـ»حبات» بيروت لبنان 1992 ومحبات تونس 2003. ولعل إصرار المزغني على مواصلة تجربة «الهايكو» اليابانية -التي أتقنها وأبدع فيها ولفت بها الانتباه في تونس وفي بقية البلدان العربية- رد على من لا يرى لمثل هذه القصيدة ضرورة وما زال لا يعترف بقصيدة الومضة وهي من اصعب انواع القصائد وتحتاج الى تمكّن كبير من اللغة المستعملة وثقافة وسعة اطلاع للتعبير بكلمة وحيدة احيانا عن واقع وحياة كاملة.. يقول المزغي في قصيدة «ثار» في الصفحة 18 ( للتذكير: الدلفين كبير //بالأسماك الصغرى // والأسماك الصغرى // تتجمع يوما //في جثة دلفين // للذكرى)..

 تجربة تتحول الى مشروع يحيد عنه أحيانا والمنصف المزغني شاعر التزم في تجربته الشعرية التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي بإبداء المواقف من القضايا اليومية التي تشهدها تونس ومما يشهده الوطن العربي من خيبات وضرباتموجعة لتاريخه وحضارته.. وساير المزغني شعراء جيله متبنيا الاشكال والأنماط واللغة المستعملة في تفسير الانهزام والخيبة والشعور بالإحباط والعجز.. ولكن كان لا بد له من ان يلفت الانتباه ويعبر عن وجوده وسط تلك الغابة الكثيفة من الشعراء التونسيين والعرب الذين يقولون نفس الشيء بنفس الطريقة ويستعرضون العضلات اللغوية ويهرولون للالتحاق بالثورة على الشكل التي عرفتها القصيدة العربية..

دخل المزغني تجربة عمل خلالها على تطوير شكل قصيدته وعلى الارتقاء بلغتها الى البساطة وتنويع مضامينها حيث انتقل من الاغراض النضالية والسياسية التي بدا بها مسيرته إلى الغزل ثم عاد بعد الثورة الى النقد السياسي والاجتماعي والالتزام بهموم الناس وأحزانهم.. وجد المزغني لنفسه لونا خاصا به قوامه إبهار القارئ ومشاكسته وفرض لونه واتجاهه في التعبير عن احاسيسه وفي نقده لواقع شعبه هذا اللون استهجنه البعض ورفضه البعض الآخر واكتفى آخرون بعدم أخذه مأخذ الجد متنبئين بفشل التجربة واندثارها وصاحبها..

تعامل مرن مع قصيدة النثر:

صد المثقفين والشعراء لم يؤثر في المزغني ولم يمنعه من مواصلة التجربة لتأكيد التفوق والتفرد ومن نظم قصيدة « قوس الرياح» التي تحدث عنها في لقاء أدبي فقال: «في هذه القصيدة لم أترك سلاحا شعريا أو شكلا لم استخدمه: قصيدة التفعيلة، قصيدة الشطرين، لزوم ما لا يلزم في القصيدة العمودية، القصة القصيرة، قصيدة النثر، تقنية السيناريو، الجانب البصري في الكتابة وفي الرسم..

حول المزغني تجربته إلى مشروع يحيد عنه احيانا ولكنه ما يلبث ان يعود إليه ليطوره إلى أن تبناه شعراء آخرون من تونس ومن الوطن العربي خاصة بعد أن أصبح المزغني نجم الأمسيات الشعرية لخفة ظله وطريقته الفريدة في القاء قصائده وفرض شكلها ومضمونها على دعاة الالتزام بما لا يلزم واصطفافهم وراء السابقين والاقتداء بهم.

صالح.. شكري.. محمد.. تحية وفاء:

في ديوان «مشاعر» وقصائد أخرى خص الشاعر المنصف المزغني بعض الشخصيات التونسية المتوفية بقصائد ومن بينهم الإعلامي صالح جغام صاحب البرنامج الإذاعي «حقيبة المفاجئات» و الشاعر الراحل محمد الصغير اولاد احمد بقصيدة سماها باسمه وقال في إحدى مقاطعها ( محمد //ما بيننا لا يقيم القيامة؟// لقد خندقوك يسارا // وفندقوني يمينا // سدى في سدى يا محمد // ونحن اجتمعنا على موعد // والتففنا على موقد // فيه نار الأدب // لصهر غصون الذهب // وإحراق بيت الكلام الحطب ) في هذا القصيد لخص سيرة الراحل وخلد ما كان يربط بينهما وقد قرأ المزغني «أخي الشاعر أولاد أحمد» أول مرة يوم 17 ماي 2016 أي في اربعينية الفقيد.

وخص ايضا شهيد الوطن شكري بالعيد بقصيدة مطولة أطلق عليها عنوان «تونس لم اعرف وجهك بعد النار» وقسمها إلى خمس مقاطع اختار لكل منها عنوانا مثل «قسم الشاعر» و«شكري الشهيد» و«الجنازة الشاهدة» و»جولة الشهيد» و«سؤال الاغتيال». وأنهى ديوانه بقصيدة «مشاعر» التي تحدث فيها عن علاقة الشعراء بالقراء وبالأمسيات الشعرية وقدم فيها النصائح للشعراء ومن بين ما يقول فيها: «سمعت هتافا بصوت العمامة» إن القصيدة ابنة صدق// فهل يكذب الشعراء وهم يكتبون؟»

 علياء بن نحيلة

المصدر: الصباح، 2017/02/09

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق