تونسرأي

مكافحة الفساد في تونس… الرسائل والمحاذير

      بعد لأي وطول انتظار، بادرت حكومة الوحدة الوطنية في تونس بشنّ حملة ملاحقة أمنية وقضائية ضدّ من يُشتبه في تورّطهم في ملفّات فساد. وأعلن رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، أنّه حسم أمره، واختار الانحياز إلى الدولة في مواجهة سرطان الفساد الذي استشرى في البلاد قبل الثورة وبعدها. وتأتي تلك البادرة إثر تواتر تقارير صادرة عن جهاتٍ موثوقةٍ تفيد بأنّ الفساد أصبح ظاهرةً لافتة للانتباه في البلاد. وفي هذا السياق، نبّهت منظّمة الأزمات الدولية إلى أنّ تونس توشك أن تصبح بلداً محكوماً بمافيات الفساد التي يقودها زهاء 300 من رجال الأعمال والمهرّبين المتنفّذين الذين اخترقوا أجهزة الدولة الرسمية (الإعلام، القضاء، الإدارة، الجمارك…) ووظفوها لخدمة مصالحهم. كما ذكرت منظّمة الشفافية الدولية أنّ تونس لا تبذل جهوداً كبيرة في مكافحة الفساد، وتحتلّ مرتبة متأخّرة في هذا المجال (75 عالمياً). وكان لتصريحات عماد الطرابلسي، صهر الرئيس المخلوع، أمام هيئة الحقيقة والكرامة وقعٌ صادم على عموم التونسيين، لما قدّمه، في شهادته، من إفادات جريئة وصريحة، أخبر فيها أنّ أخطبوط الفساد ممتدّ في أركان الدولة التونسية ومؤسساتها، ماضياً وحاضراً، وأنّ عتاة المفسدين والمتمعّشين من حركة الفساد وناهبي المال العامّ مازالوا فاعلين في المشهد المجتمعي في تونس الآن وهنا.
دفعت تلك المعطيات مجتمعة الحكومة إلى خوض معركة إطاحة من تحوم حولهم شبهات فسادٍ فعمدت إلى اعتقال بعض أباطرة المال والأعمال ورؤوس المهرّبين وبعض رجال الجمارك، ووضعتهم تحت الإقامة الجبرية في انتظار إحالتهم على القضاء العسكري، وكلّفت لجنة المصادرة بجرد أموالهم وممتلكاتهم والحجر عليها. وذلك في إطار ما يُتيحه قانون الطوارئ من صلاحياتٍ لوزير الداخلية ورئيس الحكومة في هذا الخصوص. وتلك خطوة، على الرغم من محدوديتها في الزمان والمكان والعدد، تبقى مهمّةً ودالّة، وتبعث إلى الرّأي العامّ في الداخل والخارج عدّة رسائل إيجابية. لكنّها تحمل طيّها محاذير، يتعيّن أخذها بالاعتبار، حتّى تكون حملة مكافحة الفساد شفّافة وناجعة. فعمليّاً، وجّهت الحكومة رسائل قويّة إلى الرأي العام الوطني والدولي، مفادها بأنّ الائتلاف الحاكم انتقل من مرحلة التلويح بشعار مقاومة الفساد إلى مرحلة اتخاذ تدابير إجرائية صارمة ضدّ شبكاته، لا تقف عند إصدار القوانين والمراسيم، بل تتجاوز ذلك إلى تعقّب المفسدين، بتهمة الإضرار بالصالح العامّ. وهو ما مكّن الدولة من استعادة هيبتها من ناحية، وجعلها تكسب ثقة طيفٍ كبير من المواطنين من ناحية أخرى. وتريد الحكومة بتلك الخطوات الردعية، البرهنة، ولو إلى حدّ ما، على أنّها لا تهادن لوبيات المال والأعمال، وأنّها تنحاز إلى قوّة القانون، وتستجيب لشعاراتٍ رفعتها الثورة، تتعلّق بالدعوة إلى محاسبة “عصابة السرّاق” وناهبي المال العام.
وتروم تلك الحملة الحكومية إخبار المستثمرين التونسيين والأجانب أنّ الدولة هي دولة قانون، لا “دولة مافيا”، كما يزعم ملاحظون ومعارضون للنظام الحاكم. والمراد طمأنة الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيعهم على بعث مشاريع استثمارية في تونس الجديدة. وجاءت المبادرة الحكومية أشهراً قليلة قبل الانتخابات البلدية، ولا شكّ أنّها ذات مدلول سياسي، من جهة أنّها تروم الترفيع من شعبية رئيس الحكومة من ناحية، ورصّ الصفوف من حول الائتلاف الحاكم، وتعزيز قاعدته الانتخابية من ناحية أخرى. والثابت أنّ الإقدام على منازلة رموز الفساد، وإخضاعهم للملاحقة القانونية، واستدراجهم للمحاكمة ساهم في امتصاص الغضب الشعبي، الناجم عن ارتفاع الأسعار، وانتشار البطالة، ومكّن من التخفيف من وتيرة الاستقطاب السياسي الثنائي بين الحكومة والمعارضين، وأدّى، ولو إلى حين، إلى التغطية على أصوات المحتجّين في تطاوين والمحافظات الداخلية المطالبين بالتشغيل والتنمية والتوزيع العادل للثروة.

ولكي تكون الحملة المشهودة على الفساد ناجعةً، وتكتسب مصداقيةً، وتجد لها تجاوباً واسعاً من التونسيين، يُفترض أن تتحلّى الحكومة بالشفافية، وتتّجه إلى القبض على كلّ المتورّطين في الفساد من دون استثناء على خلفية الولاء الحزبي، أو الجهوي، أو العائلي، أو الطبقي. ذلك أنّ تونسيين كثيرين يتساءلون: لماذا تمّ القبض على هؤلاء، وتمّ استثناء آخرين، على الرغم من شهرة فسادهم وسطوتهم؟ وما هي جرائم الموقوفين على جهة التفصيل؟ وهل من أدلّة تُثبت إدانتهم، أم أنّ الأمر يتعلّق بملفّات فارغة وتصفية حسابات سياسية؟ وما هي مكوّنات الحاضنة الإدارية والحزبية والإعلامية التي ساهمت في تسهيل حركة المفسدين وتأمين إفلاتهم من العقاب وتبييض صورتهم؟ وبناء عليه، الحاجة أكيدة إلى مزيد من النزاهة والمصارحة في هذا المستوى من مكافحة الفساد. فمن المهمّ بمكان اعتبار الجميع سواسيةً أمام القانون، وتوفير محاكمةٍ علنية عادلة للمشتبه بهم. ومن المهمّ أن تكون الدولة التونسية منسجمةً مع خيارها في مكافحة الفساد، فتأذن بسحب مشروع قانون المصالحة الاقتصادية، سيّئ الذكر، لأنّه، في نهاية المطاف، يبرّئ المفسدين، ولا يُنصف المتضرّرين بسبب الانتهاكات المالية الاقتصادية، وأحرى بها تخيير من علقت بهم شبهات الفساد بين التوجّه إلى القضاء لإنصافهم أو إدانتهم أو التوجّه إلى هيئة الحقيقة والكرامة لتخضعهم لمسار المساءلة والمحاسبة والمصالحة إن كان إلى ذلك سبيلٌ.

بعثت حملة مكافحة الفساد رسائل إيجابية إلى التونسيين وعموم الملاحظين في الداخل والخارج، وجدّدت الثقة بين الحاكم والمحكوم، وهي خطوةٌ مهمّة على درب الانتقال الاقتصادي، تبقى نجاعتها مرتبطةً بمدى التزام الحكومة بالشفافية والنزاهة، والنأي عن الانتقائية في التعامل مع المفسدين، والاحتكام إلى علوية القانون، مع مصارحة المواطنين بمسارات الحملة وأهدافها والنتائج التي أفضت إليها.

أنور الجمعاوي

المصدر: العربي الجديد، 2017/06/01

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق