المغربتحاليل

الجبهات المفتوحة في الريف المغربي تثير تاريخ الماضي المضطرب مع القصر الملكي

 

 

      يمكن القول أن التاريخ يعيد نفسه في الريف المغربي المتمرد، بعد مرور نصف قرن عن الأحداث الشنيعة التي شهدها والتي اتسمت بعمليات القمع من قبل الجيش المغربي، لطمس أي بادرة من بوادر الثورة والتمرد التي كان عدوه، الريف المغربي، يثيرها. وقد عادت موجة الاحتجاجات لتكتسح الريف المغربي مرة أخرى مع عناصر فاعلة وأبطال جدد، ولكن لأهداف مماثلة ومتشابهة.

من الواضح أن السبب وراء هذه الاحتجاجات وتأجج نار الغضب الريفي، هو أن الوضع في المنطقة لم يسجل أي تحسن يذكر. علاوة على ذلك، لا تزال المشاكل التي لطالما أنهكت هذه الأراضي الفقيرة على حالها، على الرغم من أن الاقتصاد الريفي قدد حقق انتعاشا بشكل ملحوظ بفضل زراعة القنب. وقد مثلت كل هذه العوامل حافزا  للتمرد، ودافعا رئيسيا للنزوح إلى مناطق مغربية أكثر ازدهارا أو الهجرة إلى أوروبا، أين يستقر عدد كبير من الريفيين.

في الواقع، كان عبد الكريم الخطابي، خلال انتفاضة الريف الشهيرة، الفاعل الرئيسي خلال تلك الأحداث. وفي الأثناء، عرف الخطابي لدى الجميع بأنه رجل مستعد للتضحية بنفسه والموت من أجل القضية التي يؤمن بها، ألا وهي مناهضة الإمبريالية. وقد حال إصرار الخطابي على أفكاره ومواقفه دون أن يقضي آخر ساعات حياته في منزله في الريف؛ فقد توفي في مصر. وفي هذا الصدد، كشف أحد أقاربه، كريم الخطابي، لصحيفة البيريوديكو الإسبانية أن “الخطابي أصر على أن لا يعود إلى الأراضي المغربية، إلا في حال خروج القوات الأجنبية منها”.

في المقابل، يقود الاحتجاجات الحالية ناصر الزفزافي، الذي تحول إلى زعيم الريف الجديد. ومن المثير للاهتمام أن الزفزافي أراد أن يستلم مشعل التمرد، بطريقة سلمية، ويواصل على منوال المحارب القديم. وفي الأثناء، تحول الزفزافي منذ ستة أشهر إلى رمز الاحتجاجات في المنطقة، حيث تمكن من قيادة مظاهرات جماهيرية. ورفعت خلال هذه الاحتجاجات شعارات تنادي بالعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والمزيد من فرص التشغيل للريفيين الشباب، الذين أصيبوا بالإحباط وخيبة الأمل نتيجة لحالة البطالة التي يعيشونها.

وم الجمعة الماضي، كان أحد مساجد المغرب شاهدا على تمرد القائد الريفي الجديد. فقد ثار غضب الزفزافي، في خطبة يوم الجمعة، عندما دعا الإمام الحاضرين إلى الانسحاب من حركة الاحتجاجات الاجتماعية؛ وأقدم على مقاطعة الإمام. ونتيجة لذلك، زج به في السجن. في واقع الأمر، تعود سلسلة هذه الاحتجاجات إلى تشرين الثاني/ ديسمبر سنة 2016، إثر وفاة بائع السمك الريفي، محسن فكري، دهسا بين “أنياب” شاحنة نقل النفايات، بعد أن صادرت السلطات بضاعته. وعلى الفور، اغتنم الزفزافي الفرصة ليشن هجوما ضد القصر الملكي المغربي.

إلغاء عسكرة الريف:

 خلال هذه الاحتجاجات، رفعت شعارات أخرى تندد بالطابع العسكري المفروض على منطقة الريف. وتجدر الإشارة إلى أن عسكرة الريف قد فرضت على المنطقة إثر ثورة الريف خلال سنة 1959. وقد استغل الملك الحسن الثاني تلك الانتفاضة كذريعة لفرض قواعد عسكرية في هذه المنطقة المتمردة وتحييد الريف.

في المقابل، وفي الوقت الراهن لا تعد المطالب السياسية، على رأس أولويات الريف المغربي. فأثناء الانتفاضة الأولى كانت المطالب السياسية ذات طابع انفصالي، نظرا لأن منطقة الريف كانت أراضي للأمازيغ، الذين يتمتعون بلغة خاصة وعادات وتقاليد منفردة. وإثر تتويج الملك محمد السادس الذي اختار أن يضع الخلافات جانبا ويتخلى عن الإجراءات الانتقامية التي كان يمارسها والده الحسن الثاني، تخلى الريفيون عن هذا المطلب ولم يعد من بين اهتماماتهم. عموما، كانت منطقة الريف بالنسبة للملك الحسن الثاني مبعثا للسخرية ومصدر إهانة وذلك على خلفية الاحتجاجات ذات الطابع الانفصالي التي كان يقودها الريفيون في ذلك الوقت.

في واقع الأمر، يعتقد العديد من المحللين أن الملك الحالي، محمد السادس، قد تمكن من التوفيق بين الشمال والجنوب، وأولى الريف اهتماما خاصا. بالإضافة إلى ذلك، غيّر محمد السادس من أسس إستراتيجيته تجاه الريف بشكل تدريجي، وجعل من شمال الحسيمة مكانا لقضاء عطلته. وفي هذا السياق، قامت وسائل الإعلام المغربية بنشر العديد من الصور للملك الشاب خلال راحته الصيفية في الحسيمة.

ومن المثير للاهتمام أن الملك  قد ظهر في هذه الصور وهو يقود يختا في البحر الأبيض المتوسط، وظهر في بعض الصور الأخرى وهو يقود زلاجة نفاثة. وتثمينا لهذا الموقف، قال محمد بودرا، رئيس المجلس البلدي في مدينة الحسيمة، أن “الريف يقدر مبادرة العاهل المغربي بالاصطياف في الحسيمة، وهو ما ساهم في الترويج للمدينة أكثر”.

تحسين البنية التحتية:

من بين الخطوات الفعلية التي أقدم على اتخاذها العاهل المغربي في الريف، تقديم مجموعة من المقترحات فيما يتعلق بتطوير البنية التحتية وتطوير المشاريع الضخمة تحت شعار “الحسيمة منارة المتوسط”. وشملت هذه المبادرة تطوير البنية التحتية السياحية، بالإضافة إلى العديد من المشاريع الاجتماعية الأخرى التي ساهمت في خلق فرص عمل إضافية.

خلافا لذلك، لم تنهض هذه المبادرات والنوايا الحسنة من قبل الملك بوضع الريف، نظرا لأن المنطقة كانت تواجه نقصا فادحا على مستوى الموارد، باستثناء السكان الذين يعيشون وسط مزارع الحشيش. فقد تمكن هؤلاء من تحويل نباتات القنب إلى ذهب يدرّ أموالا كثيرة على الريفيين. في الحقيقة، ازدهرت زراعة الحشيش خلال سبعينات القرن الماضي عندما زار مجموعة من الأجانب هذه المنطقة، ولقنوا المزارعين كيفية تحويل نبتة القنب إلى حشيش. ومنذ ذلك الحين ازدهر إنتاج هذه المادة، وهو ما جعل من المغرب ثاني أكبر مصدر للحشيش في العالم، بعد أفغانستان.

من جانب آخر، خلقت تجارة الحشيش الذي يتم تصديره نحو أوروبا والساحل والشرق الأوسط، اقتصادا موازيا تستفيد منه نخبة الريف. وفي هذا الصدد، لسائل أن يسأل: “هل تتوزع هذه الثروات مناصفة بين الريفيين؟”. من جهته، أكد إبراهيم الريفي، عضو الحزب الاشتراكي، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أن “هذه الثروة تخضع لسلطة مجموعة من الرجال الأقوياء فقط”.

وتجدر الإشارة إلى أن الحزب الاشتراكي، قد أصدر جنبا إلى جنب مع حزب العدالة والتنمية المغربي، وحزب الاستقلال القومي، بيانا نددوا من خلاله بموجة الاعتقالات التعسفية التي تشنها السلطات ضد نشطاء الحراك الشعبي، فضلا عن استخدام القوة ضد المتظاهرين.

على العموم، بلغ عدد المعتقلين على إثر الاحتجاجات الأخيرة في الحسيمة حوالي 40 شخصا. وتعليقا على هذه الأحداث، أورد إبراهيم الريفي أن “السلطات المغربية من المتوقع أن تنسب للمحتجين تهما من قبيل العصيان المسلح، وتهشيم السيارات، وإتلاف مرافق عامة”. من ناحية أخرى، يتمثل هدف السلطات المغربية الأساسي في إخماد الاحتجاجات وإعادة الهدوء والاستقرار للشمال المضطرب، لكن من دون التطرق لأسباب السخط والغضب الريفي ومعالجتها بشكل جذري.

التاريخ:

لا يخفى عن الجميع أن الريف يعيد للأذهان ذكريات اتسمت بالتمرد والمقاومة والهزيمة، بالإضافة إلى ذكريات من الاستعباد الاجتماعي والبطالة والفقر. عموما، يعد الريف مزيجا من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، التي خلفت في ذاكرة الريفيين الذين لا يزالون إلى اليوم متأثرين بهول ما شهدوه في ظل نظام الحسن الثاني، بقايا من العنف والقمع.

 من جانب آخر، وفي فترة سبقت هذه الأحداث البشعة، واجهت هذه المنطقة الشمالية الاستعمار الفرنسي والإسباني. وفي سنة 1920، جسد الريفيون نموذجا يحتذى به في النضال ضد الاستعمار، بقيادة القائد الأسطوري الخطابي. وعلى الرغم من انتصار الريف ضد المستعمر في معركة أنوال خلال سنة 1921، إلا أن المغرب قد تعرض خلال عهد الدكتاتور بريمو دي ريفيرا، إلى قصف بالأسلحة الكيميائية، مما خلف ذكريات أليمة في أذهان جميع الريفيين.

في تلك الحقبة، اعتبر الريفيون الخطابي رئيسا، حيث كان بالنسبة لهم يمثل رئيسا للدولة السياسية، وهو ما جعل منطقة الريف تلقب بإقليم التمرد. وتعليقا على خصائص منطقة الريف الاستثنائية، أشار أحد الوزراء الإسبانيين السابقين خلال تمرد الريف (1958-1959) إلى أنه “لا يمكن لأحد أن يحكم هذه القبيلة، حيث تعد من أصعب الشعوب على الأرض”. علاوة على ذلك، إن سُئل أحد سكان طنجة أو تطوان عن الريفيين، سيجيبك أنه “من الصعب محاربتهم”.

المنطقة الأكثر اضطرابا:

لم تواجه منطقة الريف الاحتلال العسكري الأوروبي فقط، فقد شهدت موجة من عدم الاستقرار في أعقاب استقلال المغرب سنة 1956. ومنذ ذلك التاريخ، أثار السلطان محمد الخامس نزعة التمرد في قلب الريف، من خلال إرسال عدد كبير من عناصر الجيش لسحق التمرد الأمازيغي. وعلى إثر هذه الخطوة الحاسمة، أصبح الريف من أكثر المناطق اضطرابا في هذا البلاد الشمال إفريقي. فقد التزم سكان المنطقة بالدفاع عن الهوية الأمازيغية من خلال الانتفاض في العديد من المناسبات.

في واقع الأمر، حقق الريف أعظم إنجاز له في سنة 2011، على إثر تسلل شرارة ثورات الربيع العربي إلى المغرب. فللمرة الأولى في تاريخ البلاد، اعترف الدستور باللغة الأمازيغية. وبالتالي، أصبح من الممكن مشاهدة برامج تلفزيونية في المغرب باللغة الأمازيغية، ورؤية لافتات في الطريق السريعة كتبت باللغة الأمازيغية. كما أصبح بالإمكان قراءة التعليمات باللغة العربية واللغة الأمازيغية على حد السواء. عموما، وإثر الفوز في المعركة السياسية، لازال أمام الجيل الجديد من الريفيين تحديات أخرى حتى يتمكنوا من تحقيق مكاسب في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

بياتريس ميسا

المصدر: البيريوديكو الإسبانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق