المغربرأي

المغرب… نهاية الاستثناء

 

 

يقف المتتبع للمشهد السياسي المغربي على حالة نكوصٍ ديمقراطي، لا تخطئها العين، فالظاهر أن أصحاب الآراء التي تردّدت داخل المغرب وخارجه؛ بعد تنحية عبد الإله بنكيران من رئاسة الحكومة، أن الدولة عازمةٌ على مواصلة الإصلاح، ولكن بإيقاعها الخاص، ووفق ما ترسمه من أولويات؛ عارضة أمثلة وشواهد تعضد بها قولها (دستور جديد، انتخابات مبكرة، حياد انتخابي…)، لم يقرأوا صنفاً من الأدبيات التاريخية عن النظام السياسي في المغرب الحديث، فمسار الإصلاح في المغرب لا يعدو أن يكون مسار نظامٍ يحاول جهد الإمكان تجديد سلطويته، وبسط تمكينها داخلياً، وتحسين صورتها وضمان قبولها دولياً. فربع قرن من التبني الرسمي هذا الخيار يكشف عن حالة الشك التي أضحت جزءاً من طبيعة النظام السياسي الذي يحاول البقاء في المنطقة الرمادية بين الانغلاق والانفتاح. فحتى المتن الدستوري الجديد الذي اعتبره كثيرون خطوة عملية من جانبه، في مسار الانتقال الديمقراطي، سرعان ما اتضح أنه حمّال أوجه؛ فـ”نص الدستور” الذي صوّت عليه المغاربة غير “روح الدستور” الذي وظّفه أنصار السلطوية، في معرض الشرعنة لتنزيل الخرائط البديلة لنتائج صناديق الاقتراع. كما أن الفراغات التي تضمنها النص عمداً كانت بمثابة مخارج للطوارئ، تُسهل عملية تطويع الواقع السياسي، حتى يتوافق مع أجندات موضوعة سلفاً من الدولة العميقة.

يُعزّز هذا الرأي إصرار حكومة سعد الدين العثماني على إعادة المغاربة إلى ما قبل سنة 2011، بإعلان القطيعة مع تراكمات الربيع المغربي، وإرث حركة 20 فبراير، ثم ما تلاها من تجديدٍ في الثقافة السياسية مع حكومة بنكيران. والهرولة نحو استعادة أرشيف حقبة التحكم والسلطوية، شكلاً ومضموناً في الأشهر الأولى من الزمن الحكومي.
وعرف المغاربة، في الأسابيع الماضية، عدة مشاهد ظنوا أنها أضحت من الزمن الغابر، لكن عودتها تأتي لتأكيد أن قوس الربيع المغربي قد أغلق. وأن الوقت حان لتصفية تركة خمس سنوات من “الاستثناء المغربي”، وضبط عقارب السياسة على إيقاع ما قبل خطاب 9 مارس/ آذار الملكي.

تدريجياً، عادت وزارة الداخلية بمقاربتها الأمنية لتضبط المشهد العام، بتدخلها العنيف لمنع ندوة فكرية حول الملكية البرلمانية؛ بحضور أسماء وازنة على الصعيد الدولي في الموضوع. أسبوع بعد ذلك، تلاه تدخل أمني آخر لمنع تنظيم مؤتمر للاتحاد العام للشغالين في المغرب، الذراع النقابية لحزب الاستقلال… إلى تدخلاتٍ أخرى، تخدش تلك الصورة التي شكلها المواطن عن المؤسسة الأمنية في السنوات الأخيرة، بعد نجاحاتها المتوالية في التصدّي للجرائم والإرهاب.

وازداد الأمر وضوحاً مع حراك الريف الذي غلّبت فيه الدولة كفة رجالها من التكنوقراط، ومن يدور في فلكها (عبد الوافي لفتيت، محمد اليعقوبي، محمد حصاد، عزيز أخنوش…) على حساب وزراء الأحزاب السياسية التقليدية، ممن كانوا مجرد تابعين ومنفذين لتعليمات القيادة التكنوقراطية. وأوضح مثال على ذلك بيان أحزاب الأغلبية، برعاية وزارة الداخلية، الذي يخوّن حراك الريف، ويتهم أصحابه بالانفصال والعمالة.

بالموازاة مع ذلك، تعمل الدولة على إلغاء بعض مما تم تكريسه مع الحكومة السابقة، في مقدمها القضاء، وثقافة المؤسسات التي كلفت تلك الحكومة كثيراً من الوقت، قصد إعادة الاعتبار إليها، من خلال وقف تقليد التوظيف المباشر، ونزيف الإضرابات في المرفق العمومي… وغير ذلك من الصور التي تقلل من هيبة مؤسسات الدولة في نظر عموم المواطنين.

تجاهلت الحكومة مطالب المحتجين في الريف شهوراً عدة، قبل إدراكها أن الأمر يتطور ليصبح كرة ثلج تكبر ويمتد نطاقها، ما فرض عليها تدخلاً عاجلاً؛ بحملة إعفاءات وتنقيلات لرجال الإدارة الترابية، وإيفاد فريق وزاري في زيارة ميدانية للمنطقة. وتُضفي بذلك الشرعية على مطلبية الشارع وأسلوب الاحتجاج، فقد بدأت تتشكل لدى المواطن العادي قناعة مفادها أن الوسيلة الوحيدة للاستجابة لمطالبه الخبزية البسيطة هي التظاهر. وقد بدأت إرهاصات هذا التأويل تظهر عملياً، ببروز حركات احتجاجية في مناطق مغربية عديدة (تاونات، خريبكة، تازة، أزيلال، فاس…) بعضها تمت مواجهته بالقوة والعنف. وقد اتضحت معالم خطة النظام، منذ تنصيب حكومة العثماني بهندستها الفريدة، الرامية إلى تحقيق ثلاثة مقاصد بضربة واحدة، وتتثمل في:

أولاً: محو طيف رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، الذي قطع مع دابر الممارسة التقنوية السائدة طوال العهد الجديد، وأعاد المصداقية إلى الفعل السياسي، والحياة إلى صورة رجل السياسة في المغرب، في فترته الحكومية، بعدما هجرها المواطن عقب الانقلاب على المنهجية الديمقراطية سنة 2002.

ثانياً: إعادة صورة رجال الدولة (التكنوقراط) وتلميع سياسييها من الأحزاب الإدارية، بإبرازهم قادة ميدانيين، لهم القدرة على الحركة والتدخل السريع والتنفيذ الآني. مستغلة خنوع القسط الأكبر من النخبة السياسية الحزبية؛ الفاسدة أو الانتهازية أو المتواطئة.

ثالثا: تبخيس الممارسة السياسية بعد نجاحها في تجريف الحقل الحزبي، بالتدخل في شؤون الأحزاب (الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية…)، وصناعة قيادات حزبية على المقاس السلطوي. وبذلك تضبط الحقل الحزبي، درءاً لأي مفاجئة قد تفرزها صناديق الاقتراع، على غرار ما وقع مع بنكيران، حين تمرّد على الأعراف، وبدأ يلعب خارج النسق التقليدي للسلطة.

واتضح معها بالموازاة للمراقبين أن سدنة السلطوية ومهندسي خططها لا يدركون أنهم يلعبون بالنار من حيث لا يدرون، فوأد الممارسة السياسية بهذه الطريقة الفجّة يقود إلى إسقاط الأحزاب السياسية من المعادلة، وبالتالي، وضع الشعب في مواجهة النظام؛ وتحديداً المؤسسة الملكية، على اعتبار أن دور الأحزاب انتهى بتحولها من لعب دور الوسيط بين الشعب والنظام إلى ناطقة باسم الأخيرة، ومنفذة لتعليمات رجاله.

محمد طيفوري

المصدر: العربي الجديد، 2017/05/29

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق