دراسات

داعش ، النشأة ، التكتيك ، وإستراتيجية البقاء “2000 – 2020م ” ؟

 

أولاً :من هو داعش ؟

أن داعش عبارة عن تنظيم مسلح إرهابي يتبنى الفكر التكفيري الجهادي والذي يضم مجموعة من المرتزقة تعمل تحت امرة قيادات ذات توجه فكري تكفيري الغائي ، ويعد هذا التنظيم من اقوى التنظيمات الإرهابية في العالم ، وهو تنظيم يمثل اقصى درجات التوحش والتطرف الديني والعنف المسلح ، وسميه بـ ( داعش ) أختصاراً لمصطلح الدولة الإسلامية في العراق والشام ، ويعرف اختصاراً بالانكليزية (ISIS) المتأتية من عبارة Islamic state of Iraq and Syria ، وهو تنظيم إرهابي يدعي تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال أقامة (دولته المزعومة) .

أن تنظيم داعش الإرهابي كظاهرة يطغى عليه سمة الرغبة في الفعل وسرعة الحركة ، وهو تنظيم لا يقدم فكراً ناضجاً ولا يجادل أو يحاور بطريقة صريحة ، وهو تنظيم يعاني من الضعف النسبي المرافق للتطرف الديني ، ونحن هنا لا نبرر العنف والإرهاب الذي يمارسهُ ذلك التنظيم بقدر ما نحلل بنيتهُ السيكولوجية التي انتجت هذا التنظيم .

فتلك البنية السيكولوجية حددت ملامح ذلك التنظيم في :

1) فرط الذاتية وطغيان (الأنا ) المنفردة في تفكير اعضاءه وقياداته ، وجعلت من الدين والتطرف الدموي والشعارات الحماسية الفارغة شعاراً لإرهاب الخصوم وجذب المجندين .
2) التوحش ، فتنظيم داعش تنظيم دموي إلى ابعد الحدود ومتوحش ، ولعل القتل والذبح الذي يمارسة ويتفاخر به يومياً قد شهدهُ العالم اجمع .
3) طغيان فكرة الاستملاك ، ونرى ذلك في شعارهم ( باقية وتتمدد ) .
4) هم الجواب والحق الكامل ، حيث يرفض التنظيم النقد لكونهُ يمثل الحق كله ، وهو لا يتفاوض ابداً .
5) تكفير الآخر وشيطنته بمختلف الألفاظ الطائفية والعقائدية ، ووصفهم بعبارات الروافض والمرتدين والنصيرية ، وجعلها وسيلة شرعية للاستهداف والقتل ومصادرة الممتلكات .
6) اعتماد العنف الدموي كالقتل وقطع الرؤوس واغتصاب النساء وتهجير العوائل وسيلة لنشر فكرهم وامتداد دولتهم المزعومة ، حيث يعتقد تنظيم داعش أن هذا الأسلوب يعطي القوة للأمة الإسلامية في ترهيب اعدائها ، وكوسيلة لسيادة شرع الله وحل المشاكل الداخلية والخارجية .

ثانياً : نشاة تنظيم داعش

يكاد يتفق اغلب الباحثين والمفكرين على ان جذور نشأة المجاميع الإرهابية بمختلف تصانيفها ومسمياتها تعود إلى أيمانها بالفكر السلفي التكفيري القائم على القتل والبطش وبسط السيطرة والزعامة وتوزيع الغنائم ، فتنظيم داعش لا يشذ عن هذه القاعدة وهو يعود بفكره اساساً إلى تنظيم القاعدة في افغانستان ، وتحديداً إلى (الظواهري) الذي حدد ملامح نشأة وعمل التنظيم القائمة على :-

1) التركيز على العمل العسكري لأجل انهاك ما يسميه ( رأس الكفر العالمي ) واستنزافه اقتصادياً وعسكرياً وبشرياً ، كي ينكمش الى الوراء ويتراجع .
2) ضرب مصالح الغرب الصليبي في أي مكان في العالم .
3) التركيز على نشر الوعي على مستوى الجماهير ونشر شعار ان المسلمين في ذل والكفار في عز بين الاوساط الاسلامية .
4) مقاتلة الروافض والاسماعيلية والصوفية والنصيرية المتطرفة ( حسب تعبيره ) .

هذه الافكار كانت العنوان البارز في بدايات تشكيل تنظيم داعش الإرهابي ، حيث ظهر هذا التنظيم في بادىء الأمر في المدة (1999-2003م) وهو تاريخ اطلاق سراح ( ابو مصعب الزرقاوي ) من سجنه بالاردن وانتقاله الى افغانستان ، حيث اقام فيها معسكراً لتدريب الإرهابيين تحت مسمى (جند الشام) ، وبعد الاحتلال الامريكي للعراق دخل الزرقاوي الى العراق وطور ذلك التنظيم تحت مسمى (جماعة التوحيد والجهاد) ، حيث ضم هذا التنظيم في بادىء الامر اعضاء من فلسطينيين واردنيين فقط ، وانشأ الزرقاوي لهم معسكراً للتدريب في منطقة (بيارة) وأول اعلان رسمي عن وجودهم كان بتفجير سيارة مفخخة امام السفارة الاردنية في بغداد ، ثم تفجير انتحاري ناسف أمام مدخل مركز بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ، حيث كان الممثل الخاص بالأمم المتحدة أحد ضحايا ذلك التفجير ، ثم انطلقت الجماعة بشن حملة استهداف طائفي والتي نتج عن احدها وفاة السيد (محمد باقر الحكيم) . ثم تطور عمل الجماعة بعد مبايعتها لتنظيم القاعدة في افغانستان بقيادة (بن لادن) ليتحول اسمها الى (تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين) ، ليشن هذا التنظيم حملة قتل مروعة غير مسبوقة في العراق ورفع شعارات طائفية لجذب الدعم الايديولوجي والبراغماتي لهُ ، وهو ما حصل لاحقاً عندما اعلنت خمس مجموعات مسلحة الانضمام لهذا التنظيم .

وأثر ذلك تم الاعلان عن تشكيل ما يسمى مجلس شورى المجاهدين الذي سرعان ما تفتت بعد مقتل الزرقاوي بغارة امريكية في محافظة ديالى العراقية 2006م ، وتم تعيين (ابو حمزة المهاجر) المعروف ب (ابي ايوب المصري) زعيماً جديداً للتنظيم ، والذي بدوره بايع لاحقا المدعو (أبو عمر البغدادي) الذي اعلن عن انشاء ما يسمى (دولة العراق الاسلامية) . اذ واجه التنظيم الجديد تحديات عدة ابرزها مجالس الصحوات العراقية لتي حضيت بدعم امريكي وعراقي ونجحت بإيذاء التنظيم كثيراً مما اجبر الاخير على شن حملات تصفية بحق قيادات الصحوات كان ابرزها استهداف ( عبد الستار ابو ريشة ) واغتياله سنة 2007م .

عاش التنظيم أسوء مرحلة لهُ في الفترة بين (2009-2011م) بعد مقتل (بن لادن) زعيم القاعدة في افغانستان وبعض قيادت التنظيم الاخرى ، مما اجبره على اعادة تنظيم نفسه من جديد ونقل مقره الأساسي من محافظة الانبار إلى محافظة الموصل ، واختيار الموصل لم يكن عشوائياً بل جاء لاستغلال الخلافات الكردية العربية لاعادة تنظيمه من جديد . واستغل التنظيم ما بات يعرف بأسم ثورات الربيع العربي وبدء سريعاً بالتحرك والتوسع في ليبا وتونس ومصر واليمن وسوريا وتحت مسميات مختلفة منها (جبهة النصرة ) في سوريا 2012م ، ومسؤوله (ابو محمد الجولاني) ،وهذا التوسع سهل كثيراً من الأعلان عن تنظيم داعش الإرهابي خصوصاً بعد سيطرته على الموصل بالكامل واعلانه لدولة الخلافة المزعومة وتحت قيادة (ابو بكر البغدادي) .

والذي برز بشكل كبير دون توقف واحتل مساحة اعلامية هائلة على مستوى العالم بما يشكل من تهديد حقيقي للعالم والمنطقة .

ثالثا: مصادر تمويل داعش

ما يميز تنظيم داعش الإرهابي عن غيره من التنظيمات الإرهابية الاخرى انهُ قادر الى حد كبير على اكتساب دخل مادي كاف لتمويل نفسه ، على عكس تنظيم القاعدة الإرهابي مثلاً الذي اعتمد بشكل كبير على المانحين والممولين الخارجية في الغالب ، اما تنظيم داعش بدء بتمويل نفسه من خلال سيطرته على حقول النفط الواسعة في العراق وسوريا وبيعها ، فضلا عن الابتزاز والسرقة وبيع الآثار في السوق السوداء ، حتى اصبح داعش أغنى منظمة إرهابية في العالم يجني يومياً ما مقداره مليوني دولار ، ويمكن تحديد أبرز مصادر تمويله في:-
1- بعض دول الخليج وتركيا .
2- السيطرة على المواقع الأثرية في العراق وسوريا وبيع كنوزها في السوق السوداء .
3- الاعتماد بدرجة كبيرة على تهريب النفط في تركيا .
4- أخذ الجباية والجزية من الاقليات ووضع رسوم 300 دولار على كل شاحنة تمر على الطرق الوقعة تحت سيطرة التنظيم .
5- السيطرة على حقول واسعة من الحنطة والشعير في الموصل والرقة وفرض نسبة (10%) على المحاصيل الزراعية .
6- السيطرة على محطات الوقود التي تدير لهُ دخلاً يومياً ضخماً ، فضلاً عن المصارف والشركات في العراق وسوريا .

رابعاً : الهيكل التنظيمي

يتكون تنظيم داعش الإرهابي من سلم هرمي من الاعلى إلى الأسفل وعلى النحو الأتي :


1- الخليفة ( أمير الدولة )
وهو الذي يقوم بالتخطيط والتوجيه لعمل اللجان والهيئات والأشراف عليها وعلى المعارك الميدانية ، فضلاً عن تسيير امور التنظيم
2- مجلس الشورى
ويتكون في العادة من ( 11- 19 ) شخص واغلب الاعضاء فيه هم من قيادات الجيش العراقي السابق ، والمشرف المباشر على هذا المجلس هو المدعو ( أبو اركان العامري ) ، وتنحصر مهمة هذا المجلس في تزكية الولاء للامراء والولاة بعد موافقة الخليفة .
3- مجلس الافتاء والدعوة
ومهمتهُ الافتاء والدعوة ومتابعة الفتاوي المضادة للتنظيم والرد عليها ، ويشرف عليه المدعو ( أبو محمد العاني ) .
4- مجلس الامن والاستخبارات
ومهمتهُ توفير الامن للخليفة وقيادة الصف الاول من التنظيم ، فضلاً عن توفير المعلومات عن الأهداف والتحركات للاشخاص والمستهدفين ، ويشرف عليه ضابط مخابرات عراقي سابق يدعى ( أبو علي الأنباري ) .
5- المؤسسة الاعلامية
وهي أحد أبرز اجهزة التنظيم التي تهتم بنشر أصدارات التنظيم والرد على التنظيمات الإرهابية الاخرى ، ويشرف عليها حسب ما تشير اليه بعض المصادر المدعو ( أبو أثير الشامي ) وهو سوري الجنسية ، ومن ابرز مؤسسات داعش الاعلامية ( مؤسسة البيادر ، مؤسسة الغرباء للاعلام ، مؤسسة دابق الاعلامية ، مركز عائشة للاعلام ) ، أما مؤسساته الرسمية فهي ( مؤسسة شموخ للاعلام ، مؤسسة الاعتصام ، مؤسسة الحياة ، مؤسسة أجناد ) .

خامساً : التكتيك العسكري

وفق المفهوم العسكري التحليلي فان تنظيم داعش الإرهابي لا يمتلك هيكلية عسكرية ثابته للقيادة والسيطرة ، فالقائد العسكري والسياسي للتنظيم مشخص في الخليفة الذي يرتبط به مجلسين عسكريين ، ويرتبط بكل مجلس عسكري عدد من الكتائب التي ترتبط بها مجموعات قتالية تتألف من عدد من المفارز ، وكل مفرزة تتكون من (3-5) اشخاص والمسؤول عليهم هو الأمير ، أما التكتيك الذي يتبعهُ داعش الإرهابي في شن هجماته فانها تسير وفق الخطط التالية :
_ يعتمد تنظيم داعش في شن هجماته الإرهابية على استراتيجية الهجوم خير وسيلة للدفاع من حيث السيطرة على الاحياء السكنية والمدن والانتقال السريع من مدينة الى أخرى وفق مبدأ عسكري أساسه ان لا تكون قواته محصوره في مكان معين وتكون سهلة الاستهداف ومعرضة للحصار ، وهذا التكتيك يسمى تكتيك احتلال المدن والحرب المفتوحة ……
_ تكتيك حرب العصابات والمافيا المسلحة والذي يديره اصحاب الخبرة من جنود التنظيم المشاركين في حروب افغانستان ايام تنظيم القاعدة الإرهابي .
_ الاعتماد على تكتيك الجبهات المتعددة وقد نفذ تنظيم داعش هذا الأسلوب اكثر من مرة في العراق ، ففي (5 – 6 أيلول \ 2015م) شن داعش هجوم تضليلي على سامراء من أجل تضليل قطعات الجيش العراقي عن جبهته الأساسية في الانبار .
_ يعتمد التنظيم من اجل تثبيت سيطرته على المدن الواقعة على سيطرته على :-

• التنسيق مع الحواضن والخلايا النائمة قبيل شن الهجوم واحتلال المدن .
• إرهاب الناس بعد تثبيت السيطرة على المدن وفق شعار تطهيير المدن .
• تفخيخ المدن والاحياء والطرق المؤدية لها ونصب السيطرات الثابته والمتحركة داخلها ، فضلا عن نشر القناصين ، أي الشروع بمرحلة مسك الإرض كما يسميها الخبراء العسكريين .
• التجنيد الاجباري لسكان المدن المحتلة من قبل التنظيم واعداد مراكز تدريب لهم من أجل نقلهم لجبهات القتال ، ويتم قتل وتصفية كل من يعارض هذا الاجراء بأبشع صورة يمكن أن يتخيلها العقل البشري .
• مهاجمة الهدف المطلوب تصفيته من قبل التنظيم بمجموعات لا تقل عن (4-5) اشخاص ومن أكثر من جهة ، والذي يتم التدريب عليه مسبقاً مرات عديدة ، ويوفر محرك البحث (غوغل) الخارطة الالكترونية للمنطقة التي سيتم استهداف الهدف فيها ، مما يوفر للتنظيم الوقت والطريقة المناسبة لتنفيذ الهجوم الإرهابي .

سادساً : إستراتيجية داعش للبقاء ( 2000 – 2020م )


شهد تنظيم داعش الإرهابي عدة مراحل اساسية ساهمت في تشكيل وتغيير ستراتيجياته للبقاء والتوسع ، فمنذُ عام ( 2000 – 2003م ) شكلت هذه المرحلة ما يعرف الصحوة أو الأفاقة ، وهو تاريخ شن الولايات المتحدة للحرب ضد افغانستان والعراق ، وبدعوى ان المسلمين قد صحوا وافاقوا وعرفوا عدوهم الحقيقي وهي الولايات المتحدة الامريكية . أما المرحلة الثانية فقد اطلق عليها مرحلة الأنتشار والتوسع ( 2003 – 2006م ) ، حيث كان حينها تنظيم القاعدة يقوم بالتوسع والانتشار ونشر افكاره المتطرفه وخلق كوادر مؤهلة لقيادة التنظيم مستقبلا سواء في العراق أو سوريا .ثم شرع التنظيم بمرحلة اثبات الوجود والاعلان بقوة عن نفسه على الساحة للمدة بين ( 2007 – 2010م ) والتحرك بحرية بين العراق وسوريا ، وتنفيذ هجمات دموية غير مسبوقة . اما المرحلة الرابعة فيمكن ان نسميها بستراتيجية استغلال الفرص ( 2010 – 2013م ) لا ستغلال الفوضى التي شهدها العالم العربي ضمن شعار الربيع العربي والسعي لضرب المصالح الغربية وتجنيد اكبر عدد من المجندين في ليبيا ومصر وتونس وسوريا واليمن . في حين شهدت المرحلة الخامسة مرحلة الاعلان عن ما يسمى دولة الخلافة الاسلامية !! في العراق والشام ( 2013 – 2016م ) ودعوة انصاره في كل مكان الى العالم الى القدوم الى العراق وسوريا بعدها ساحة للجهاد العالمي كما يسميه التنظيم .

وتشير ابجديات تنظيم دعش الإرهابي أن هذه المراحل الخمس ما هي إلا بداية الانطلاق للاعداد لمسرح المواجهة الشاملة وهي المرحلة السادسة ( 2016 – 2020م ) ، حيث يبين منظروا التنظيم ان هذه المدة ستشهد حربا ضروس ضد قوى الكفر العالمي ، ستكون حربا عالمية بين قوى الايمان وقوى الكفر ، ليقدموا لنا المرحلة الاخيرة من حياة هذا التنظيم المتطرف في عام ( 2020م ) والذي حسب منظريهم سيشهد الاعلان النهائي لهزيمة الكفار واعلان دولة الخلافة الكبرى الذي يبلغ عدد مواطنيها المليار ونصف مسلم ، وعندها وحسب اعتقادهم فان اسرائيل والولايات المتحدة لن تكون قادرة على الصمود امامهم ؟ ….

د. حسن سعد عبد الحميد

المصدر: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق