الجزائرتحاليل

قراءة في نتائج الانتخابات الجزائرية التشريعية

 

 

تتعاقب الانتخابات التشريعية الجزائرية كل خمس سنوات،ولاتزال النتائج المستنسخة عن هذه المناسبات الانتخابية،تكرس هيمنة حزبي السلطة :جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي على مجمل الحياة السياسية في الجزائر،مع إعطاء بعض الفتات للإسلاميين و الديمقراطيين.

هذه الاستمرارية في الهيمنة السياسية، رغم أن الجزائر مثل باقي البلدان العربية الأخرى تعاني من أزمة هيكلية متعددة المستويات وترجع خلفيتها التاريخية إلى بداية سنوات الاستقلال، تؤكد على غياب استراتيجية الإصلاح الديمقراطي في ظل استمرارية طبيعة النظام القائمة على الغلبة العسكرية واستراتيجياته المتكلة على الزبونية في تسيير الشأن العام وفق منطق الاستحواذ والإقصاء خدمة لمصالح مجموعات أوليغارشية متنوعة الانتماء المؤسسي،من ضباط الجيش،و أصحاب الوظائف العليا،و التكنوقراط ،و البرجوازية الخاصة. على نقيض تونس ،التي أسست بعد سقوط النظام السابق، الهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات و الإشراف عليها في سنة 2011، لم يتم تأسيس مثل هذه الهيئة في الجزائر،رغم مطالبة المعارضة الديمقراطية بضروروتها ، حتى تتسم الانتخابات بالنجاعة والمصداقية بوصفها وسيلة من وسائل التغيير السلمي للسلطة، لهذا ولّد هذا الوضع شعور مرير لدى المواطن الجزائري بنوع من السلبية ،أو لنقل بالعزوف الانتخابي ،إزاء الانتخابات التشريعية المتكررة التي لا يمكن لها أن تفضي إلى التغيير السلمي ،ولا يمكن لها أيضًا أن تقود إلى بلورة البديل الديمقراطي.

من هنا ظل المشهد السياسي الجزائري رتيبًا عند كل استحقاق انتخابي ،حتى الذي جرى يوم الخميس 4أيار/ مايو الجاري،فهو لم يحمل أيّ جديد في الخارطة السياسية، فقد فازت أحزابُ الموالاة مجدداً بالأغلبية الساحقة التي تتيح لها وحدها تشكيل حكومة،إضافة إلى مقاعد عدد من الأحزاب الأخرى المقربة منها التي ستتحالف معها لضمان المصادقة على مشاريع القوانين المقدمة من الحكومة. واكتفت باقي الأحزاب بمقاعد قليلة متفاوتة لا تقدّم في البرلمان ولا تؤخّر، وانهارت العديد من الأحزاب المعارِضة التقليدية، وتأجّل التغييرُ مرة أخرى إلى موعدٍ غير معروف… وبلغة الأرقام،كانت نسبة مشاركة الجزائريين في هذه الانتخابات بنحو 38.25%، بينما قاطعها نحو 62 % من الشعب الجزائري (17 مليون صوت مقاطع ورافض من أصل 23 مليون مسجل ).

ويجمع المحللون الجزائريون أن الشباب«العازف» عن الانتخابات هو الحزب الأكبر في الجزائر،إذ يقاطع الشباب الجزائري بنحو 90% من النسبة الإجمالية للمقاطعين،وهي نتيجة يجب أن تُقلق السلطة والأحزابَ معاً،لا سيما أن الشباب يمثل الفئة الاجتماعية الكبيرة في المجتمع الجزائري،وبعزوف هذه الأخيرة القياسي، توجه رسالة قوية إلى السلطة الجزائرية، و إلى الأحزاب السياسية الأخرى على حد سواء، التي أخفقت في إقناعها للإستجابة إلى المشاركة «القوية» في الانتخابات،مفادها أنها ليست راضية عن الأوضاع السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في الجزائر. أما على صعيد نتائج الانتخابات التشريعية، فقد حصل الحزب الحاكم منذ العام 1962(حزب جبهة التحرير الوطني ) على 164 مقعدًا من أصل 462 في البرلمان، وحلّ في المرتبة الثانية حزب التجمع الوطني الديمقراطي المشارك في السلطة بنحو 97 مقعدًا.

وعلى صعيد أحزاب المعارضة، حصل تحالف حركة مجتمع السلم (حزب الإخوان المسلمين في الجزائر ) وجبهة التغيير: وهو تحالف اندماجي بين الحزبين،على 33 مقعدًا.وحصل تجمع أمل الجزائر على 19 مقعدًا، والقوائم المستقلة على 28 مقعدا، والاتحاد من أجل العدالة والبناء على 15 مقعدا، والحركة الشعبية الجزائرية على 13 مقعدا.وحصل حزب القوى الاشتراكية ( أقدم حزب معارض تأسس عام 1963 الذي كان يتزعمه الزعيم الراحل حسين آيت أحمد )على 14 مقعدا، وهو نفس عدد المقاعد الذي حصل عليه حزب جبهة المستقبل، بينما حصل حزب العمال اليساري الذي تقوده مرشحة الرئاسة السابقة لويزة حنون منذ تأسيسه عام 1990، تتبنى الأفكار التروتسكية (اليسار الراديكالي)على 11 مقعدا.

كما حصل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (وهو حزب علماني جزائري معارض تأسس عام 1989، يقوده محسن بلعباس، ثاني رئيس بعد مؤسسه سعيد سعدي )، على تسعة مقاعد، والتحالف الوطني الجمهوري على ثمانية مقاعد، وحركة الوفاق الوطني على أربعة مقاعد، في وقت نالت فيه بقية الأحزاب التي شاركت في الانتخابات -وعددها 22 حزبا- مقعدين أو مقعدا واحدا داخل القبة التشريعية.

وتعتمد قيادة الدولة الجزائرية استراتيجية شراء السلم الاجتماعية من أجل المحافظة على استقرار النظام السياسي القائم ،لا سيما أن الجزائريين في أكثريتهم ،لا يرغبون بعد تجربة الحرب الأهلية التي اشتعلت منذ عام 1992 إلى عام 2002، والتداعيات الكارثية التي حصلت في بلدان «الربيع العربي »منذ سنة 2011، في المخاطرة بما يمكن أن يعرِّض الاستقرار السياسي و الأمني في البلاد مرّة أخرى للخطر.

وهذا الاعتقاد أصبح إحدى سمات الوعي العام للمجتمع على اختلاف فئاته، وتعمق أكثر نتيجة الظروف التي جرت فيها الانتخابات التشريعية لسنة 2012 والانتخابات الرئاسية سنة 2014 التي كرست الموقف القائل إن الانتخابات التي يتم تنظيمها بشكل دوري لا يمكن أن تقود إلى التغيير والتداول السلمي للسلطة، إلا إذا توافرت الإرادة السياسية من داخل النظام السياسي نفسه، من أجل إرساء حالة قانونية وإدارية تضمن تنظيم انتخابات حرة ونزيهة موصلة إلى تحقيق التداول السلمي على السلطة ، وتجنب الجزائر مخاطر الانزلاق في مسالك التغيير بالعنف الذي لا يؤدي إلى التغيير وإقامة نظام ديمقراطي، بل يساعد على تجميد الانفتاح السياسي وتفريخ تيارات العنف السياسي على اختلاف منابعها الأيديولوجية وارتباطاتها الخارجية، ومنها التيارات الجهادية والانفصالية. و بما أن الحكومة الجزائرية كانت تملك ثروة كبيرة من عائدات النفط، فأصبحت توظفها لاستيعاب الاحتجاجات الاجتماعية .

 

توفيق المديني

الحياة اللندنية،2017/05/14

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق