تونسرأي

“تنفيذ الاصلاحات الكبرى يحتاج الى كثير من الهدوء”

 

بالتزامن مع المعارك الحامية حول مشروع قانون المصالحة تحت قبة البرلمان وخارجها وحول موضوع الثروات الطبيعية، وبالتزامن أيضا مع موجة الاحتجاجات الاجتماعية للمعطلين عن العمل والعائلات المعوزة التي تطالب بتشغيل فرد من كل عائلة، والعائلات العطشى التي تريد الماء، عرضت رئاسة الحكومة الخميس الماضي بقصر الضيافة على ما تبقى من الموقعين على وثيقة قرطاج حزمة ثقيلة من مقترحاتها الأولية للإصلاحات الكبرى: إصلاحات المؤسسات العمومية وإصلاحات الصناديق الاجتماعية وإصلاحات القطاع المالي وإصلاحات الوظيفة العمومية.

 ومن يطلع على مضامين هذه المقترحات يتبادر إلى ذهنه سؤال حارق: هل في مثل هذه الأجواء المشحونة التي يعيش على وقعها الشارع التونسي سيقع المضي في الاصلاحات الكبرى؟ وهل ستقع المصادقة عليها ببرلمان أصبحت أغلبيته المساندة للحكومة تجد صعوبة كبيرة في تمرير مشاريع قوانين بسبب لامبالاة العديد من نوابها وتنافسهم على الغيابات والتأخير وغرقهم في الحسابات السياسوية والتجاذبات الإيديولوجية، ونزوعهم أكثر فأكثر إلى منطق الأغلبية والأقلية بدلا عن التوافق.

فالإصلاحات الكبرى، حسب وجهة نظر الحكومة “هي تغييرات كبرى على مستوى السياسات الاقتصادية والاجتماعية… وهي تستوجب اعتماد قوانين، وأوامر تطبيقية، ومناشير جديدة، وإحداث مؤسسات”.  والقوانين الجديدة ستمر حتما عبر البرلمان، وهي لن تمر بالتأكيد بمنطق الأغلبية والأقلية لأن رؤساء الكتل البرلمانية للائتلاف الحاكم حتى وإن حشدوا نوابهم وأجبروهم على حضور جلسات التصويت والضغط على زر “نعم”، فإن مثل هذه القوانين المصيرية في صورة غياب التوافق حولها ستجد صدا كبيرا من الشعب خاصة إذا تعلق الأمر بقوتهم وأجورهم وتقاعدهم.

“فتنفيذالإصلاحات الكبرى لا يمكن أن يكون بالقوة بل يحتاج إلى كثير من الهدوء والتوافق”.. وهي الرسالة التي قدمها الأمين العام للمنظمة الشغيلة نور الدين الطبوبي لنواب الشعب يوم الخميس الماضي بمناسبة نقاش مشروع قانون مجلس الحوار الاجتماعي.. فهل التقطها النواب؟ لأنه كرر تلك الجملة أكثر من مرة. وعلى الأغلبية البرلمانية التي بدأت تحيد عن فلسفة التوافق أن تدرك أن تمرير الاصلاحات الكبرى يتطلب سن ترسانة من القوانين الجديدة وعليها ان كانت جادة في مساندة الحكومة وصادقة في دعمها أن تعبد لها طريقا سالكة تحت القبة.. وتكفي الاشارة الى أن وثيقة مقترحات مصالح الاصلاحات الكبرى برئاسة الحكومة تضمنت عدة قوانين ينتظر سنها.. ففي ما يتعلق بإصلاح المؤسسات العمومية هناك اشارة الى مراجعة النصوص القانونية والترتيبية المتعلقة بمنظومة الاشراف على المنشآت العمومية واحداث هيكل اداري مركزي موحد أو وكالة وطنية للتصرف في المساهمات العمومية أو هيئة عليا للمنشآت العمومية واحداث نظام قانوني يسمح باستقطاب الكفاءات بما في ذلك كفاءات القطاع الخاص، واحداث صندوق وطني للاسترجاع بالشراكة بين القطاعين العام والخاص لتمويل المؤسسات العمومية الناشطة في المجال التنافسي مع امكانية احداث صندوق اعادة رسملة المنشآت العمومية، وانشاء صندوق وطني وصناديق جهوية للتأثير الايجابي لتمويل برامج ذات أبعاد اجتماعية وتضامنية بالاشتراك مع المؤسسات العمومية، ومراجعة النصوص القانونية المتعلقة بالصفقات العمومية.

وفي ما يتعلق بإصلاحات الصناديق الاجتماعية نصت نفس الوثيقة على اعتماد قانون جديد في غضون صائفة 2017 وهي تقترح مراجعة جذرية لأنظمة التقاعد ولتمويل هذه الأنظمة في اتجاه الترفيع في سن التقاعد والترفيع التدريجي في الاجر المرجعي لاحتساب الجراية ومراجعة مردودية السنوات وعدد السنوات الدنيا والتعديل الآلي للجرايات مع الترفيع في الاشتراكات وبحث مصادر تمويل أخرى ومراجعة الأعمال المنهكة والمخلة بالصحة والوظائف المرهقة.. وتخصيص اعتمادات من ميزانية الدولة لتغطية حاجيات الخزينة لصرف جرايات التقاعد الى مستحقيها في اجالها في انتظار مردود الاصلاحات الهيكلية. وفي مجال اصلاح الوظيفة العمومية فان ما يثير الانتباه في وثيقة مقترحات الحكومة أن القسم الخاص بهذا الاصلاح ورد دون غيره باللغة الفرنسية ويتطلب تنفيذه سن تشريعات جديدة على غرار قانون للإحالة على التقاعد قبل بلوغ السن القانونية في قطاع الوظيفة العمومية، وهو مشروع قانون جاهز أحالته الحكومة منذ أسبوعين على أنظار مجلس نواب الشعب.

وتحتاج اصلاحات القطاع المالي بدورها الى تمرير قوانين جديدة على غرار قانون تدعيم جودة المعلومات الائتمانية ومجلة مؤسسات الاستثمار الجماعي وقانون احداث بنك الجهات وقانون الاندماج المالي كما تتطلب مراجعة التشريع المنظم للسوق المالية واعادة النظر في مجلة الصرف والنصوص التطبيقية.

فهل ستواصل الأغلبية البرلمانية منهج المرور بالقوة؟ أم أن الرسالة وصلت.. الاصلاحات الكبرى تتطلب التوافق والهدوء.. الهدوء.

سعيدة بو هلال

المصدر: الصباح،  العدد 21804، 2017/05/14، ص 4.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق