تقاريرتونس

ملف الاتحاد العام التونسي للطلبة بين التمسك بالحقوق والبطء في المعالجة من خلال مسار العدالة الانتقالية

 

 

 

  محمد ضيف الله:


نظمت رابطة قدماء الاتحاد العام التونسي للطلبة يوم الأحد 07 ماي الجاري ملتقى بمناسبة ذكرى 08 ماي 1991 تحت عنوان “العدالة الانتقالية وملفات الطلبة: الاستحقاق والحصيلة”، حضره عدد من قدماء مناضلي الاتحاد ومجموعة من طلبة الاتحاد العام التونسي للطلبة الحالي وبعض الشخصيات الوطنية والسياسية والحقوقية.

تباطؤ في التعاطي مع ملفات الطلبة:

في تصريح للفجر أكد رئيس رابطة الاتحاد العام التونسي للطلبة عادل الثابتي أن هذه الندوة جاءت بمناسبة ذكرى اغتيال الجامعة التونسية 08 ماي 1991 وتهدف بالأساس إلى الإطلاع وتقييم أين وصل ملف الانتهاكات التي تعرض لها الطلبة طيلة فترتي بورقيبة وبن علي في خصوص العدالة الانتقالية ومصير هذا الملف.

فقد اعتبر المتدخلون أن الملف يدرس في صلب الهيئة ببطء شديد وأن هذه الدولة إلى حد اليوم لا تريد أن تعتذر عن تلك الانتهاكات ولا تعترف بجريمة حلّ الاتحاد العام التونسي للطلبة في جويلية 1991 ولا بجريمة اغتيال الشهداء ولا بالتنكيل الذي تعرضوا له.

وفي ظل هذا الوضع بدأت رابطة قدماء الاتحاد والاتحاد الحالي التفكير بجديّة في تنظيم تحركات تصعيدية من أجل افتكاك هذا الحق وإجبار الدولة على أن تعتذر للمنظمة الوحيدة التي تم حلها في عهد بن علي.
ومن المقترحات، تنظيم وقفة احتجاجية أمام هيئة الحقيقة والكرامة للفت نظر الهيئة من أجل إعطاء هذا الملف حقه، خاصة وأنّنا كنا ننتظر أن تخصّ هذه الذكرى بجلسات استماع علنية كما حدث مع بعض الأحداث الأخرى، لكنه لم يحصل.
فهناك شهادات عديدة توثق تلك الانتهاكات التي استمعنا إلى بعضها اليوم حول اغتيال المناضلين أحمد العمري وعدنان بن سعيد ومحمد عارف العلوي وإصابة أبو بكر القلالي.
فقد أثار عدم إدراج هذه الأحداث ضمن الجلسات العلنية عديد التساؤلات حول خلفية هذا التصرف من قبل الهيئة، مع أننا لا ننفي أنّ بعض الأعضاء من هيئة الحقيقة يبذلون جهدا من أجل إعطاء الحق للاتحاد وإعادة الاعتبار له من خلال كشف الحقيقة.

 ملف موّحد بإسم المنظمة:

أكد الثابتي أنهم كرابطة قدموا في شهادة مطولة الانتهاكات التي تعرضت لها المنظمة، شملت رفض إعطائها التأشيرة، ثم محاولة منع المؤتمر الثاني في ديسمبر 1986، إلى جانب القرار الفظيع والانتهاك الصارخ بحلّ المنظمة بحكم قضائي جائر دون حضور أي ممثل عنها ولا أخذ بالاعتبار اعتراضات المحامين. كما قدمنا تفاصيل حول الانتهاكات التي تعرض لها مناضلو الاتحاد وقياداته

لقد اقترحت علينا الهيئة نهج المصالحة والتحكيم ونحن نرفض هذه المصالحة مع الجلادين والقتلة ونطالب بأن يأخذ المسار القضائي طريقه إلى المحاسبة ومحاكمة الجلادين، فإلى اليوم لم يحاسب أيّ جلاد، بل إنّه هناك إصرار وتسويق بأن هؤلاء الطلبة هم من أضرّوا بالدولة، ولكن هذا لن يجعلنا نتراجع، فنحن نمتلك نفسا طويلا للمقاومة والسعي في استرداد الحقوق بكل ما نملك من قدرات ولن نتراخى.

وفي حديثه عن الرابطة أشار عادل الثابتي إلى أنها جمعية مدنية تأسست سنة 2011 وأقامت فروعا لها في كل من مدنين، القيروان، صفاقس، سوسة والمنستير، وأنجزت مؤتمرها الأول في جوان 2014 وستعقد مؤتمرها الثاني في شهر جويلية القادم.

وقامت بتنظيم عديد الملتقيات والندوات للتعريف بالقضية ولم شمل مناضلي الاتحاد لتجميع الشهادات وكشف الانتهاكات التي تعرضت لها هذه المنظمة العريقة.

وختم الثابتي حديثه بتوجه رسالة إلى مناضلي الاتحاد في ماضيه وحاضره وخاصة القدماء بالمشاركة في كشف هذه الحقائق بشهاداتهم الحية والحديث عن ما تعرضوا له،مشيرا إلى بعض التراخي والتجاهل، فالقضية لا يحملها ولا يدافع عنها إلاّ صاحبها.

الشهيد الحي يروي أحداث 8 ماي:

في حديث للفجر أكد أبو بكر قلالي وهو أحد قدماء كلية العلوم، وضحية من ضحايا أحداث 08 ماي 1991 أنّه أصيب خلال ذلك اليوم برصاصة في الوجه تطلبت بقاءه ثلاثة أيام في العناية المركزة وأكثر من 20 يوما للعلاج بالمستشفى.
وأشار قلالي إلى أنّ تلك الفترة التاريخية خاصة بين 90 و91 عرفت هجمة شرسة من النظام على الجامعة التونسية التي كانت تشهد وقتئذ تحركات طلابية توجت بحركة ففري 90 التي اشتغلت على 3 محاور، الأمن الجامعي وتقسيم كلية الشريعة والطلبة المطرودين تعسفيا لأسباب نقابية.

لكن النظام قمع هذا الحراك الطلابي بعنف شديد وقام بالتجنيد القسري لعدد كبير منهم في صحراء رجيم معتوق وجزيرة زمبرة، ليستأنفوا نشاطهم بعد إطلاق سراحهم وسمح للاتحاد العام التونسي للطلبة بعقد مؤتمره الرابع، إلا أنه وفي 11 مارس أصدر النظام  قرارا حاسما وحازما يمنع كل التحرك السياسي والنقابي والثقافي داخل الجامعة والتي كانت زمنئذ القلعة الوحيدة المحررة داخل البلاد.

طبعا نحن كطلبة رفضنا هذا القرار وسعينا في مقاومته من خلال الاجتماعات وتعليق الملصقات وكنا نتعرض لمضايقات أمنية باستمرار، إلى أن جاء يوم 8 ماي، حيث كنّا على موعد مع اجتماع عام إخباري، لكن وجدنا أمامنا جحافلا من الأمن في الجامعة لم تتأخر كثيرا في مهاجمتنا وقمعنا ضربا وملاحقة، ولم نجد إلا بعض الأحجار للدفاع.

وقد استعمل الأمن الرصاص الحي ووجّهه مباشرة إلى الطلبة وتم قنص الشهيد أحمد العمري من قبل عون أمن برصاصة مباشرة، وأصيب عدد كبير بإصابات متفاوتة، في حين كنت شاهدا عن عملية قتل الشهيد عدنان بن سعيد الذي هرول صحبة طالبين اثنين إليّ بعد أن أصبت برصاصة على مستوى وجهي وبعد أن جرّني عناصر الأمن قرابة ال20 متر في اتجاه مركزهم، لكن أمسكوا بعدنان وانهالوا عليه ضربا حتى أسقطوه أرضا، وبينما هو ممددا يحرّك رجليه وهو تحت الضرب عثر فيه أحد عناصر الأمن، فاستدار نحوه بغضب ووجه سلاحه إليه وبكل برودة دم رماه بالرصاص وأرداه قتيلا وهو أعزل مطروحا أرضا.

أنا بعد خروجي من المستشفى وجدت التهم تنتظرني فقد استدعاني حاكم التحقيق ووجه لي تهم القتل والاعتداء على موظف وهذا ما اضطرني من الهروب ومغادرة البلاد التي عدت إليها بعد الثورة.
بالنسبة للعدالة الانتقالية، قمت مؤخرا بحضور جلسة استماع سريّة وإلى حد الآن نلاحظ بطء وتراخ ونتمنى أن يسارعوا في إنصافنا وكل المظلومين خلال تلك الحقبة المظلمة.

 استشهاد في ليبيا ظروف غامضة:

في حديث للفجر أكدت شقيقة الشهيد محمد عارف العلوي أن شقيقها كان عضوا بالاتحاد العام التونسي للطلبة وتعرض شأنه شأن غيره إلى المضايقات في تلك الفترة الصعبة التي عاشتها الجامعة التونسية، فقد تم تجنيده في منزل الحبيب ثم في رجيم معتوق، ثم في زمبرة، ثم أطلق سراحه في رمضان، وقد عاد في السنة الموالية إلى الدراسة، إلى أن جاءت الأحداث الكبرى التي تعرضت لها الجامعات وخاصة طلبة الاتحاد العام التونسي للطلبة.

بالنسبة لعارف تمت سرقة كل وثائقه بسوسة، وكان مع زملائه تحت طائلة التتبع والمضايقات إلى أن تمّ القبض عليه في 1991 وسجن بسجن 9 أفريل وقد سكنّا بالعاصمة من أجله، ثم تم نقله إلى سجن سيدي بوزيد، حيث كنا نتنقل من غمراسن لزيارته.

ومكث لمدة ستة أشهر في السجن ثم عاد إلى غمراسن ليدخل في متاعب وهرسلة المراقبة الإدارية والتتبع اليومي.

وذات يوم من سنة 1993 اتصلوا به وأعلموه أنه مطلوب للمحكمة فذهب إليهم ولكن منذ ذلك اليوم اختفت أخباره ولم نجد أي معلومة عنه، رغم تواصلنا مع كل المراكز وكل السجون.

عاد أبي من الخارج –فرنسا- للبحث عنه، لكن دون جدوى، ليتم منعه من العودة وتم افتكاك جواز سفره، رغم ارتباطاته المهنية ومصالحه الخاصة هناك، كما تعرضت العائلة لمضايقات كبيرة، مستمرة وهرسلة رهيبة خلال كل تلك الفترة.

في سنة  1997 تم إعلامنا عن طريق قنصلية تونس بليبيا أنه علينا التحول إلى بنغازي لتسلّم جثة إبننا الذي توفي هناك وفاة طبيعية، وقد ذهب والدي بعد أن تم تجهيز جواز سفره خلال ساعات، وقامت الداخلية باختيار شخص يرافقه في رحلته إلى ليبيا، مع تكفل العائلة بكل مصاريف الرحلة ونقل الجثة.

وهناك في بنغازي تمسك والدي بمعاينة المكان الذي توفي فيه ابنه، فتحول إلى الكفرة في جنوب ليبيا واطلع على بعض التفاصيل هناك.

 جنازة تحت حراسة مشددة:

أكدت شقيقة الشهيد العلوي أنه خلال الجنازة والعزاء قامت الداخلية بحراسة مشددة لمقر سكنانا ومنعونا من الاطلاع على الجثة، فقط نظرة خاطفة لبعض ملامح وجهه لم تكفي حتى للتثبت منه، وتم الدفن تحت الحراسة وحضرته فقط العائلة المقربة.

كما أشارت إلى أنّ المضايقات والهرسلة الأمنية خفّت بعد ذلك وسمح للوالد بالعودة إلى مصالحه في فرنسا.

أمّا في خصوص العدالة الانتقالية فأوضحت أنهم لم يقدموا مطلبا لهيئة الحقيقة الكرامة لأسباب عائلية، مشيرة أنهم التحقوا مؤخرا بجمعية رابطة قدماء الاتحاد العام التونسي للطلبة وسيتابعون معهم الملف وسيقدمون شهاداتهم.

 دعم مسار العدالة الانتقالية:

في تصريح للفجر أكد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للطلبة نجم الدين الفالحي أنّ هذه الندوة تمحورت حول مسار العدالة الانتقالية الاستحقاق والحصيلة، تزامنا مع الذكرى 26 لأحداث 8 ماي 1991، حضرها عدد من قدماء الطلبة والطلبة الحاليين واستضافت عضو هيئة الحقيقة والكرامة الأستاذ صلاح الدين بن راشد

واستمعنا خلالها إلى بعض الشهادات الحية، إلى جانب الاستماع إلى تفاعل وإجابات عضو هيئة الحقيقة والكرامة مع أسئلة الحاضرين حول مسار العدالة الانتقالية والتعاطي مع ملف الانتهاكات التي تعرضت لها هذه المنظمة العريقة خلال فترة ال1990 و1991 خاصة.

كما أكد من خلالها الاتحاد بقياداته الحالية على التمسك بمسار العدالة الانتقالية في نقاطها الأربعة الأساسية وهي كشف الحقيقة والمساءلة والمحاسبة وجبر الضرر وضمان عدم تكرار هذه الممارسات، التي ستؤدي إلى المصالحة الوطنية، فعلى الجميع الحرص عليها، فأي مسار مخالف لها ويخدم دون هيئة الحقيقة والكرامة سيضر بهذا المسار وسيبني مصالحة مغشوشة.

كما أكّد أنّهم يدعمون الهيئة وعملها وهم على تواصل دائم معها من أجل حثها على التسريع في التعاطي مع الملفات، مشيرا إلى أنّه قد تم خلال المؤتمر السادس تخصيص باب كامل في اللائحة السياسية لمسار العدالة الانتقالية وأيضا من خلال بيانات وندوات عقدت في مختلف الأجزاء الجامعية.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق