المغربتقارير

السياسات المغربية المرتكزة على المقاربات الأمنية في التعامل مع التطرف العنيف تؤجج الظاهرة ولا تقضي عليها

 

 

شكّل التطرف الديني المحور الاساسي في مناقشات ندوة نظمتها مساء الخميس في الرباط التنسيقية المغاربية لحقوق الانسان بعنوان «التطرف العنيف، خطر وطني وإقليمي ودولي».

وقالت الناشطة الحقوقية المغربية خديجة رياضي، منسقة تنسيقية المغاربة لمنظمات حقوق الإنسان أن السياسات الرسمية المرتكزة على المقاربات الأمنية في التعامل مع التطرف العنيف، تؤجج الظاهرة ولا تقضي عليها، وأن أكبر وقاية للمجتمع من التطرف هو اعتماد المقاربة الحقوقية واحترام الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية للمواطنين.

وأوضحت في الندوة التي نظمتها التنسيقية بالتعاون مع الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، أن ممارسة التطرف ناتجة عن سياسات إقصائية للدول وحرمان المواطنين من حقوقهم، ونهج سياسة قمعية في حق الهيئات الحقوقية والمدنية ومنعها من دورها في المجتمع. وقالت ان التطرف ينبني على إيديولوجية تستند على وسائل العنف للوصول إلى غاياتها، مشيرة إلى أن الأصولية الدينية هي من تغذي التطرف في مختلف الديانات والحركات اليمينية واليسارية.

واقترحت رياضي «خطة عمل المجتمع المدني الأورومتوسطي من أجل الوقاية من التطرف العنيف»، وقالت أن المجتمع المدني قادر على القيام بدوره في مواجهة التطرف، لو وفرت له السلطات كامل حقوقه في الاشتغال ودعت إلى ضرورة إدماج المجتمع المدني في سياسات مواجهة التطرف، والنضال من أجل دفع الدول لاعتماد المقاربة الحقوقية في التعامل مع الملف، والانخراط في المجهود الأممي في هذا المجال.

وقال محمد الساسي، القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد، أن نظام الملك الحسن الثاني أسس لقيود الحرية قبل التأسيس للحرية.

وأضاف أن «الإسلام المسوق من قِبل نظام الحسن الثاني أفرط في استعمال الدين في الحياة لفرض الهيمنة على المجتمع»، مؤكداً أنه «استعمل الدين لمحاربة الخصوم الذين تشكلوا حينها من الحداثيين في مرحلة أولى وصورهم كأعداء للدين، ثم استعمله لضرب الإسلاميين في مرحلة ثانية عبر المزايدة على إسلامهم بإسلامه» وان الملك محمد السادس هو ضحية لسياسات نظام والده التي ما زالت آثارها مستمرة إلى اليوم. وأكد أن الحسن الثاني شجع هذا النموذج الديني عبر دعم الزوايا والأضرحة والمواسم، وتأسيس المجلات والمنشورات الدينية، وحرص على ترؤس المناسبات والحفلات الدينية، كالدروس الحسنية التي «استضافت عدداً من المغضوب عليهم من قِبل أنظمتهم» و«أفرط في استعمال الدين من أجل فرض الهيمنة، وذلك باستثمار تعلّق المغاربة به (الدين) للتعلّق به هو أيضا الحسن الثاني». وأضاف الساسي أن الملك الراحل، وإن كان يُبدي انفتاحا حتى على غير المسلمين، باستقباله لبابا الفاتيكان، إلا أنه استغل الدين لمحاربة خصومه اليساريين الذين كانوا علمانيين، في بداية حكمه، ثم خصومه الإسلاميين لاحقا «كانت محاربة الخصوم العلمانيين باستغلال الدين سهلة بالنسبة للحسن الثاني، وحينما ظهر الإسلاميون، الذين يستغلون بدورهم الدين، لجأ إلى المزايدة عليهم، من أجل إقناع الناس بأنه أكثر إسلامية، وهذا أدى إلى إنتاج العنف»، وأنّ استغلال الملك الراحل للدين لتعزيز مشروعيته، «جعل الناس يتقبلون منه كل شيء، لأنهم يَرَوْن فيه مدافعا عن الدين».

وأضاف ان الحسن الثاني سوّق إبان حكمه إسلاماً أرسى لـ«السلطة المطلقة للحاكم، من خلال تكثيف المؤسسات الدينية التابعة للدولة، وبث برامج تعادي الحداثة على التلفزيون، وإنشاء الكتاتيب القرآنية عِوَض دور الأطفال العصرية، وتوسيع دائرة التعليم الديني، وإحياء الطقوس الدينية، واحتضان الدُّعاة القادمين من الشرق».

وقال ان من أسباب العنف الديني، يتاتى من كون الدين هو المكوّن الوحيد للهوية الوطنية يُعدّ واحداً منها. «رغم أنّ الدين يعتبر عنصرا أساسيا، إلا أنه ليس المكوّن الوحيد للهوية»، وأنّ اعتباره المكوّن الوحيد «يُفضي إلى تكوين صورة سلبية عن غير المسلمين» و»مادمنا نرى أن مآلهم جهنم، فهذا يجعلنا ننظر إليهم نظرة سلبية».

وانتقد الساسي أصحاب الرأي القائل إن الإسلام مستهدف، «نعم، قد يكون هذا صحيحا، ولكنّ هذا الطرح يقدَّم من دون سنَد، فهل المسلمون مستهدفون لأنهم مسلمين أم لاعتبارات أخرى ورهانات اقتصادية وسياسية واجتماعية؟» و«هذا الطرح يجعلنا نعيش عقدة نقص واستعلاء في آن، ويجعلنا نعتقد أنّنا لو عُدنا إلى الدين لحسمنا الصراع ضد الآخر لصالحنا». واقترح المفكر المغربي ما يراه المدخل إلى محاربة العنف الذي يمارس باسم الدين، ودعا إلى نزع الطابع الأسطوري عن التاريخ الإسلامي، والابتعاد عن النزعة المتطرفة في التعامل مع النص (القرآن والحديث)، وذلك بفتح باب الاجتهاد، وعدم اعتبار أنّ الأسئلة المتعلقة بالدِّين حُسمت منذ 12 قرنا (تاريخ بداية التدوين) منتقداً «الازدواجية التي يتعامل بها النظام لإرضاء الإسلاميين والحداثيين في آن واحد، إذ يدفع الإسلاميين إلى رفع شعارات معينة، ويدفع الحداثيين إلى رفع شعارات معينة، ويلعب هو دور الوسيط بينهما، ويسوق نفسه على أنه لا غنى عنه».

و قال الكاتب والحقوقي أحمد عصيد إن أخطر أنواع العنف هو ذاك الذي يسعى إلى التطبيع معه ليظهر كأنه أمر طبيعي وعادي مثل قيام مجموعة من المواطنين كـ«الوحوش الكاسرة» بالاعتداء على شخص لأنه دخن سيجارة في نهار رمضان، مؤكدا «أنه لا يوجد عقاب في الدين لمن أفطر عمدا في نهار رمضان».

وأضاف أن المادة الدينية لم تتلاءم مع المدرسة الحديثة، لأن لا «يمكن تدريس المواد كما كانت تدرس في الكتاتيب والمسيد» وأن الانفتاح على التعريف بديانات أخرى أمر هام لخلق «نسبية الإيمان» لدى الناشئة، بدل «تغليب منطق الكفر والإيمان الذي يُلقن للتلاميذ منذ سنواتهم الدراسية الأولى».

وانتقد الناشط الحقوقي أحمد عصيد أصحاب الرأي القائل بأنّ ما تمارسه التنظيمات الإرهابية، مثل «داعش»، من عنف لا علاقة له بالإسلام «هذا نفاق، لأنّ كل ما تفعله «داعش»، كما قال أبو حفص، موجود في القرآن والحديث وان القول بانّ أفعال «داعش» لا علاقة لها بالإسلام هذا أمر لا يمكن أن نصدِّقه».

وقال أنّ «الواقع يتطلّب من الفقهاء المسلمين أنْ يقرّوا بأنّ هناك نصوصا دينية في الإسلام تحض على العنف، ولكيْ يقنعوا الناس برأيهم يجب أن يقولوا إنّ هذه النصوص الدينية جاءت في سياقات تاريخية معيّنة لم تعد موجودة الآن». وقال إنّ أخطر أنواع العنف هو الذي يوصف بكونه ذهنية متأصلة في السلوك والتفكير، ويتم تصويره على أنه عنف «عادي».

وحذّر عصيد من «التطبيع مع العنف»، سواء العنف الذي تمارسه الجماعات المتطرفة والأفراد أم العنف الذي تمارسه السلطة ضدّ النشطاء الحقوقيين ورجال الإعلام والمواطنين إبان التظاهرات، وأنّ اعتبار هذا العنف «عاديا» يشكل خطرا كبيرا على المجتمع وتحدث عن العنف المقدس وقال إنه يكتسي خطورة كبيرة، هو ما سمّاه «العنف المقدّس الذي يتم إخفاؤه بتبريرات تستخدم الدين والثقافة، كما هو حال العنف ضد النساء». ودعا إلى ضرورة الكف عن اعتبار المسلمين الدين الإسلامي دولة، لان هذا الربط «يجعل من الدين آلية للصراع»، مضيفا «إذا أردنا أن نحفظ للدين قدسيته فيجب إخراجه من جبة السياسة، أما القول بأن الدين هو الدولة فهذا هو السبب الذي جعل الصراع في بلدان المسلمين لا يتوقف.» ودعا ايضا إلى محاربة «التدين الفلكلوري» القائم على المظاهر لأن «التدين الفلكلوري من أكبر بواعث التطرّف العنيف؛ لأن البعض يريد بواسطته السيطرة على الفضاء العام، بتنميط المجتمع، حيث يتيح هذا النمط من التدين تصنيف الناس وفق مظاهرهم، وحين يظهر إنسان مختلف يتم سحقه».

وأشار عصيد إلى دراسة أنجزت في مصر، كشفت أن 85 في المئة من النساء المصريات محجبات، «ولكنّ أغلبهن يرتدين الحجاب خوفا من ردة فعل المجتمع في الفضاء العام وليس عن قناعة، لكن المفارقة هي أنّه في مقابل تزايد عدد المحجبات في مصر ارتفعت حالات الاغتصاب».

 

عن القدس العربي، 2017/05/12

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق