تقاريرتونس

تونس على صفيح ساخن … وثورة جديدة تستعد للإشتعال

 

احتجاجات مستمرة… أزمة اقتصادية ترفع نسبة البطالة… قانون مصالحة مع رموز نظام “بن على” يثير غضب شعبى… واستقالة مفاجأة لرئيس الهيئة العليا للانتخابات تعرقل المسار الديمقراطى، أزمات قاتلة هاجمت تونس واحدة تلو الآخرى دون هوادة، حتى أن المتابع لمجريات الأحداث فى تلك البلد المتوسطية والتى كانت الشرارة الأولى للربيع العربى توحى بأنها على وشك ثورة جديدة.

فحكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد والتى لم تتعد الثمانى شهور فى السلطة – وجاءت على خلفية أوضاع مشابهة – لم تستطيع السيطرة على أى من تلك الأزمات، بل إنها تصاعدت فى فترة حكمها مما يوحى بأن النظام السياسى فى تونس يعانى أزمة حقيقية تحتاج الى حوار وطنى حقيقى يضع البلاد على الطريق الصحيح وليس مجرد تغيير وجوه فى المناصب السيادية.

ووسط هذه الصورة القاتمة ينتظر الشعب التونسى خطابا رئاسيا أعلن عنه قصر قرطاج، حيث يلقى الرئيس التونسى الباجى قايد السبسى صباح غد الأربعاء خطابا شعبيا وسط حضور رسمى وسياسى كبير، وتصدر الخطاب اهتمامات الساحة السياسية حيث يعلق الجميع أمالا على كلمة السبسى أن تحمل بصيص أمل للتعامل الجدى مع أزمات البلاد، وإحياء وثيقة قرطاج التى نتجت عن حوار وطنى تم على أساسة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الحالية، حيث أكد المراقبون أن الرئيس يقع عليه عبء التدخل العاجل لاحتواء حالة الاحتقان الاجتماعى والسياسى فى البلاد قبل مرحلة الانفجار والتى لن يتمكن وقتها أحد من السيطرة على الأوضاع.

السبسى عليه عبء ثقيل فى تلك اللحظات الحرجة، حيث لم تعد الأزمة سياسية وحسب بل اجتماعية واقتصادية وعليه أن يراعى فى خطابه التطرق إليها جميعا، ويأتى فى مقدمتها أزمة الاحتجاجات التى تتسع رقعتها يوما بعد يوم فى حين تعد ولاية “تطاوين” والتى تقع على الحدود التونسية الليبية هى الأبرز، حيث تعانى اعتصامات مستمرة منذ أكثر من شهر بسبب سياسات التهميش الاقتصادى والاجتماعى على الرغم من أنها غنية بالثروات الطبيعية.

ويؤكد أهالى تلك المنطقة أنهم لا يجدون عملا على الرغم من وجود حقول لإنتاج البترول، وحاول رئيس الحكومة يوسف الشاهد أن يحتوى تلك الأزمة من خلال زيارة عاجلة قام بها منذ أسبوع للمدينة والتقى الأهالى إلا أنها لم تقدم ما كان يرغب به المحتجون، وأدى استمرار الاحتجاجات وتصاعدها الى توقف إنتاج وإغلاق حقول لشركتين أجنبيتين للطاقة تعمل فى تلك المنطقة، وهى حقلا “باقل وطرفة” لشركة بيرنكو للطاقة مما وضع الاقتصاد فى مأزق جديد.

وأكدت وزيرة الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة، هالة شيخ روحه، “إن مساهمة الشركات البترولية فى ميزانية البلاد تراجع من 3 مليارات دينار فى الفترة بين 2009-2010 إلى مليار دينار فى سنة 2017، مشيرة إلى أن 80% من مداخيل الشركات البترولية تعود لخزينة الدولة، وحملت الاحتجاجات مسئولية تدهور قطاع البترول، لافتة الى إن “سوء السمعة والاحتجاجات وتعطيل الإنتاج عمق مشاكل البطالة وانعكس سلبا على الترويج لتونس كوجهة سياحية واستثمارية.

وتعد الأزمة الاقتصادية من أعتى الأزمات التى تعيشها تونس حيث تفاقم العجز التجارى التونسى بنسبة 57% خلال الربع الأول من العام الجارى، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضى؛ فقد وصل مبلغاً قدره 3.87 مليار دينار، وترافق ذلك مع تراجع الاحتياطى النقدى من العملات الأجنبية الذى بلغ، بحسب أرقام صادرة عن البنك المركزى التونسى، نحو 5.43 مليار دولار، وفاقمت الاحتجاجات الفئوية من أضرار الاقتصاد حيث تراجع الإنتاج والاستثمار، ولم تفلح جميع الإجراءات الحكومية فى وقف الانحدار الحاد والمتواصل فى سعر صرف الدينار التونسى أمام الدولار.

وقبل ساعات من خطاب السبسى الذى ينتظره الجميع تفجرت أزمة جديدة أعتبرها المراقبون عرقلة لمسار الانتقال الديمقراطى الذى لازالت تونس تمر به، حيث أعلن رئيس الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات شفيق صرصار بشكل مفاجئ استقالته من منصبه ومعه اثنان من أعضاء الهيئة قبل أشهر قليلة من انتخابات بلدية الأولى فى البلاد منذ ثورة الياسمين.

وجاءت تلك الاستقالة كالصاعقة على الأوساط السياسية التونسية، خاصة أن رئيس اللجنة لم يعلن بشكل صريح عن أسباب استقالته إلا أنه وصفها بـ”الاضطرارية”، وقال أن استقالته “صونا للهيئة العليا المستقلة للانتخابات والتزاما بالقسم الذى أديناه بأن نعمل على ضمان انتخابات حرة ونزيهة، لقد اضطررنا لهذا القرار المسئول بعد أن تأكّدنا أنّ الخلاف داخل مجلس الهيئة لم يعد مجرّد خلاف حول طرق العمل بل أصبح يمس بالقيم وبالمبادئ التى تتأسس عليها الديمقراطية”.

وتضاف تلك الأزمة الى الوضع السياسى المتأزم بين الأحزاب وداخل البرلمان التونسى حول قانون المصالحة مع رموز الرئيس الأسبق زين العابدين بن على والذى طرحه رئيس الجمهورية، فى محاولة للمصالحة مع رجال أعمال من النظام السابق تورطوا فى أعمال فساد لتحسين بيئة الاستثمار، إلا أن طرح هذا القانون أدى إلى انقسام الأحزاب السياسية بين مؤيد ومعارض تسرب إلى الشارع التونسى الذى شهد احتجاجات ضده على مدار الفترة الماضية.

ووسط هذا السجال لم تجد النخبة حلولا لتقدمها سوى المطالب بإقالة حكومة يوسف الشاهد والتى لم تستمر فى السلطة سوى ثمانية أشهر، إلا أنهم يعتبرونها فترة كافية كشفت مدى فشله والجهاز المعاون فى احتواء الأزمات المتصاعدة، فى حين اقترح البعض الآخر التوجه إلى انتخابات تشريعية مبكرة التى قد تكون حلا لأزمات البلاد، والفائز الوحيد فى ظل هذا الجدال حركة النهضة الإسلامية – إخوان تونس – والتى تعد الأكثر تنظيما فى تونس من تلك الأحزاب حديثة العهد والتى تستغل ذلك لعودة هيمنتها على الساحة التونسية.

الإحباط أصبح حالة مسيطرة على جميع التونسيين بعد كل هذا الكم من الأزمات المتلاحقة، وفى ظل تلك الحالة سيخرج رئيس الجمهورية ليخاطب النواب والشعب فى حديث “التدخل السريع” على أمل إعادة الهدوء للشارع من جديد وتحصين الوضع السياسى الهش، وهو الخطاب الذى ينتظر منه الجميع مصارحة بالوضع الحالى، واعتراف بالأخطاء التى أدت إلى هذا التدهور وتقديم حلول يشارك فيها الجميع

عن ايوان ليبيا، 2017/05/10

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق