الجزائررأي

الحملة الانتخابية في الجزائر على أشدها

 

الحملة الانتخابية في الجزائر على أشدها. يقول نظام الجزائر “اللهم خرجها على سلم”. وتقول المعارضة:أمين، لكن المقتنعين بجدواها قليل. جند النظام كل مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية للدعاية للمشاركة. خطب أئمة المساجد بطلب ممن يدفع رواتبهم قالوا “الانتخاب فرض”. هو شهادة حسب ما كتب في خطبهم المكتوبة، وأفتوا بوجوب أدائها. كما أمر وزير الداخلية الولاة ورؤساء الدوائر والبلديات أن يقحموا أنفسهم في هذه المهمة المقدسة. نسبة التصويت العالية وحدها تكمم أفواه الأعداء في الداخل والخارج. أما الاعلام الرسمي فحدث ولاحرج.

تجولت في الجزائر أيام الحملة هذه شرقا وغربا، وأكثرت من مناقشة العاملين في مكاتب الأحزاب ومداوماتهم. دار الحديث مرة عن الوضع المزي للمعلقات الاشهارية الانتخابية؟ من يمزقها؟ المقاطعون، الرافضون للعملية أصلا واليائسين من نتائجها. أضاف شاب اخر: بل هم الأحزاب أنفسهم، كل اتباع حزب يمزقون صور منافسيهم. وأضاف نحن نضطر أن نعيد الصاق الصور عدة مرات في اليوم. وهذا مكلف ومتعب جدا. قال هناك أحياء اشتراها الاقوياء وسيطروا عليها. لا يقبلون أن يروا صورة لمنافس لهم أصلا. ينفقون المال ويشغلون شبابا عاطلا. سألت بعض هؤلاء الشباب النشيط في تلصيق الصور والمداوم في المكاتب عن مدى اقتناعه بمشروع حزبه. فهالني جوابه: أنا لا أصوت، وليس لي بطاقة تصويت أصلا. أنا أعمل من أجل العمل والخلاص. سألت وكم ستكون نسبة التصويت بحسب رأيك؟ أجاب: أقل مما تتصور.

أنا متابع ومهتم بالانتخاب في الجزائر على الأقل منذ الانفتاح ودخول التعددية الحزبية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. عايشت ميلاد بعض الأحزاب “الكبيرة” اليوم وعرفت مؤسسيها عن قرب. بعضهم ولد و”عندو الشلاغم” وبعض ولد بعملية قيصرية، وبعضهم استنسخ، وبعضهم أدى مهمة كالشرنقة ومات. كثير منهم يدخل في سبات لسنوات خمس ثم يفيق قبيل الحملة. حدثني أحد العارفين قال: “لا، هو واله ما فاق، نحن الي فيقناه، محتاجين له”. ومع كل هذا تسمع مرة بعد مرة رجلا رشيدا أو امرأة حكيمة فاهمة على الأقل لأشكال الجزائر يقدم مشرعا مقنعا، رغم صعوبة اسقاطه على واقع الجزائري السياسي.

النظام السياسي الجزائري تميزه منظومة فريدة من نوعها في العالم. منظومة صلبة، مغلقة، لها مقومات الدوام، دعامتها رصيد الثورة الجزائرية الكبيرة وريع البترول. نظام سياسي مبني في هيكل متماسك على شكل دوائر متداخلة. الأولى هي دائرة أصحاب القرار، وعددهم قليل جدا. دائرة لم يتمكن الرئيس بوتفليقة من دخولها الا في عهدته الثانية. ثم دائرة المنفذين من إداريين ووزراء وولاة وغيرهم. الدائرة الثالثة هي خليط من كثير من الفاعلين من رجال الاعمال الأثرياء الجدد من صفقات الريع وكذا نشطاء المجتمع المدني مثل المنظمات النسوية والعمالية، والنواب وغيرهم، وحتى الزوايا… وأخيرا دائرة كل مستفيد من الوضع من شباب “الانساج” مثلا. نظام كهذا يدافع عنه الجميع الكبير كما الصغير فكيف لا يدوم؟ كل محاولات تغييره فشلت من المعارضة المسلحة الى المعارضة السلمية الى التعاون مع الخارج الى الدعاء وحتى “الحروز” ضده لم تنفع. هكذا حط الجميع رحالهم ويئسوا خاصة بعد ما دخلت فيه بعض الدول العربي من فوضى وحرب أهلية بسبب الربيع العربي لما ال أمر الشعوب الى أشباه السياسيين والدراويش.

عادت بي الذاكرة وأنا أقف أمام لوحة انتخابية ممزقة الى ما قرأته وبحثت فيه عن حقيقة الدولة الجزائرية وتاريخها، ووقفت عند موعد انتخابي اخر. يوم 01 جويلية 1962 . جالت بخاطري صورة تلك العجوز الى تنزل متثاقلة في منحدر جبلي مستعينة بعصاها تريد الالتحاق بمقر التصويت في الاستفتاء حول الاستقلال سنة 1962 . كان للانتخاب وقتها ذوق ومعنى. شباب اليوم لا يدرك قيمة الحق في الإدلاء بصوته. حق حرمت فرنسا المستعمرة منه سكان الجزائر لقرن وثلث القرن. بينما كانت معهم وعلى أرض بشر اخرون يمارسون هذا الحق البسيط والمطلق. هو حق لا يكلف الدولة شيئا.

ما يضير فرنسا لو تركت الجزائريين ينتخبون ممثليهم؟ لقد وحدها كقوة استعمارية غاصبة من يقرر للجزائريين، خاصة بعد أن اتفقت الدول القوى الأوروبية على تقسيم أفريقيا واسيا. الأمم المتحدة لم تكن ولم يكن في العالم من ينصر المستضعفين. ذلك ما جعل الجزائريين يدافعون وحدهم عن حقوقهم المهدورة. لم تتوقف انتفاضاتهم وسالت دماؤهم غزيرة لكن الأمل لم يفارقهم… طال الوقت لكن النتيجة كانت كبيرة وجميلة. أذعنت فرنسا وحاوت من كانت بالأمس تحتقرهم وتسخر منهم، جلست معهم تحاورهم، ثم مغلوبة راحت تنظم هي بنفسها وأدواتها استفتاء للجزائريين وحدهم، استثنت منه الأقدام السوداء واليهود. وهكذا حضرت العجوز المذكورة أعلاه تهزها الفرحة، قوية بما دفع أبناؤها من ثمن من أجل صدوق “مقدس” انتصب في جلال يستقبل ورقات الاستفتاء تنزل فيه عزيزة مصانة، تحمل قناعة من يضعها واماله بل روحه وعقله وقلبه. كل ذلك على مرأى مسمح الجندي الفرنسي بل وحمايته. سبحان مقلب الأحوال، لقد وقف التاريخ يومها اجلالا لابن مهيدي وزملائه لما قال يوما: “الق بالثورة الى الشارع يلتقها الشعب”، وصدق. يوم 01 جويلية 1962 ، كان للانتخاب نكهة ونتيجة أيضا. نتيجة أحسب أن الجزائريين لم يقدروها حق قدرها الى اليوم. اذ انطلقوا على حياتهم الجديدة ووضعهم الجديد، وقد ولدوا من جديد، أو ولدوا وكفى. هذا لكن تأثير ذاك الانتخاب من حيث القانون الدولي وحتى النظرية السياسية فكبير، لا يتسع هذا المقال للتوسع فيه. قال سكان تلك الأرض المحددة في تعداد سكانها وأيضا في حدودها الجغرافية وبإقرار فرنسا ذاتها المنظمة للعملية. قالوا بنسبة %99 نعم للجزائر. وقال الجنرال ديقول: قبلت. من أين له أن يرفض. اذا التف حول الحق قوم فانهم يصرمون أحداث الزمان ويبرموا. كذلك فعل الجزائريون… لا خلاف على الاطلاق أن هذا الانتخاب كان الأكثر شفافية في تاريخ الجزائر. وهذا وكنتيجة هذا الانتخاب تبعه أخر في نفس السنة شهر سبتمبر انتخب 196 عضوا للجمعية التأسيسية التي وضعت دستور البلاد وادخلتها محفل الأمم كالدولة 109 في الأمم المتحدة…

 

للاطلاع انقر هنا :

الحملة-الانتخابية-في-الجزائر-على-أشدها

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق