المغربرأي

الحكومة المغربية الجديدة بين الاستمرارية والتراجعية

 

 

قدّم رئيس الحكومة الجديد الدكتور سعد الدين العثماني الخطوط العريضة للبرنامج الذي تعتزم تطبيقه خلال الولاية التشريعية الحالية.

السمة العامة لهذا البرنامج هو أنه جاء مطبوعا بالاستمرارية في جانبه وعوده الكثيرة لمواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي بدأتها حكومة عبد الإله بنكيران وقد ركز العثماني على أن البرنامج الحكومي يتضمن مواصلة الأوراش الإصلاحية التي بدأتها حكومة عبد الإله بنكيران بما في ذلك ورش إصلاح صندوق المقاصة، مردفا أن الأطراف المشكلة للحكومة الحالية لم تطرح قضية التراجع عن إصلاح المقاصة أبدا، وبالتالي فإن حكومته لن تقطع مع الإصلاحات التي باشرتها الحكومة السابقة بقيادة عبد الإله بنكيران على مختلف المستويات، مضيفا أن هذه الحكومة ستعمل في إطار استمرارية في الإصلاحات ولن تتراجع عنها.

لكن الملاحظة الأساسية التي رافقت لحظة الإعلان عن هذا البرنامج هو الطابع التراجعي الذي ميز المسار السياسي لتشكيل هذه الحكومة من الناحية الديمقراطية، وتكالب العديد من الأطراف من أجل إفشال تشكيل الحكومة الجديدة بناء على نتائج اقتراع السابع من أكتوبر تحت رئاسة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الذي بوأه الناخبون المرتبة الأولى في رسالة واضحة من أجل ولاية ثانية تحت رئاسته.

جرت مياه كثيرة أوقفت هذا المسار، لكنها أطلقت دينامية حوارية ملفتة داخل حزب العدالة والتنمية من أجل مناقشة المرحلة السياسية الجديد وتقييم تداعياتها على المسار الإصلاحي بشكل عام.

النقاش الدائر داخل حزب العدالة والتنمية هو نقاش حيوي مرتبط باختلاف في قراءة معطيات المرحلة الراهنة وهو نقاش لا يحتمل اعتماد أسلوب التشبيه والمقارنة بين محطات سياسية مختلفة، بين التنازلات التي قام بها حزب العدالة والتنمية بشكل إرادي في محطات سياسية سابقة وبين ما يعتبره البعض تنازلات غير مفهومة وغير مبررة من طرف الحزب، خصوصا بعد إزاحة بنكيران من رئاسة الحكومة وتعيين سعد العثماني الذي قبل كافة الشروط التي ظل سلفه يرفضها لمدة تزيد عن خمسة أشهر.

ما أعتقده أنه منذ تعيين الدكتور العثماني رئيسا للحكومة الجديدة تم ارتكاب أخطاء مؤكدة على مستويات مختلفة، وقد ظهرت تداعياتها الموضوعية منذ ليلة الإعلان عن تشكيلة الحكومة الجديدة التي لم تكن بالتأكيد بالمواصفات وبالروح التي انتظرها الناخبون الذين صوتوا في ظروف صعبة لصالح حزب العدالة والتنمية مستجيبين بذلك لشعار ولاية ثانية لفائدة عبد الإله بنكيران. الدكتور سعد الدين العثماني رئيس الحكومة الجديد اعترف بجدية هذا النقاش وقال «لا يمكن منع الأصوات المنتقدة لما وقع، لأن حزب العدالة والتنمية ليس حزبا ستالينيا حتى نجمع على قول القيادة» وأضاف العثماني الاعتراف بإمكانية «أن نخطئ في التقدير السياسي، لكن لا وجود لخطأ متعمد مقصود مع سبق الإصرار». الآن القضية لم تعد قضية حزب العدالة والتنمية لوحده، ولكنها قضية شعب بكامله يريد البعض إحباطه ودفعه إلى فقدان الإيمان بقيمة صوته الانتخابي، ودفع الطبقة الوسطى المدينية تحديدا والفئات الاجتماعية التي دعمت حزب العدالة والتنمية إلى الانسحاب من ساحة التدافع السياسي والتراجع عن معركة الإصلاح.

الكرة الآن في ملعب حزب العدالة والتنمية والجميع ينتظر تقييمه المؤسساتي لنتائج هذه المرحلة، ومن المؤكد أن هناك بعض التمايزات الواضحة في الموقف بين من يعتقدون بإمكانية مواصلة الإصلاح في ظل الشروط المجحفة التي حرمت حزب العدالة من رئاسة أمينه العام للحكومة ودفعته للقبول بمجموعة من التنازلات المؤلمة، وبين من يطالبون بأخذ المسافة النقدية اللازمة من الحكومة والتركيز على بناء الحزب باعتباره أداة الإصلاح التي مكنته من موقع مرموق في الساحة السياسية.

المصدر: القدس العربي ، 2017/04/20

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق