المغربرأي

تشكيل الحكومة الجديدة… المغرب ربح

 

وأخيرا تشكلت الحكومة الجديدة بعد مخاض طويل، وقد تباينت الآراء والتفاعلات بهذا الخصوص، وذهب مجملها مذهب مقاربة المكاسب السياسية التي نالها كل طرف أو خسرها في هذا التعديل الحكومي وفي انتقاد الحجم العددي لهذه الحكومة وحجم الوزراء غير المتحزبين فيها، في مقابل التنويه بإنصاف موقع المرأة فيها وغيرها من العناصر الإيجابية التي قد تحسب لهذه العملية..
غير أن العديد من تلك القراءات وقعت أسيرة لمقاربة ضيقة انتصرت لمنهج المقارنة دون أن تستحضر الإطار الماكرو لهذا التعديل ولا السياق السياسي الخاص الذي حكمه، مهما تكن أهمية بعض التفاصيل المحيطة بالموضوع، وحسبنا أن نتوقف عند أربع دلالات جوهرية لهذا الحدث:
1.  لقد جرت المفاوضات لتعويض الوزراء المستقيلين من حزب الاستقلال في سياق سياسي وطني خاص اتسم بالظرفية الاقتصادية الصعبة التي تجتازها بلادنا وبالأزمة التي خلقها داخل الأغلبية الحكومية سلوك الزعيم الجديد لحزب الاستقلال، فضلا عن تأثيرات مسار إجهاض ثمار الربيع الديمقراطي وإنهاء حكم من حملتهم إرادة الشعوب إلى تلك المواقع، ولم تكن التجربة المغربية بمنأى عن تلك التأثيرات لالتقاء إرادة خصوم التجربة السياسية المغربية مع إرادة نظرائهم في الخارج..
2.  لذلك كان متصورا أن تنهار المفاوضات لتشكيل الأغلبية الجديدة في أي لحظة، وأن يدخل المغرب بسبب ذلك في المجهول، لضيق الإمكانات التي تتيحها المرحلة، وهو ما كان من شأنه لا قدر الله أن يمس بالاستقرار الذي ينعم به المغرب وسط محيط إقليمي متقلب ومفتوح على كل الاحتمالات وأن ينال بالتالي من الصورة التي كونها عبر نموذجه المتميز القائم على جدلية الإصلاح والاستقرار، غير أن رياح المتربصين جرت بما لا تشهيه سفنهم وأمكن الخروج من عنق الزجاجة بتشكيل الحكومة الجديدة، وهو في حد ذاته إنجاز دال حَصَّن المسار السياسي لبلدنا من أي ارتداد ممكن بغض النظر عن التفاصيل..
وقد ساهم في هذا الإنجاز تصرف رئيس الحكومة بمنطق التوافق مع كل الفرقاء السياسيين وتغليب المصلحة الوطنية على اعتبارات المصلحة الذاتية،فيما تعلق بتوزيع بعض الحقائب الوزارية، وهذه “ضريبة” من يقود السفينة أن يتنازل بالقدر الممكن لركابها حتى لا تتوقف أو تغرق..
3.  إن قدرة الفرقاء السياسيين المشكلين للأغلبية الحكومية السابقة على تجاوز الأزمة التي خلقها سلوك الزعيم الجديد لحزب الاستقلال، القائم على وضع العصا في العجلة وممارسة المعارضة من الداخل والتنصل من التعهدات وخرق كل قواعد التعامل اللائق وغيرها من المصائب التي ابتلوا بها منه، لهو إنجاز معتبر في حد ذاته، لأن استمرار الأغلبية السابقة في ظل ذلك الوضع كان من شأنه أن يوقع العمل الحكومي في خطة الإلهاء والإشغال من أجل هدر زمن الإصلاح وإعاقة معالجة خصاص المرحلة السابقة، في أفق الإنهاك التام المفضي إلى نفض الشعب ليده ممن قاد هذه المرحلة..
4.  لقد كشف موقف الأخ الدكتور سعد الدين العثماني وزير الشؤون الخارجية والتعاون، بوضع حقيبته رهن إشارة رئيس الحكومة اعتبارا لما تمليه المصلحة الوطنية العليا وتعبيرُه عن استعداده لخدمة الوطن من أي موقع كان، كشف عن عملة راقية تبدو اليوم للأسف نادرة في المشهد المؤسساتي الحزبي، حيث يغلب على ممارسة السياسيين ابتغاء المواقع بأي ثمن..
إن الذي نجح في هذه المحطة هو المغرب، ودون ذلك فإن نجاحات أو إخفاقات الأطراف تظل نسبية، والمهم بعد اليوم أن تُستخلص الدروس مما مضى، وأن تتوجه الحكومة لملفات المرحلة المقبلة ومن أهمها:
– تحصين المسار الديمقراطي الذي انخرط فيه بلدنا منذ 2011 وحمايته من أي نزوعات ارتدادية من جنس ما وقع في الاقتراع الجزئي بدائرة مولاي يعقوب؛
– التصدي لملفات الإصلاحات الكبرى من قبيل إصلاح صندوق المقاصة وأنظمة التقاعد والإصلاح الجبائي وإخراج القوانين التنظيمية وإرساء المؤسسات الدستورية، مع ضرورة اعتبار عامل ضيق المساحة الزمنية المتبقية من عمر الولاية الحالية؛
– تكريس روح النجاعة في العمل الحكومي وتعزيز المقاربة التشاورية مع كل الفرقاء في القضايا الكبرى للوطن.

 

المصدر: موقع حزب العدالة والتنمية 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق