تحاليلتونس

تونس: حكم معولم في ظلّ تحالف «الشيخين»

 

 

على رغم أن تونس شكلت الاستثناء الناجح في تجارب عملية الانتقال الديموقراطي بالقياس مع بقية بلدان «الربيع العربي» التي لا تزال تئن تحت وطأة النزاعات الأهلية المسلحة، واحتلت المرتبة 66 دولياً، والأولى عربياً، وسجلت أعلى نسبة تطور إيجابي على الصعيد الدولي في ما يتعلق بمؤشر التطور الديموقراطي بعد تقدمها بـ36 درجة وفق تقرير دولي صدر في سنة 2015، فإنها مع ذلك لم تستكمل بعد شروط الانتقال من دولة الفساد إلى بناء الدولة الوطنية الديموقراطية التعددية، أي دولة القانون، وقفزت على مبدأ المحاسبة سريعاً، وعجزت عن تفكيك منظومة الفساد، ومساءلة كل من اتهموا بالرشوة وخرق القانون، في عهد الديكتاتورية، وفي زمن الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة.

من المعوقات الرئيسة التي تقف في وجه تطور الديموقراطية الناشئة في تونس، وبالتالي في وجه التغيير المنشود الراديكالي الذي كان شعاراً للثورة التونسية لكي تحقق أهدافها الاستراتيجية، هي ظاهرة الفساد التي نخرت المؤسسات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية التونسية، وضربت مقومات الدولة ومرافقها، وعوّقت ولا تزال حركة التغيير، وإعادة بناء الدولة الوطنية على أسس ديموقراطية سليمة. فقد أضحت ظاهرة الفساد الإداري والمالي منتشرة بصورة واسعة وعميقة في عهد حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وعائلته وأصهاره، الذي ورّط أجهزة الدولة في الفساد، لكن هذه الظاهرة اتخذت أبعاداً واسعة في زمن الثورة، لأن الأحزاب التي فازت في انتخابات 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، كانت «متعطشة للسلطة»، لا سيما حزب النهضة الإسلامي الذي كان مسيطراً على حكومات الترويكا، وذلك بعد فترة طويلة من الإقصاء، إلا أنه لقلة خبرته وعدم معرفته بدواليب سير الحكم لم يكن قادراً على بناء منظومة حكم تعبّر عن المرحلة الجديدة وتستجيب لمتطلباتها.

في 13 آب (أغسطس) 2013، حصل «لقاء باريس» الذي جمع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وزعيم حركة «نداء تونس» الباجي قايد السبسي (برعاية رجال أعمال تونسيين وأطراف أخرى بالتأكيد، لم يعلن عنها). هذا اللقاء أكد أن تونس لا يمكن لها أن تحكم خارج سياق المعادلات الإقليمية والدولية، بل إنها تحكم بقرار دولي، هو ما يمكن تسميته بالحكم المعولم، بين أهم مكونين سياسيين في تونس: التيار الديني، متمثلاً بالإسلام السياسي المتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، والمستند إلى مركز إقليمي يتمثل في النظام التركي الأردوغاني، الذي تحوّل إلى مركز قيادي لحركات الإسلام السياسي في العالم العربي، بعد حدوث الزلزال المصري وتداعياته على تجربة الإخوان المسلمين في مصر، وانتقال مركزهم من القاهرة إلى إسطنبول، والتيار العلماني المتمثل بحزب «نداء تونس» وزعيمه التاريخي الباجي قايد السبسي، وسرعان ما «تسربت» أخبار هذا اللقاء «السرّي» للإعلام ما أحدث ضجة كبرى. فهو يأتي في أوج أزمة سياسية تعيشها تونس بعد موجة من الاغتيالات السياسية ورد فعل المعارضة المصرّة على إسقاط حكومة النهضة عبر الاعتصام أمام البرلمان وتعطيله والاحتجاجات الاجتماعية والمطلبية في سائر مدن البلاد وأرجائها. الوضع كان يوشك على التحول إلى صدام دموي، وفجأة جاء «لقاء باريس» السحري وانبثق عنه «الحوار الوطني» (الذي رعته كبريات منظمات المجتمع المدني التونسي). «لقاء باريس» لم يكن مجرد إعلان هدنة بل تسوية كاملة و«تاريخية»، يقبل بموجبها النظام التونسي (الذي لم يسقط يوماً منذ تأسيسه) بالإسلاميين كشركاء في الحكم، سالمين غانمين وفق شروط معينة أهمها:

1-عدم المس بالنظام الاقتصادي والعلاقات الخارجية «التاريخية» لتونس.

2 -التخلي عن محاولة تغيير «النمط المجتمعي».

3- عدم المطالبة بأي محاسبة على الجرائم الحقوقية والاقتصادية التي ارتكبت طوال عقود الديكتاتورية.

لم يكن أمام حركة النهضة، التي جربت بؤس السجون والمنافي ولذّة الحكم والسلطة، إلا أن تقبل خصوصاً أنها أصبحت تخشى سيناريو مماثلاً للذي حصل لـ «الإخوان المسلمين» في مصر. وهكذا تبادل الطرفان عهود الأمان وصكوك الغفران، وأصبح «الإخوان المسلمون» (حركة النهضة) جزءاً من النظام التونسي «المعدّل». كل ما حدث بعد لقاء باريس من اتفاقات وانتخابات وتشكيل حكومات كان بمباركة «الشيخين» (الغنوشي والسبسي) ورعاتهما الإقليميين والدوليين. تشكيل حكومة الائتلاف اليميني (نداء تونس، نهضة آفاق تونس، الاتحاد الوطني الحر) بعد نتائج انتخابات أواخر 2014 لم يصدم إلّا الذين كانوا يتوهمون بأن النظام التونسي «العلماني» ما زال في صراع مع الإسلاميين، أو أن الإسلاميين جزء من «المسار الثوري».

حكومة الحبيب الصيد السابقة التي تشكلت مع بداية عام 20155، وكانت تردد باستمرار أنّ مرحلة الانتقال الديموقراطي و «الفوضى» انتهت وأنّه حان وقت الاستقرار وحكم المؤسسات، لم تستطع أن تُجْهِز تماماً على «جيوب المقاومة» واضطرت مرّات عدة إلى تقديم تنازلات للنقابات والدخول في صدامات عنيفة مع العاطلين من العمل وسكان المدن المحرومة. كما أن التركيبة اليمينية العلمانية – اليمينية الدينية للحكومة، وهذا التحالف «غير المنطقي» بين «الحداثيين» و«الإسلاميين» جعلا العديد من الأحزاب اليسارية ومنظمات المجتمع المدني ذات التوجه العلماني تعادي الحكومة. ويبدو أن هذه الاضطرابات بدأت تقلق الشركاء / الرعاة (الاتحاد الأوروبي، أميركا، صندوق النقد والبنك الدوليان، رجال أعمال محليون، الخ…)، واعتبروها مظاهر عجز، مما شكل ضغطاً شديداً على «الشيخين» وجعلهما يسرعان بتقديم كبش فداء، فتخلوا عن رئيس الحكومة السابق. أدرك «أولو الأمر» أن التشكيلة القديمة تنقصها بعض البهارات حتى تصبح أشهى ويمكن هضمها بطريقة أسهل، فكانت «الوحدة الوطنية» هي الوصفة السحرية.

وبعد تجربة الانتقال الديموقراطي المريرة، انتقلت تونس إلى الوضع الدّائم بعد أن تم تنصيب الطّاقم المعولم في الحكم، والمتمثل بتحالف أحزاب «نداءتونس»، و «النهضة» الإسلامي، و «آفاق تونس» و «الاتحاد الوطني الحر».

أولاً: كان الامتحان الحقيقي للحكومة الجديدة التي تشكلت ما بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية بزعامة السيد الحبيب الصيد يتمثل في قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية في شقيها الاقتصادي والأمني، التي تعانيها تونس، فهل قدمت الحكومة الجديدة «حلولاً سحرية» للأزمة الاقتصادية الناجمة بصورة رئيــسة عن وصول الأنموذج التنموي السابـق الذي كان سائداً منذ أكثر من خمسة عقود من الزمن إلى مأزقه الأخير مع اندلاع الثورة، الأمر الذي بات يتطلب من حكام تونس الجدد، انتهاج خيار جديد من التنمية قادر على تحقيق نسب نمو مرتفعة، لا يدفع المواطن البسيط فاتورته من «دمه».

لم يكن للحكومة المنتخبة ديموقراطياً أي برنامج حقيقي لمحاربة الفساد، وبالتالي لبلورة نموذج جديد للتنمية، ينقذ تونس من أزمتها البنيوية العميقة. ومن الواضح أن هذه الحكومة المتشكلة من أحزاب ليبرالية، والبعض منها يدافع عن الليبرالية المتوحشة كما هو الحال مع حزب آفاق تونس، لديها البرامج والتصورات ذاتها في ما يتعلق بالاقتصاد، أسقطت من برنامجها مسألة محاربة الفساد كبند من بنود خريطة الطريق للمرحلة المقبلة.

لقد استفحل الفساد في تونس بعد الثورة، جراء تراخي الحكومات المتعاقبة وتخاذلها في معالجة المسألة، وغياب الإرادة السياسية في مكافحة هذه الظاهرة، إضافة إلى ضعف الدولة وبروز العصابات في المجالات كافة. في حين تتطلب مكافحة ظاهرة الفساد ضرورة دعم أجهزة الرقابة ومراجعة التشريعات والقوانين الموروثة عن النظام السابق إلى جانب ترسيخ ثقافة مقاومة الفساد لدى المواطنين. ومن الواضح أنه في ظل الحكم الحالي، لا تتوافر الإرادة السياسية لمكافحة ظاهرة الفساد، نظراً الى تضارب مصالح الأحزاب، فضلاً عن أن القرارات السياسية في الوقت الراهن تتجه نحو تكريس هذه الظاهرة من خلال الدعوة إلى المصالحة من دون محاسبة. وكان لغياب الشفافية والمعطيات الدقيقة أن جعلت مسألة التصدي لظاهرة الفساد تلاقي صعوبات، ذلك أن مكافحة ظاهرة الفساد تقوم على تكريس النزاهة والحوكمة الرشيدة في إطار قوانين متجانسة مع الدستور تعمل على تحديد صلاحيات الهيئات الدستورية والسلطة المحلية لمواجهة ظاهرة الفساد.

توفيق المديني 

المصدر: صحيفة الحياة اللندنية،  23مارس2017

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق