رأيليبيا

الأسماء مرتبطة بِالسياسات … إرث القذّافي بدأ يطـل برأسه من جديـد

 

 

حينما  تأسس الجيش الِلّيبيّ فِي التاسع مِن أغسطس 1940م فِي المنفى فِي معسكر للتدريب بمنطقة (أبو رواش) عند الكيلو (9) تسعة بهضبة الهرم على الطريق الرئيسي الصحراوي القاهرة – الإسكندريّة، عُرف باسم (الجيش السّنُوسي) و(جيش التَّحرير)، وقد سمّي أيْضاً بـ(الجيش المرابط). ولكن التسميّة الرَّسميّة كانت: (القوَّة العربيّة الِلّيبيّة) وبالإنجليزي: (Libyan Arab Force) والمعروفة اختصاراً (LAF)، وقد أطلقت صفة (العربيّة) على اسم هذه القوَّات لأنها انضمت إلى قوَّات أجنبيّة المسمّاة  بقوَّات “الحلفاء” فِي الحرب العالميّة الثّانيّة، ضـدَّ قوَّات “المحور”، وكانت تحت قيادة ضبّاط بريطانيين، أو مَا عُرف وقتئذ بـ(قوَّات الجيش الثامن البريطاني) وبالإنجليزي: (British Eighth Army)، وقد اضطر الأمير إدْريْس السّنُوسي لقبول إلحاق صفة “العربيّة” بالاسم، لأن ليبَيا الدولة لم تقم بعد، ولأنّ قوَّاته كانت ستقاتل إِلى جانب الحلفاء، وأنها مُنحت هذا التوصيف مِن باب تمييزها عَن الأجنبي ومراعاة لخصوصيتها، حيث ستقود قتالها تحت رايتها السّوداء الّتي يتوسطها هلال ونجمة. وبعد أن استقلت ليبَيا وصار الأمير إدْريْس ملكاً للبلاد، رفض المَلِك إطلاق صفه “العربيّة” علي أيَّ شيء يخص كل الِلّيبيّين ابتداءً مِن اسم الدولة وجيش البلاد، حفاظاً على وحدة البلاد، واعترافاً بالتعدد والتنوع، واحتراماَ لمكونات المجتمع الِلّيبيّ الأخرى ذات الأصول غير العربيّة كالأمازيغ والطوارق والتبو والقريتلية والأرناؤوط. وقد رفض المَلِك – طيب الله ثراه – إضافة صفة “العربيّة” على الجيش الِلّيبيّ الّذِي أعيد إنشاؤه مِن نواة الجيش السّنُوسي فِي التاسع مِن أغسطس 1952م ليحظى هذا التاريخ بذكرى تأسيس الجيش السّنًوسي الّتي كانت فِي نفس التاريخ مِن العَام 1940م، ورفض أيْضاً أن تكون صفة “العربيّة” مضافة إِلى اسم الدولة، حيث اكتفـى بأن يكون اسم ليبَيا بعْد إعلان استقلالها: “المملكة الِلّيبيّة المتَّحدة”، ثمّ: “المملكة الِلّيبيّة” العَام 1963م بعْد إلغاء النَّظام الفيدرالي. ورأى أن صفة “الِلّيبيّ” جامعة وكافيّـة لكلِّ مواطن يحمل الجنسية الِلّيبيّة، وأن وضع صفة “العربيّة” قد يستفز مشاعر الشركاء فِي الوطن مِن أصل غير عربي، ويشعرهم بالتهميش والتمييز ضدَّهم، وقد تقود تراكمات ذلك إِلى تعريض الوحدة الوطنيّة والسّلام الاجتماعي للخطر. وقد شكّل هذا الخيار قناعاته الرَّاسخة وسياساته الثابتة، حيث حرص حتَّى فِي خطاباته الموجهة إِلى الِلّيبيّين على مخاطبتهم بـ(الأمّة الِلّيبيّة) بدلاً مِن (الشّعب الِلّيبيّ)، تأكيداً على أن ليبَيا لكل الِلّيبيّين على تعدد ثقافاتهم واختلافاتهم، وانطلاقاً مِن قناعته الرَّاسخة أن ليبَيا أمّة تتشكل مِن ثقافات متعددة وأكثر مِن مذهب ديني – مالكي وإباضي، ومسلمين وأقلية يهوديّة، وأعراق مختلفة مِن عرب وأمازيغ وتبو وطوارق وغيرهم.

والّذِي حدث، انقلبت الأوضاع والمسميات رأساً على عقب بعْد استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة فِي الأوّل مِن سبتمبر 1969م، وعمل القذّافي طيلة سنوات حكمه على تزوير التّاريخ والعبث بذّاكرة الشّعب، والّتي كان يعلم يقيناً أن إفقارها أيّ “الذّاكرة”، يؤثر سلباً فِي تصرفات النَّاس وبالتالي يُسهل ذلك عمليّة إحكام السّيطرة والتحكم فيهم، وأن ثراءها يعزز الحريّة ويضع الدولة على المسار الصحيح.

ومُجمل القصّة، انقلب القذّافي على الأسماء والمسميات، وقطعَ الصِّلَةَ بالمَاضِيِ، وأصر على استفزاز مشاعر الِلّيبيّين وتأليب بعضهم على بعض. انقلب على المملكة فصارت جمهوريّة ثم جماهيريّة، والأخيرة صارت “عظمى” بعد الغارة الأمريكيّة فِي 14 أبريل 1986م. وأصر على إضافة “العربيّة” على اسم الدولة استفزازاً لمشاعر مكونات المجتمع الِلّيبيّ الأخرى ذات الأصول غير العربيّة، ودقاً لإسفين فِي النسيج الاجتماعي الِلّيبيّ. ثم أطلق على الجيش اسم “القوَّات المُسلحة العربيّة الِلّيبيّة” بدلاً مِن “الجيش الِلّيبيّ”، إمعاناً فِي قلب الموازين، وتمادياً فِي نكران ميراث الجدود، وإصراراً على استفزاز مشاعر بعض الِلّيبيّين.

وَالشّاهِد، اندلعت الثورة وتخلصت البلاد مِن معمّر القذّافي فِي شخصه، ولكن إرث نظامه وأسلوب حكمه بدأ يطل برأسه – وبعْد فترة وجيزة –  مِن جديد. وبعْد ترقية عقيلة صالح قويدر رئيس مجلس النّوّاب لخليفة حفتر مِن رتبة اللواء إِلى رتبة فريق، وتعيين البرلمان له قائداً عاماً للجيش الِلّيبيّ وأدائه اليمين الدّستوريّة أمام المجلس فِي طبرق يوم الاثنين الموافق 9 مارس 2015م، عادت تسمية الجيش إِلى مَا كانت عليه فِي عهد القذّافي الانقلابي، وعاد شعار “النسر” إِلى الواجهة مِن جديـد!!. وعادت فكرة إقحام الجيش فِي الأوضاع السّياسيّة الدّاخليّة كمَا كانت فِي عهد الانقلابيين، وبعد أن ظل دور الجيش طوال سنوات حكم المَلِك إدْريْس السّنُوسي مقتصراً على حمايّة الوطن والدّفاع عنه. وتسمية الجيش الِلّيبيّ باسم “القوَّات المُسلحة العربيّة الِلّيبيّة” والتمسك بشعار “النسر” الّذِي تبناه معمّر القذّافي بعد إلغائه لـ(التاج) شعار المملكة الِلّيبيّة، والإصرار على إلحاق صفة “العربيّة” بمُسمّى الجيش، واستئناف العمل بمسميات القذّافي وشعاراته ونظمه وميراثه، لن يساعد مُؤكداً على بناء الدولة المنشودة، لأن الدول لا تبنى على أسس إحياء ميراث الجحود واستفزاز مشاعر الشركاء فِي الوطن، بل ذلك سيخدم حتماً الثورة المضادة، ويغرس بذور الانقسامات والتشققات فِي المجتمع الِلّيبيّ. وقد سبق هذه التسميّة، قرارات وخطّوات أخرى تصب فِي التوجه والهدف نفسه، ففي عهد مُصْطفى عبدالجليل والمجلس الوطنيّ الانتقالي، تمَّ تجاوز دستور دولة الاستقلال المؤسس والمنشئ للدولة، حيث أُدخلت البلاد فِي مرحلة انتقالية ثانيّة بعْد الإطاحة بنظام الانقلاب، والّتي أدخلتها فِي مخاطر جمة وفراغ سياسي، وذلك برفض تفعيل الدستور وترك المجتمع دون حمايّة. وَفِي تلك الفترة أيْضاً، حُذفت فقرة مِن النشيد الوطنيّ الّتي ورد فيها اسم السّيِّد إدْريْس صانع الاستقلال والأب المؤسس للدولة، بحجة أن الأناشيد الوطنيّة لا تذكر فيها أسماء أشخاص، وهذا مخالفُ للواقع عند بعض البلدان، بل إن الولايّات المتَّحدة الأمريكيّة ذهبت إِلى أبعد مِن ذلك فأطلقت اسم “واشنطن” على العاصمة، وولايّة واشنطن الّتي تقع على السّاحل الغربي للبلاد تخليداً لذكرى الرئيس الأمريكي الرَّاحل جورج واشنطن أحد الآباء المؤسسين للولايّات المتَّحدة وقائد التمرد الّذِي انتهى بإعلان انفصال الولايّات المتَّحدة عَن بريطانيا فِي 4 يوليو 1776م، والشخص الّذِي ترأس الاتفاقية الّتي صاغت الدستور. ومؤكداً، حذف اسم الإدْريْس مِن نشيدنا الوطنيّ يُشير إِلى مواصلة نهج الجحود والنكران الّذي بدأه نظام القذّافي الانقلابي، وهُو الحذف الّذِي أعتبره بمثابة التزوير والاعتداء الآثم على نصّ لا يجوز المساس به لأنه ميراث وتاريخ، والّذِي يعتبره الأستاذ أبوبكر الشكري جريمة كبرى، ويرى ترك النشيد كله والبحث عَن نشيد آخر أهون مِن حذف فقرة مِن أهمّ فقراته.

ويبدو أن إرث القذّافي الّذِي عانينا منه طويلاً ورفضناه، بدأ ينهض مِن جديد، وبعد أن اعتقدنا أنه انتهى بلا رجعة بفضل ثورة السّابع عشر مِن فبراير، فحتى “العلم” الّذِي كان محل إجماع شّعبي كبير بعْد الثورة، ونص  الإعلان الدّستوري الصّادر عَن المجلس الوطنيّ الانتقالي فِي 3 أغسطس 2011م على اعتماده واستمراره علماً لليبَيا فِي الدستور المرتقب لم ينج هُو الآخر مِن العبث الدَّائر، حيث طالبت مجموعة مِن النّوّاب بتغييره وفقاً لما تقدموا به يوم الثلاثاء الموافق 10 يناير 2017م والقاضي بتغيير “العلم والنشيد” بحجة أنهما أصبحا عقبة أمام كُلِّ الجهود الرَّاميّة للمصالحة الوطنيّة!. والمطالبة بتغيير “العلم” يضعنا أمام سؤال استغرابي مشروع، ألا وهو: هل يعقل أن تكون الأمّـة الِلّيبيّة بعْد (66) ستة وستين عاماً مِن إعلان استقلالها ما زالت مختلفة حتَّى على علم البلاد!؟. وهل يعقل أن يُترك متصدرو المشهد ليعبثوا بمكتسباتنا الوطنيّة وميراث الجدود، فيعملوا على ألا تكون لنا ثوابت وإرث لابُدَّ مِن استمراره والحفاظ عليه، برفضهم الثوابت ومطالبتهم بتغييرها، حتَّى يكون كُلِّ شيء قابلاً للتغيير والإلغاء والعبث بـه، فتستمر الفوضى الّتي ستؤدي إِلى عودة حكم “الاستبداد” أو تفتيت الدولة كمَا يرغب بعض الجهات وتسعى أطراف عدة!؟.

وَفِي الختام.. إنَّ النجاح فِي المواجهة مع الإرهاب وإنقاذ بلادنا منه لا يأتي بمصادرة الحريّات والعودة إِلى إرث الاستبداد وعقلية العقوبة الجماعيّة، بل باتباع سياسة المواجهة الحكيمة الّتي ترى مكامن الخطر وتواجهها. والدولة الّتي تحاول تجاوز الأزمة والنّهوض مِن كبوتها لابُدَّ أن يكون لها مشروع وطنيّ يسع الجميع ويطمئن الكل، ولا ينطلق مِن استفزاز مشاعر أيَّ مكون مِن مكونات المجتمع، أو مِن مواقع الجحود والنكران ضارباً عرض الحائط بميراث الجدود. وإذا أردنا خيراً للبلاد علينا التأكيد على رفض الإرث الاستبدادي والتمسك بميراث الجدود، وتوحيد جهود المجتمع فِي مواجهة خطر الإرهاب والتطرف، ثمّ اختيار مَا يحقق مصلحة الوطن ويحافظ على وحدته واستقراره وأمنه، وما يستعيد مجد ليبَيا وتاريخها العظيم بين الأمم.

والله المُستعان، والله وليّ التوفيق.

شُكْري السنكي

المصدر : ليبيا المستقبل، 2017/03/19

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق