تونس

هل التعديل الوزاري المجهض في تونس مقدمة لهزات أشد؟

 

 

نزع الفتيل ولكن خطر الانفجار ما يزال قائما في تونس. وفيما صدقت توقعات المتابعين للاتصالات والتحركات الكثيفة التي جرت على مدى الاسبوع الماضي بين مختلف الحساسيات الموالية والمعارضة على السواء واختار خليل الغرياني ان يعتذر صباح الخميس الماضي في أعقاب لقائه رئيس الحكومة عن تولي منصب وزير الوظيفة العمومية «مراعاة لمصلحة البلاد وتفاديا لأي أزمة» وحفاظا على «التوازنات السياسية والاجتماعية ونسق العمل الحكومي ومراعاة للتوازنات مع الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تربطه مع منظمة الأعراف (رجال الأعمال) علاقات عميقة وعريقة» حسب ما صرح به للصحافيين، فانه ليس معروفا بعد ان كان قرار تعيينه الذي أعلن السبت قبل الماضي ضمن تعديل وزاري محدود كان فقط خبطة عشواء وخطأ فادحا كاد يدق مسمارا في نعش الحكومة ويجر البلاد إلى أزمة سياسية جديدة أقوى من سابقاتها أم كذلك ضربة استباقية شجاعة ومحسوبة سمحت للتونسيين بإعادة اكتشاف رئيس حكومتهم القادر على ان يقف ولو بشكل نسبي ومحدود أمام غول النقابات ويقول لها انه وحده صاحب القرار والسلطة وان لديه من القوة والقدرة ما يسمح له بتمرير حزمة القرارات الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي طال أمد انتظارها في وقت قريب.

بعد مرور أكثر من اسبوع على التعديل الوزاري الجزئي الذي أعلنه يوسف الشاهد السبت قبل الماضي على تشكيله الحكومي فإن الانطباع السائد في تونس هو ان تلك الخطوة المثيرة والاستفزازية كما اعتبرها اتحاد الشغل أكبر النقابات العمالية في البلد وما تلاها من ردود أفعال وردود أفعال مضادة أدخلت قدرا كبيرا من الاضطراب والتشويش وعمقت مزيدا من مشاعر القلق على المستقبل. فلا أحد يستطيع الجزم بشكل قاطع ودقيق ان كان الفصل الأخير من معارك كسر العظم المستمرة منذ ست سنوات بين السلطات والنقابيين سوف ينتهي إلى وضع يقبل فيه الطرفان بشكل من أشكال الهدنة المعقولة التي تسمح للبلاد بالتقاط أنفاسها ومواجهة التحديات الصعبة التي تنتظرها.

لقد بدأت فصول الأزمة بسرعة وانتهت أو هكذا بدى الأمر بسرعة. وزير يخرج للإعلام ويلوح باستقالته من الحكومة ورئيس يستبق خطوته ويقيله بعد ساعات قليلة لتثار حالة من الغضب والغليان داخل المنظمة النقابية وحتى أحزاب الائتلاف بسبب ما اعتبروه تجاوزا لوثيقة قرطاج التي قامت على التشاور والوفاق وانبنت عليها الحكومة. أما المخرج بعد ذلك فكان اعتذار الوزير البديل وإلغاء الوزارة من أصلها. ولكن الشيء الذي لفت نظر المراقبين في كل ذلك هو ان تلك السرعة التي أقيل بها الوزير عبيد البريكي المحسوب على اتحاد العمال والإعلان عن تعويضه بخليل الغرياني عضو اتحاد الصناعة والتجارة أي اتحاد رجال الأعمال كانت تعني بوضوح ان رئيس الحكومة الشاب يوسف الشاهد أراد ان يقتنص الفرصة ليسجل نقاطا إضافية في رصيده الشعبي ويظهر للرأي العام المحلي وحتى الدولي انه الشخص القادر على ان يمسك دفة الحكم جيدا والذي لن ينصاع أو يقبل الرضوخ بسهولة لأي ضغط أو تهديد من جانب النقابات.

الرسالة الواضحة والقوية كانت ان حكومة الوحدة الوطنية التي مضت على ولادتها ستة شهور لن تكون في كل الأحوال بعد الخامس والعشرين من الشهر الماضي تاريخ الإعلان عن التعديل شبيهة بما كانت عليه من قبل أو هذا على الأقل ما ستحاول فرضه وتأكيده كحقيقة على الأرض رغم معرفتها وادراكها لصعوبة المهمة وخطورتها.

هل كان تصرف البريكي الخارج عن نواميس الدولة كما وصفه الشاهد وغير المحسوب بمثابة الهدية المجانية التي التقطها حتى ينطلق وحيدا في مواجهة الغول النقابي من دون أي سند  أو دعم حتى من أحزاب الائتلاف؟ لقد بدأت الأمور بشكل مفاجئ فيما يشبه اختبار قوة من جانب وزير الوظيفة العمومية عبيد البريكي بتلويحه الإعلامي بالاستقالة لتتحول في وقت وجيز إلى إقالة «مهينة» مثلما وصفها الوزير المحسوب على اتحاد العمال ثم تلتها إعادة خلط سريعة للأوراق أعطت الانطباع بتغير ميزان القوى وبعثت كثيرا من الحرارة وحتى التوتر داخل الساحة السياسية. كيف تحول تعديل جزئي وبسيط على التشكيل الوزاري إلى «انقلاب» على وثيقة قرطاج التي كانت العمود الفقري لحكومة الوحدة الوطنية؟ ان ما جعل الأمور تصل إلى ذلك الحد هو ان الشاهد انفرد على ما يبدو بالقرار ولم يأخذ في اعتباره ان هناك توازنات معروفة لا ينبغي المس بها بشكل اعتباطي ومتسرع. لقد وضع يده في عش الدبابير ثم ظل يبحث من وراء الستار عن مخرج يحفظ به ماء الوجه. هل كان ما يتردد بين الحين والآخر عن انه مجرد ظل للرئيس القوي الباجي قائد السبسي هو السبب الذي جعله يبحث عن اثبات الذات بتلك الطريقة ام انه الطموح الجارف إلى دخول السباق مبكرا على قصر قرطاج هو الذي قاده لكل ذلك؟

«بلادنا ليست ناقصة توترات»:

لقد كانت النتيجة في أقل من اسبوع هي ان التعديل الوزاري الذي شمل ثلاث وزارات أجهض في واحدة من أهمها وهي وزارة الوظيفة العمومية التي تمسك النقابيون بأن لا تؤول إلى رجل أعمال. لقد قلبوا الطاولة على الشاهد بكثير من الذكاء والهدوء. وكان لافتا ان الأمين العام الجديد لاتحاد الشغل الذي بادر لمقابلة رئيس الحكومة بعد إعلانه التعديل بطلب منه خرج ليقول للصحافيين الذين انتظروا كثيرا من التهديد والوعيد ان «روح المسؤولية العالية يجب ان تتوفر لدى كل الأطراف… وبلادنا ليست ناقصة توترات وصوت الحكمة والعقل سيتغلبان في الأخير». وربما كانت التوازنات هي التي جعلت الحكمة والعقل يحضران.

فالطرف المقابل للنقابيين أي اتحاد رجال الأعمال لا يريد الدخول في حرب مفتوحة مع النقابات وهو ربما لأجل ذلك فضل الانسحاب ونزع فتيل صدام مقبل وحاد معها. ولكن القصة لم تنته بعد. فأمام الشاهد وحكومته الآن الكثير من الملفات الشائكة والصعبة وأولها ملف وزير التعليم الذي تهدد النقابات مجددا بانها لن تتعامل معه وتصر على تعويضه بوزير آخر. رضوخ الشاهد سوف يعني ان هزة السبت قبل الماضي كانت حركة بلا أفق أو معنى وان رسالتها سقطت في الماء وإصراره على التمسك بالوزير سوف يعني أيضا ان معارك كسر العظم ستتواصل في ظل وضع اجتماعي واقتصادي شديد الصعوبة والتعقيد.

وربما يكون الاجتماع المرتقب بعد أيام بين الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج هو فرصة الأمل الأخيرة لتعديل المسار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ويبقى السؤال الأهم هو كيف يمكن التوفيق بين ما تعتبره جزءا أصيلا من صميم صلاحياتها أي تعيين وإقالة الوزراء وكبار المسؤولين وبين ما قد تراه النقابات خرقا وخروجا عن روح التوافق والحوار والشراكة التي كرستها الوثيقة؟

وما هي الخلطة التي ستسمح لتونس اجتناب الأسوأ؟ وهل ما زال هناك امل بأن يترك التونسيون خلافاتهم جانبا ليقفوا صفا واحدا في وجه نواقيس الخطر التي تدق بقوة وتنذر بتحول بلدهم إلى يونان أخرى؟ لننتظر ونرى.

نزار بولحية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق