رأي

صحفي عِراقي يتحدّث عن شخصية الزّعيم الثعالبي

       نشرت جريدة “البِلاد” الغرّاء التي تصدر في بغداد بقلم صاحبها المِفضال الأستاذ رفائيل أفندي بطي الفصل الآتي:
“سمعت عنه كثيرًا وقرأت أكثر … فكانت تُنازع إعجابي به وَسْوسةُ الفكر من أن يكون ثوبُ الشّهرة فضفاضًا لا يَنسجم على حقيقة الرّجل – كما هي الحال في بعض الذين يَرنّ ذُيوع اسمهم على فًراغٍ – حتّى حظيَت بغداد بزيارة الرّحالة العربيّ الكبير قبل ستّة أعوام، فأنست بالتّعرف إليه عن كثب. ولا أراني أعدُو الحقيقة في أنّني وجدتُ شخصيّة الرّجل مثل شهرته إن لم أقل فوقها. ليس هو زعيم تُونس البَيضاء وباعث نهضتها السّياسيّة وموقد جذوة حياتِها الفكريّة فحسب، بل هو أحَد أولائِك الأفذاذ الّذين لا تشبع أنفسهم الحسّاسة وأدمغتهم المُنتجة برقعةٍ صغيرةٍ يقصرون عليها مَواهبهم ويجودُون في حرثها بما ملكوا من قوى، إنّما تستوعب آمالهم الرّحاب اللاّحبة والمجالي الوَسيعة. ففي الحِين الذي يعمل الثّعالبيّ لتونس، بل لذَلك الجانب الإفريقي الأثيل في عُروبته يتناول الشّرق العربي الخصب بالشّعور القوميّ، ويمتد إلى أبعد فيحتضن الجامعة الإسلامية باعثًا بأشعّة فكره وحرارة هُمومه السّياسيّة والاجتماعية إلى ما وراء تخوم الشّرق.
أقام الأستاذ بين ظهرانينَا هذه السّنوات القَليلة يحفّه ودّ أصدقائِه القُدماء والمستحدثين وقد عرف الأوّلين في فروق ومصر وباريس في رحلاته المتواصلة، ويحيطه التّقدير والتّجلّة. وقد أصبحت دارُه ندوةَ أهل الفضل وروّاد البَحث والتّفكير. وهو يحدّث بطلاقته السّاحرة وبيانه الأخاذ في مختلف الشّؤُون فتنمّ أحاديثُه عن نفوذ نظـرٍ في مشاكل هذا الشّرق المتماثلة وتشخيصٍ لأدوائِه المتشابهة في كل صقعٍ. وما أشبه مجلس الثّعالبي بفصل من فصول الجامعة يَفيضُ الرّجل على سامعيه شَآبِيب من غزارة مادّته وواسع اِطّلاعه ولاذع نَقدهِ، يُحلّي أقواله وجولاته ظرفٌ طبيعيّ فِيهع وابتِسَامة لا تُفارقُه تمازجها ضحكة يستشف منها خِفّة رُوحه وصَافي سَريرتِه وطِيب قَلبه. لو استطاع “مختزل” لَبِق أن يَضبط أحاديث عبد العزيز في المجَالس في الأدب والسّياسة والتّاريخ الإسلامي وشُؤون الشّرق الأدنى في الخمسين سَنة الأخيرة، وتَراجم عُظمائه وأشهر حَوادِثه لما احتاج لإنجاز المجلّد الوَاحد إلى أكثر من جلسات خمسٍ. وأحسَن ما يُوصف به نَابِغة تونس أنه “أنسكلو بِيديا” حيّة عن أحوال الشّرق الإسلاميّ المعاصر. أمّا دُروسه الرّسمية في “جامعة آل البيت” في فلسفة التّشريع الإسلاميّ فأغرَاسها مَشهُودة في طُلاّبه الكُثر وفِقههم للتّشريع الإسلاميّ. حتّى إذا خَلاَ الرّجل بِنفسه في سَاعةٍ مُتأخّرة من اللّيل، أو عند بَسمة الفَجر عمد إلى “سَفِينته” يُدوّن فيها مَشاهِده ونَظراتِه وخُلاصة اِختِباره، وقد وَعى من أحوالِ الشّرق والغَرب في “مُذكّراته” الحافلة أعلاقًا سَيعرف النّاس أيّ ثمنٍ عال لها يَوم تبرز إلى عالم النّشر. ومن المزايَا الفَريدة الّتي أُجِلّها كثيرًا في هذا الزّعيم الشّرقي أنّه حرّ، لا يعرفُ فِكرُه حدودًا في حرّيّته. وفِي الوَقت نَفسه، هو مسلم رَاسخُ العَقيدة قائم بتأدية الفُروض مُواظب على الصّيام في رَمضان المبارك. ولاَ أرَانِي بحاجةٍ إلى التّدليل عَلى حماسته الوطنيّة وغِيرته الشّرقية، فتَاريخُه مليء بالتّضحية والجِهاد الجريء، وأبناءُ تونس والجزائر وغيرُها من بِلاد السّاحل الشّمالي في إفريقية يَعترفُون لزَعيمهِم بأنّه الطّليعة الماشِي في سبيل خَلاصِهم. يعزّ عَلينا، واسمُ الحقّ مُبارحَة هذا الضّيف الكَبير الّذي لم يقتَصِر اِنتفاعُنا به على دُروسه الثّمينة في جامعة آل البيت، ولكنّه كان من العَوامل الفعّالة المحفّزة في يَقظة الأفكارِ في هذه العَاصمة. وقد وَجد فيها في عهد الانتقال وفوران التّطوّر، وسيُذكر له سعيه على الدّوام. كما أنّه سيحمِلُ معه في رِحلاتِه ومُستقرّه أجمل ذِكرى من العِراق، وحبّ أهله وتَقديرهِم لشخصيّته الممتَازة.
المصدر: الشورى، عدد 281، بتاريخ 9 يوليو سنة 1930. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق