رأي

الطيب تيزيني:كلّ ما كتبته في محل إعادة نظر

      زار المفكر السوري المعروف، طيب تيزيني، تونس أخيرًا. ولم تكن زيارته عادية، إذ على الرغم من كونه يعرف هذا البلد وله علاقات قوية بنخبه، إلا أن عاطفة قوية اجتاحته وجعلته أشبه بمن التقى بعزيز عليه بعد فراق طويل، حتى أنه وصف الأيام القليلة التي قضاها في تونس متنقلاً بين العاصمة والقيروان وصفاقس “أيامًا جميلة لا تمحى من الذاكرة”.

يقول صاحب كتاب “فصول في الفكر السياسي العربي”، إن سورية الآن “كتب لها من ضمن مجموعات في العالم أن تحترق، لأنها تمثل تجربة فريدة، وهي شوكة في حلوق من يسعون إلى تدميرها، وهو تدمير حرفي يشمل المناطق والأطفال والنساء”. وأضاف تيزيني في حوار مع “ضفة ثالثة”، أن سورية “تكاد أن تصبح وطنًا بدون مواطنين. ورغم حجم المأساة، إلا أنه لا يزال هناك أمل في إيقاف هذا الدمار. ولا يزال هناك من يؤمنون بحق أن سورية ستنهض وسيخرج منها لصوص التاريخ. ولن نفقد الأمل في ذلك”.

سدّ الشقوق :

سألته حول كيف وجد تونس، فأجاب بعفوية بالغة “أشعر بنشوة كبرى وأنا في تونس، ويدفعني ذلك إلى الاعتقاد بقوة أن الحياة لا يمكن اختزالها في تجربة واحدة. أنا واثق أن التونسيين لن يبخلوا عن فعل أي شيء من شأنه أن يساعد سورية والوطن العربي. وهو ما يقودني إلى التأكيد على أمرين:

أولهما، إن أي داخل عربي يجب أن يعالج من داخله. لا تتركوا أي شق يمكن أن يتسرب منه الآخرون. لا يحمى أي وطن إلا من ذويه. من كان يحلم أن روسيا وإيران وحزب الله، وكل هذا الشتات الذي جاءنا من كل العالم لكي يدمر سورية بوضوح لا مثيل له باسم طائفية جديدة، تريد أن تعمّر سورية بمن لا ينتمي إليها. يحصل هذا بكل وضوح وبخطاب إجرامي. شعارهم: الخروج بأمان أو الموت.

في الماضي كان هناك صراع طائفي كامن، لكن اليوم هناك من يتم جلبه إلى سورية في مقابل إخراج السوريين من بلادهم بالملايين وتوزيعهم على العالم. من خلال تأملاتي ومطالعاتي، يمكنني القول، إن سورية مرشحة لكي تقدم تجربة جديدة في العالم ومنذ نشأة الإنسان العاقل  “الهوموسابيان” يجري حاليًا في سورية إعادة تعمير البلاد ديموغرافيًا. اليوم في سورية الكل قاتل.. من هؤلاء الذين يتسلمون الموقع؟. وهو ما يجعل اكتشاف نقطة أمل على غاية من التعقيد، ولكن مع ذلك كله أقول، إننا اكتشفناها، واكتشفها معنا آخرون في ألمانيا وفرنسا وأنكلترا. هذه البلدان وأخرى اكتشفت أن سورية لن تسقط لأن من عمّرها لا يزال موجودًا، وسوف يبقى قائمًا.

ثانياً : أضيف إلى تجربتي الشخصية التجربة التونسية التي لا بد من دراستها. تونس بدأت تتطلع إلى بناء مجتمع جديد ومتساو ومتقدم، منذ عهد ذلك المصلح النهضوي، خير الدين باشا، بروح علمانية عاقلة من دون التشكيك في الأديان كلها. فالكل أحرار ضمن لوحة واحدة. تونس الحبيبة أعرفها جيدًا، وأخاف عليها منذ أيام الرئيس السابق الذي استقر بإحدى دول الخليج. وقد سبق لي أن بدأت أكتشف، خلال زياراتي في عهد ذلك الرئيس، أن دولة أمنية بدأت تتأسس في تونس كما حصل في بلد عربي آخر هو سورية. الدولة الأمنية تقوم على قاعدة مفادها أنه يجب أن يفسد كل من لم يفسد بعد، بحيث يصبح الجميع ملوثًا ومدانًا حتى يكون تحت الطلب. وكما يقال: الأمر الواحد يحتاج إلى أمرين، وسيف الواحد يحتاج إلى سيفين، والشعب الواحد يحتاج إلى شعبين، وشعبان يحتاجان لكل شعوب العالم. وهو ما يجعلنا نعيش مرحلة ما قبل النظام الرأسمالي.

الأغيار أسياد الموقف:

 ما حققه التونسيون، حتى الآن، يكاد يكون فريدًا في تاريخ البشر. نجحوا في طي صراعات الماضي بصيغ بسيطة فيها الكرامة والتفاهم بعيداً عن تدخل الأغيار. الأغيار هم الآن أسياد الموقف. أدعو التونسيين إلى حماية أنفسهم، وتعزيز ثقافة التضامن والتفاهم مهما كانت الصراعات قوية، فلكل قضية مهما تعقدت حلول ما”.

يوجه تيزيني حديثه للتونسيين: “لا تغتروا بحلول زائفة سرعان ما تذهب مع الريح. وقد سبق أن كتبت مقالة دعوت فيها السوريين أن يبدأوا هم بفتح الدائرة قبل أن يفتحها الأغيار. قلت لهم اشرعوا في القيام ببعض الإصلاحات مهما كانت محدودة، فالصغير يمكن أن يصبح كبيرًا. هذه الجدلية بين الداخل والخارج تقتحم لأول مرة بهذه الصيغة الإجرامية القاسية. هناك سؤال لا مفر من مواجهته: هل يمكن أن يبقى الوحش وحشًا بعد مرور آلاف السنين على نشأة هذا الإنسان العاقل؟”.

قلت له: “وأنا بدوري أحيل إليك السؤال، هل يمكن أن يبقى الوحش وحشًا؟”

 أجاب: “هناك مخاطر كبرى مرتبطة بالنظام العولمي الذي أتى نتيجة التحولات التي شملت العالم كله، والذي اكتشف كارل ماركس أحد وجوهه الكبرى، واكتشف أنه كلما ارتفعت قيمة الأشياء هبطت قيمة الإنسان. ويأتي أحد تلاميذه (قوماند) في كتابه: “أمريكا التوتاليتارية” الذي قال، إن العولمة هي “السوق المطلقة”. وهو اكتشاف مذهل، حيث يتحول كل شيء إلى سلع وأموال. وما يحصل في سورية يأتي في مرحلة ما بعد البعديات، ما بعد الحضارة، وما بعد الحداثة، ما بعد العقلانية، وما بعد الوطنية. ادخلوا هذا العالم العولمي واخرجوا من جلودكم، وحاولوا أن تكتشفوا جلودكم السابقة، طوائفكم، مثلياتكم، وبذلك هم يحاولون أن يفتحوا أبوابًا لا تغلق في هذا العالم. إنه تدمير جديد وحدث بقدر ما هو سوري وعربي فهو أيضًا عالمي.

الوطن من العالم:

أعتقد أنه لا يجوز لامرئ أن يهنأ بوطنه الرفيع والناجح إلا بعد أن يكون قد اطمأن للعالم كله. وحتى تكون المواجهة بقدر مساحة العولة، يجب أن يعلم الجميع أنه ليس هناك حقل أو بلد قادرعلى البقاء إلا بقدر فهم أصحابه ما الذي يجري في العالم، ويأخذون الحيطة التامة بعد أن أصبح القتل شرفًا لمن يقومون بتنفيذه”.

سألته: “يجري الحديث عن انتهاء سورية الوطن الواحد، وإن سورية جديدة مقسمة هو ما يجري الإعداد له؟”

تحدث بثقة عجيبة، وقال “أطمئن الجميع أن سورية لن تموت على أيدي القتلة ولصوص التاريخ. داعش اليوم يثأر لنفسه. من هو داعش؟. هم أولئك المفلوقون، الفقراء، البؤساء الذين يثأرون لأنفسهم ظنًا منهم أن ذلك سيمكنهم من الحصول على ما يعتبرونه حقًا لهم. والنتيجة أن هذا الداعشي وجد نفسه الآن في وضع القاتل أو المقتول.

فداعش الذي حاول بعضهم أن ينتجه هو موجود قبل أن يوجد بصبغته الرسمية. هناك معتقلات في العالم العربي من دون استثناء، أهلت المعتقلين الذين بدأوا يعيشون حالة من البلاء، أهلتهم الأنظمة لكي يخرجوا ويواجهوا الأخطاء العظمى بطريقتهم. فداعش موجود دائمًا في صلب الأنظمة الإجرامية التعسفية والطبقية التي تريد أن تملك كل شيء دون أن يملك الآخرون شيئًا”.

ولكن سألته: “سورية تقسم اليوم طائفيًا أو طبقيًا بعد عمليات الفرز القهرية التي حدثت خلال السنوات الأخيرة”.

ذهب تيزيني إلى أبعد من ذلك بكثير حين أكد أن “ما كان يقال حول إن غياب وحدة الوطن تحت عنوان الصراع الطبقي، أصبحت هناك اليوم ضرورة من أجل زحزحة ذلك قليلاً لصالح وحدة الطبقات. هناك خطر جديد، والتاريخ لا يبقى على صيغة واحدة. صراع الطبقات يلبس أحياناً لبوسًا جديدًا قد يقود إلى ما نحن عليه اليوم. إن داعش يعود في سورية بشقيه، الحقيقي والزائف. هذا الزائف الذي يركبه جماعة المرحلة المعاصرة.

اليوم، وبعد كل الذي حدث في سورية وفي غيرها، أعلن أن كل ما كتبته في حياتي أصبح ملغى وفي حاجة إلى إعادة نظر. وقد انتهيت في رحلتي الفكرية إلى الإيمان بوحدة العالم بما في ذلك وحدة الأديان كلها. فالآلهة نعرفها بقدر ما نكون نحن العارفين لها. فالمطلق مطلق في ذاته، وهو الآلهة، أما النسبيون فهم نحن، ونفهم الآلهة من حيث نحن، أي من حيث ثقافتنا ووضعنا المادي والاجتماعي والنفسي. وبناء عليه، لا أحد وحده وبذاته يملك الحقيقة. ولهذا عندما سئل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم “أين الله؟”، أجاب “إن الله موجود حيثما ترونه”. فالحقيقة مشتركة بين الجميع. والخطاب الديني المشتعل حاليًا والذي تشعله مجموعات زائفة وأخرى صالحة، لكنها لم تمسك بالحقيقة تمامًا. هؤلاء يجب العودة إليهم ومحاولة تحريرهم من الزيف الذي وقعوا فيه كي نعمم السلام الحقيقي في العالم، وفي كل وطن منه، وأخص بالذكر سورية الجريحة”.

قالها الطيب تيزيني وقد خنقته العبرات وأجهش مرة أخرى بالبكاء.

صلاح الدين الجورشي

المصدر: العربي الجديد 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق