تحاليل

حظر دخول المسلمين إلى أمريكا: الدوافع والتداعيات

 

 

احتجاجات عالمية على قرار «ترامب» بحظر السفر، البرلمان العراقي يصدق على قرار معاملة الأمريكيين بالمثل، ومحكمة أمريكية تصدر أمرًا يقيد بشكل مؤقت قرار ترامب بشأن الهجرة، أمرٌ يقابل بتصعيد وطعن من قبل وزارة العدل، وأخيرًا الاستئناف الأمريكية ترفض طلب ترامب بإعادة حظر السفر وتطالب بتقديم المزيد من الحجج.

هكذا توالت ردود الأفعال العالمية على إصدار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السابع والعشرين من يناير الماضي/ كانون ثاني، أمرًا تنفيذيًا يتضمن منعًا مؤقتًا من دخول الولايات المتحدة للزائرين من بعض الدول الإسلامية (اليمن، ليبيا، العراق، إيران، سوريا، الصومال، السودان) وتعليق برنامج قبول اللاجئين لمدة 44 أشهر، ووقف قبول اللاجئين السوريين حتى إشعار آخر.

لم يقتصر الأمر على هذا فقد ترتب عليه انقسامات حادة بالداخل الأمريكي حيث أطاح ترامب برافضي تطبيق القرار داخل إدارته، عبر إقالة القائمة بأعمال وزارة العدل سالي ييتس، والمسؤول بالوكالة عن الهجرة والجمارك دانيال راجسديل، بينما أصدرت عدد من المحاكم الأمريكية قرارات بوقف التنفيذ مثل محكمة بوسطن الفيدرالية، ومحكمة ولاية فرجينيا الفيدرالية، وبروكلين الفيدرالية بولاية نيويورك.

لم تتوقف جهود القضاء الأمريكي عند هذا الحد فقط، بل أصدر قاض اتحادي فى سياتل بالولايات المتحدة، أمرًا بتقييد مؤقت فى كل أنحاء البلاد لقرار ترامب، وهو الأمر الذي رفضته إدارة ترامب وقامت وزارة العدل بالطعن عليه مؤكدة أنه أمر ضروري لحماية الأمن القومي الأمريكي، بينما رفضت محكمة الاستئناف الاتحادية هذا الطعن، مطالبة كلاً من البيت الأبيض والولايات المشاركة في الطعن بتقديم المزيد من الحجج التي تؤيد موقفها وطعنها، وما زلنا في انتظار الحكم النهائي.

أما خارجيًا فقد أثار هذا القرار حملة واسعة من التنديد والانتقادات الدولية وصلت إلى حد دعوة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أوروبا إلى التوحد وتقديم رد حازم على هذا القرار، وهو ما يثير المخاوف بشأن تدهور علاقات واشنطن مع دول العالم المختلفة.

على جانب كانت بعض الدول قد بدأت في التنفيذ الفعلي للقرار عبر منع المواطنين المشمولين بالحظر من السفر على خطوتها الجوية إلى الولايات المتحدة، ومن بين هذه الدول مصر والسعودية والإمارات.

نتيجة لهذا الزخم الدولي، فقد كان من الضروري إلقاء نظرة سريعة عليه لتوضيح تداعياته ودوافع ترامب لاتخاذه وهل فعلاً سيحقق الهدف منه أم أنه سيأتي بنتائج عكسية، ونستعرض هذا في سياق التقرير.

هل حقًا سيجلب الحظر الحماية للأمريكان؟

بهذه الكلمات برر ترامب قراره بشأن الحظر مؤكدًا أنه سيساعد في حماية الأميركيين من الهجمات الإرهابية ويمنع حدوث اعتداءات مثل تلك التي شهدتها فرنسا وألمانيا وبلجيكا في الآونة الأخيرة، حيث ربط بين هذه الاعتداءات في أوروبا، واستقبال أعداد كبيرة من المهاجرين المسلمين، بينما اتهم المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بأنها «ارتكبت خطأ كارثيًا» عندما فتحت أبواب بلادها أمام مئات الآلاف اللاجئين السوريين بشكل خاص.

بالنظر إلى هذا القرار يمكن توقع سيناريوهان، إما أن تقضي المحكمة بتأييد هذا الأمر التنفيذي وتفعيله أو أن تقضي بالنهاية برفضه، وفي كلتا الحالتين سيترتب على قرارها عدد من التداعيات سواء على مستوى الداخل الأمريكي أو على المستوى الدولي.

في حال التطبيق:

بالنسبة لتأثير القرار في حال تطبيقه فمن المتوقع أنه سيترتب عليه عدد من التداعيات السلبية الداخلية والخارجية على المدى الطويل، وهو ما يتضح من خلال عدد من النقاط، كالتالي:

أولًا: خدمة أهداف التنظيمات الإرهابية

من المتوقع أن يصب هذا القرار في خدمة التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم الدولة من خلال تمهيده لزيادة مشاعر العداء للولايات المتحدة وتنامي الشعور بالاضطهاد لدى بعض المسلمين المتشددين، وبالتالي تنامي دور المنظمات الجهادية.

في هذا الإطار أكدت صحيفة «واشنطن بوست» ترحيب بعض المجاهدين بهذا القرار، وأنهم اعتبروا ترامب «المجند الأول للجهاديين دفاعًا عن الإسلام»، مشيرة إلى أن «دعاية التنظيم تستهدف فئة واسعة من الأشخاص، والمسافة لدى هؤلاء الأشخاص بين تلقي الدعاية والانتقال لشن هجوم ليست كبيرة».

سيصب القرار كذلك في مصلحة التيارات الإسلامية المقاتلة في سوريا واليمن وليبيا، ويمكن أن يعرقل جهود السلطات الأمريكية لقيام مزيد من التعاون مع الرعايا المسلمين، خاصة في ظل الاستثناءات التي تمت به مثل استثناء اليهود في هذه الدول السبع منه، ومن هنا فقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس من أن القرار «يطلق موجة من القلق والغضب يمكن أن تسهل الدعاية للمنظمات الإرهابية».

ثانيًا: خسارة النفوذ الأمريكي بالعراق

يثير القرار المخاوف بشأن تراجع الدور الأميركي في العراق، حيث وضح القائد السابق لقوات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الجنرال جون ألين، أن ترامب بدأ في تنفيذ سياسة تؤدي إلى خسارة الولايات المتحدة نفوذها في العراق، وأنه مهما حدث على المدى القريب من إعادة السيطرة على الموصل وغيرها، فإن هذه السياسة ستمهد لظهور مجموعة جديدة مماثلة للتنظيم.

كذلك يثير القرار مخاوف بشأن توجه العراق نحو إيران وروسيا والابتعاد عن واشنطن، كما يحدث في سوريا الآن، خاصة مع تصعيد البرلمان العراقي ومصادقته على قرارات تتضمن «التعامل بالمثل» ووقف منح تأشيرات دخول للمواطنين الأمريكيين.

ثالثًا: اليمن المتطرف و«الإسلاموفوبيا»

يثير القرار عددًا من المخاوف بشأن إمكانية استغلاله من قبل تيارات اليمين المتطرف في أوروبا، لتوسيع الحظر ليشمل منع هؤلاء اللاجئين من الدخول إلى دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما تحقق بالفعل وظهر صريحًا عبر إشادة اليمين الفرنسي به وتأكيده إمكانية اتخاذ قرارات مماثلة بل ومطالبته بتوسيع الحظر ليشمل المملكة العربية السعودية أيضًا.

فقد وضح ستيف بوريس، نائب رئيسة الجبهة الوطنية الفرنسية مارين لوبين أنه لا يستبعد «أن تتخذ مارين لوبين قرارًا مماثلًا لإجراءات ترامب»، مشددًا على ضرورة اتخاذ مثل هذه الإجراءات في حال الاضطرار لذلك.

وما يدعم هذه المخاوف أن هذا اليمين المتطرف الفرنسي بنى جزءًا كبيرًا من برنامجه الانتخابي حول ما يصفه بـ«خطر الهجرة والمهاجرين»، كما سبق أن تعهد بطرد اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل زاد اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وكندا من هجماته على مساجد ومراكز يؤمها مسلمون، مستفيدًا من المناخ الذي أنتجته هذه الإجراءات، فضلاً عن تزايد موجة الكراهية للمسلمين التي تلت هجمات تنظيم الدولة في الدول الغربية.

فقد تم هجوم على أحد المساجد بكندا ردًا على ترحيبها باستقبال اللاجئين عقب القرار الأمريكي في عمل تم تصنيفه على أنه «هجوم إرهابي على المسلمين»، ومن غير المستبعد كذلك تكرر مثل هذه الهجمات وزيادة مظاهر العداء ضد المسلمين في هذا المناخ الذي تخرج فيه القوى العظمى في العالم بمثل هذه القرارات في تحد واضح للمجتمع الدولي.

رابعًا: تفاقم معاناة اللاجئين

سيزيد هذا القرار من معاناة اللاجئين خاصة السوريين مع الرفض الأوروبي لاستقبالهم ومحاولات هذه الدول المستمرة للحد من تدفق هؤلاء المهاجرين، حيث تتبع معظم دول الاتحاد الآن سياسة عرض أموال ومساعدات للدول الأفريقية التي يأتي منها أو يعبرها المهاجرون لمنعهم من التوجه إليها، هذا قبل أن يتخذ ترامب هذا الإجراء، فماذا بعد إعطائهم دافعًا وحججًا رئيسية لتنفيذ سياستهم للحد من المهاجرين؟

في حال الإلغاء:

في حال إلغاء الأمر التنفيذي بحكم قضائي فسيكون هذا أمرًا جيدًا أن تقف الأجهزة القضائية في وجه قرارات ترامب وتستطيع كبح جماحه، ولكن هل هذا كافٍ؟ وهل سيقف ترامب صامتًا؟

من غير المتوقع أن يقف ترامب صامتًا حيال موقف القضاء أو أي سلطة تحاول إيقافه، الأمر الذي يمكن استنتاجه من إطاحته بأعضاء إداراته لمجرد رفض القرار، حيث سيحاول اتخاذ العديد من الآليات وإدارة الصراع لإنقاذ القرار.

يثير هذا القرار أيضًا بعدًا خاصًا بالصراع والتضارب بين الأجهزة الأمريكية الذي يمكن أن يتكرر في العديد من القرارات القادمة، مما سيؤثر بالضرورة سلبًا على السياسة الخارجية الأمريكية ويسبب إرباكًا بها خاصة في حال الولايات المتحدة والتي تعد دولة مؤسسات بالدرجة الأولى وليست دولة أشخاص.

يمكن القول في النهاية إن قرار ترامب هذا غير قانوني حيث حظر الكونجرس منذ أكثر من خمسين عامًا التفرقة بين المهاجرين على أساس بلد المنشأ، كما قيد صلاحية الرئيس في منع دخول الغرباء تحت دعوى أن وجودهم يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة، حيث نص صراحة على أنه «لن يخضع أي شخص للتميز عند استصداره لتأشيرة  الدخول بسبب العرق أو الجنس أو مكان الميلاد».

كما أن هذا القرار على الرغم مما أعلنه ترامب من أنه سيعمل على حماية الولايات المتحدة، إلا أنه بهذه الطريقة يعرض ملايين الأمريكيين الذين يقيمون خارج الولايات المتحدة للخطر.

تبقى هناك الآن عدد من التساؤلات حول أسباب اختيار ترامب هذه الدول بالتحديد دونًا عن غيرها، هل يتعلق الأمر كما تشير بعض التحليل إلى عدم وجود مصالح تجارية لديه بها، أم أن هناك أسبابًا أخرى؟ ولماذا اللاجئون السوريون على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تشهد أي وقائع أمنية تورط فيها هؤلاء اللاجئون؟ كما لم تستقبل منهم سوى 15 ألف لاجئ؟ وهل يتعلق هذا بمساعيه لإقامة مناطق آمنة لهؤلاء اللاجئين بسوريا؟

دينا حلمي 

المصدر: إضاءات 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق