رأيليبيا

 ليبيا وتحرير سرت.. من وفاق “النفاق” إلى وفاق “الرفاق”

 

يمكن القول إن حكومة “الرفاق” الليبية الثانية قادمة بعون الله.

قبل هذا توقعت تحرير سرت ولم أوتقع تحرير بنغازي،  بل ان تحرير سرت سيكون حدثا مفصليا لا مكان فيه للهزيمة، ليس لأنه هزيمة لمصراتة ومكانتها الاعتبارية في نفوس كثير من الليبيين، كثقل لمايعرف بالاسلام السياسي فحسب، بل لعامل أهم بكثير ربما يَقبر معه أي مستقبل للوفاق حال الفشل في هزيمة داعش

تبعا لذلك يمكن تقسيم الظرفية التي اتسمت بها ليبيا منذ ديسمبر 2015 تاريخ بدء سريان اتفاق الصخيرات الى فترتين، حكومة وفاق أولى اتسمت بوفاق مغشوش أقرب الى نفاق سياسي، أملته ظروف ضرورية، وحظيت برفض داخلي كبير سماها البعض بحكومة “وصاية”، وحكومة وفاق ثانية “نضج” ستفرضها عملية تحرير سرت وهي الحكومة المرتقبة التي ستجمع أعداء الأمس ورفاق اليوم

 حكومة الوفاق الأولى أو “وفاق الضرورة”:

أكثر من عام مضى على اتفاق الصخيرات وتشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج..

وبخلاف الانجاز الكبير الذي كان حدثا فصلا حققته قوات البنيان المرصوص بتحرير مدينة سرت (خسرت أكثر من 700 مقاتل) من براثن إرهاب داعش، فإن حكومة التوافق لم تسجل أهدافا تُذكر، سيما مع تدهور الوضع الامني بالجنوب مع تسرب عناصر داعش اليه

وذلك سيزيد من أعباء الدولة المتشرذمة على بوابة الصحراء بالجنوب الشاسع والممتد  حيث تصعب السيطرة عليه وحيث تنشط الهجرة الافريقية أملا في بلوغ الشواطئ الليبية وحلم بلوغ شمال المتوسط ..

تحرير سرت الحدث المهم ألقى بنتائجه على معادلة الصراع وهو ماجعل القوى المناوئة لقوات فجر ليبيا (البنيان المرصوص) تقتنع بأنها ليست داعش ولاهي من تنظيم القاعدة كما مازعم ناطق باسم قوات حفتر بعد انتصار سرت مباشرة.

ان هزيمة الدواعش بسرت لن يسمح باستمرار الفوضى وسيُعجل بالتوافق السياسي الحقيقي وليس الهش، لذلك يمكن تسمية حكومة السراج ماقبل سرت بحكومة” وفاق الضرورة” او “الوفاق المغشوش”، ساد فيها واقع سياسي متشظ تفرق فيه ساسة البلاد الى حكومات جعلت من ليبيا دولة بثلاث رؤوس بعد ان خال المجتمع الدولي ان حكومة الوفاق وحدها هي الحل.

تلكأ مجلس نواب طبرق السلطة التشريعية الوحيدة حسب الصخيرات، تلكأ في منح الثقة لتشكيلة السراج بضغط من خليفة حفتر طمعا منه في الظفر بمنصب عسكري أو سياسي وهو غير خفي وكان قد افصح عنه منذ اعلان عملية الكرامة ومطالبته بتشكيل مجلس سياسي، ثم لم تتخلى حكومة خليفة الغويل نهائيا عن السلطة بمهاجمة بعض مقرات الوفاق بعد ان رأتها اداة وصاية ومرتبكة الاداء.. الى ان اصبح هاجس الحوار الليبي الليبي يراودها مجددا رغبة منها في استئناف حوار مالطا الذي جمع نوري بوسهمين رئيس المؤتمر العام برئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

من هنالك عادت مسألة البحث في سبل جديدة للوفاق..لكن كيف ومن يقوده؟

 من وفاق “النفاق” الى وفاق “الرفاق”:

من دون شك ان وفاق مابعد سرت ليس كما قبلها، يمكن تسمية المرحلة الثانية من الوفاق بوفاق “النضج” أو وفاق “الرفاق”، تأكد فيه الفرقاء أن لا حل عسكري يفضي الى نتيجة ، وما زاد في الاقتناع بذلك هو ان لاأحد يزايد على الآخر في محاربة الارهاب بعد هزيمة داعش، فلا ارهاب ولا توظيف للارهاب

من أجل ذلك كثف الفرقاء الليبيون مساعيهم لتقديم بديل للمجلس الرئاسي، بعد أن أعلن رئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح تمسكه بالمسودة الرابعة للصخيرات والعودة إلى صيغة رئيس ونائبين للمجلس الرئاسي، وادى زيارة الى تونس لبحث مبادرتها والجزائر

في المقابل تسعى جهود اخرى مصرية لتمرير اجندتها الموالية لجارها حفتر فاحتضنت القاهرة لقاء لدول الجوار تونس االجزائر السودان تشاد..دعا فيه سامح شكري الى الإبقاء على هيكل اتفاق الصخيرات وتعديل بعض البنود التي يرفضها الشرق الليبي..وهوماعارضه بعض الموافقين والمعارضين واعتبروه بمثابة خلق راس رابع للدولة..

في الخط الموازي،  ترى المبادرة التونسية بعقد حوار ليبي ليبي وهو الموقف المختلف نوعا ما عن مصر، بات ضرورة نابعة من إرادة الليبيين وأسوة بالتوافق التونسي لكن دون القطع مع الجهود الاممية لحلحلة الازمة.

هذه المبادرة دعمتها الجزائر ومن المأمول أن تحظى بوفاق واسع من دول الجوار جميعا بما فيها مصر التي يؤدي وزير خارجيتها زيارة لتونس هذين اليومين سيما كذلك مع الدور الموازي الذي يقوم به رئيس حركة النهضة الموصوف دوره بالديبلوماسية الحزبية او الشعبية غير الرسمية وقد التقى بدوره بالرئيس الجزائري بالجزائر وبدعوة منه، ثم عقب زيارة الغنوشي وصل وفد من مدينة مصرتة الليبية المحسوبة على الاسلاميين الجزائر لطرح سبل حل الازمة الليبية.. لكن قبل هذه التطورات، يؤشر ترحيب الحكومة المؤقتة بالبيضاء بالمبادرة التونسية (في انتظار اجتماع ثلاثي بتونس نهاية هذا الشهر يضم الجزائر ومصر) الى نهاية الانقسام الليبي تمهيدا لقمة بين قادة الدول الثلاث بشأن المبادرة التونسيّة

نهاية الانقسام الليبي هذه المرة لن يكون كسابقاته مجرد غلاف خارجي لصراع مبطن، فحقيقة الاتفاق هذه المرة أنه ياتي في غير ظروف السابقة الاقليمية والدولية ان في علاقة بالوضع السوري وان بالعلاقة مع موسكو التي تدعم حفتر وان على مستوى تآكل الدور التركي وخاصة بداية فترة الرئيس الامريكي الجديد ترامب

بموازاة تلك الحقائق الجديدة  فإن لقاءات بين شخصيات وأحزاب ليبية دارت بمدينة الحمامات التونسية بحر هذا الأسبوع وحضرها أكبر الاحزاب الليبية التي تمثل جوهرا الانقسام، وهما حزبا العدالة والبناء (اسلامي) وتحالف القوى الوطنية (علماني) بهدف بحث توزيع المناصب السياسية..وبالمحصلة فإن تلك النقاط المحورية وغير المسبوقة ستكون من المؤكد تأثيراتها واضحة على المشهد الليبي في أسابيع قادمة على الأكثر.

 المختار غميض(*)

المصدر: رأي اليوم 

ــــــــــــــــــــــــــ

(*)- كاتب تونسي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق