دراسات

الجذور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لأحداث 26 جانفي (1-3/2)

هذه مداخلة تحليلية في ندوة إحياء ذكرى تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل بتاريخ 18 جانفي 2010 ألقاها السيد محمد الناصر الذي كان يشغل منصب وزير الشؤون الاجتماعية واستقال من خطته قبيل أحداث 26 جانفي 1978.

تحوّل الإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 26 جانفي 1978 إلى انتفاضة شعبية استوجبت تدخل الجيش وإعلان حالة الحصار، ولأول مرة بعد الاستقلال تصطدم قوات الأمن والجيش الوطني بالمواطنين في مواجهة دامية أدّت إلى عديد القتلى والجرحى. وعندما نتحدث عن أحداث 26 جانفي لا بد أن نفصل بين قرار الإضراب العام الذي اتخذ المجلس الوطني للاتحاد والإضرابات التي جدت يوم 26 جانفي 1978 والتي هي محل جدال يتعلق بأسبابها وبالمتسببين فيها.

وستقتصر مداخلتي على الإضراب الذي نادى به الاتحاد ونفّذه يوم 26 جانفي 1978، بعد سنة فقط من الاتفاق مع الحكومة وبقية الأطراف المعنية على ميثاق اجتماعي يضمن السلم الاجتماعية مدة المخطط الخامس، وبعد ست سنوات من حوار اجتماعي مسؤول ومتواصل في نطاق ما سمي بالسياسة التعاقدية كان الاتحاد من اكبر المتحمسين لها والمستفيدين منها.

وسأتولى في الجزء الأول من هذه المداخلة التذكير بالظروف التي نشأت فيها السياسة التعاقدية بداية من سنة 1971 التي توّجت بالميثاق الاجتماعي في جانفي 1977، وفي الجزء الثاني سوف أحاول استقراء الأسباب والمتسببات التي آلت إلى إضراب 26 جانفي 1978.

الجزء الأول:

ظروف نشأة السياسة التعاقدية

في الحديث عن جذور الأزمة التي أدّت إلى إضراب 26 جانفي لا بدّ من الرجوع إلى سنة 1971 إثر توقف المشروع الاشتراكي للتذكير بالدور التاريخي الذي قام به الاتحاد وقادة الاتحاد في ذلك الوقت داخل الحزب الاشتراكي الدستوري لمناصرة الخيار الليبرالي الذي تبناه الهادي نويرة على حساب الخيار الديمقراطي الذي نادى به احمد المستيري، كان ذلك في مؤتمر المنستير الأول سنة 1971 الذي شهد الانشقاق المعروف داخل الحزب اثر ازمة 1969 وعدول الحزب والحكومة عن مواصلة منوال التنمية الاشتراكية.

ولا بد هنا من التذكير كذلك بما وقع اثر ذلك المؤتمر من استقالة عدد من أعضاء اللجنة المركزية وانسلاخ عدة جامعات دستورية عن الحزب.

وفي حين كانت برقيات التنديد والانسلاخ من الحزب تتوارد على الهادي نويرة الأمين العام الجديد والوزير الأول من الشعب والجامعات الدستورية، كانت برقيات التأييد والوفود المهنية تأتي إليه من النقابات الأساسية ومن الجامعات المهنية التابع للاتحاد وذلك بإيعاز من قيادة الاتحاد في ذلك الوقت.

وقد تحدّث الحبيب عاشور في كتابه “حياتي السياسية والنقابية” عن عودته إلى الاتحاد (ص 108) وعن مشاركته في مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري في المنستير سنة 1971، ثم عن مساندته سياسيا للوزير الأول والأمين العام للحزب آنذاك بعد مؤتمر المنستير الأوّل (ص123)، والجدير بالذكر هو أن الوجود المتزامن لهاتين الشخصيتين في مراكز القيادة على الساحة السياسية والنقابية، والعلاقات الشخصية بين هذين المناضلين وروابطهما السياسية والنقابية والدور الفاعل الذي لعبه كل منهما من اجل دعم الآخر في مركز القيادة في صلب الحزب وفي الاتحاد كل هذه العوامل والظروف هيأت الأرضية التي نشأت فيها السياسة التعاقدية التي أصبح الهادي نويرة والحبيب عاشور أهم محركيها والفاعلين فيها.

فالاتحاد قام إذا سنة 1971 بدور تاريخي في تغيير ميزان القوى داخل الحزب الحاكم لفائدة شق على حساب الآخر ولتفوق مشروع مجتمعي على مشروع مجتمعي آخر.

ويذكرنا هذا الوضع بما تم في سنة 1955 في مؤتمر الحزب بصفاقس حيث تغلب شق بورقيبة بمؤازرة الاتحاد على شق بن يوسف بعد ابرام اتفاقية الاستقلال الداخلي وانتصر بذلك التيار التحديثي المتفتح على الغرب على التيار المحافظ والمتمسك بتوثيق جذور المجتمع التونسي مع أصوله العربية والإسلامية.

على أن الفرق في هاتين الفترتين التاريخيتين هي أن الاتحاد سنة 1955 كان حاملا لمشروع مجتمعي اشتراكي تمكن بفضل وجوده وتأثيره في مؤتمر صفاقس من إدراج خطوطه الأساسية في لوائح المؤتمر، وهو المشروع الذي تبينه الحكومة في خطة التنمية العشرية في الستينات.

أما فيما يتعلق بدور الاتحاد في السبعينات فقد اكتفى بمساندة المشروع الليبرالي الذي جاء به الهادي نويرة والمعروف بالسياسة التعاقدية والذي لم تتبلور أبعاده السياسية إلا سنة 1974 في مؤتمر المنستير 2، ذلك أن الإشارة إلى هذه السياسة في المؤتمر الثامن للحزب سنة 1971 كانت مختزلة في ما سماه الهادي نويرة عقد اجتماعي يكون فيه الحزب صاحب المبادرة والدولة جهاز التنفيذ.

وقد بدأت الحكومة في وضع أسس هذه السياسة سنة 1972 من خلال الاتفاقية الإطارية المشتركة التي أبرمت في 20 مارس 1973 بين الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة بإشراف وزارة الشؤون الاجتماعية وبمساعدة منظمة العمل الدولية بجنيف، وقد نصت هذه الاتفاقية في توطئتها على المبادئ الأساسية لهذه السياسة الجديدة وهي:

-إرساء العلاقات المهنية بين أرباب العمل والعمال على “حوار حر” قي كنف احترام مصالح المجموعة بأكملها”.

-العمل من اجل “تنمية الإنتاج الاقتصادي وتوزيع عادل للدخل الوطني”.

-ضمان تحسين مستوى عيش العمال، تبعا لتطور الإنتاج والزيادة في الإنتاجية.

-العمل معا على للوصول إلى تحديد أجور العمال على أساس تعاقدي، مع الأخذ بعين الاعتبار معطيات الاقتصاد الوطني وتبعا لنتائج المؤسسات وللظرفية الاقتصادية.

-الأجور يجب أن تضبط باتفاق مشترك، مع الأخذ بعين الاعتبار لأجر أدنى يضبط على أساس غلاء المعيشة وتبعا لاختصاص العمال ومواصفات الإنتاج.

فإلى ذلك التاريخ كانت مساندة السياسة الجديدة التي تبنّاها الحزب في مؤتمر المنستير1 من طرف الاتحاد العام التونسي للشغل غاية تحرير المفاوضات الاجتماعية في الأجور بعد أن كانت ممنوعة (الفصل 51 م م.س) من أهم الطالب التي تكررت في مؤتمرات الاتحاد كانت اذن مساندة محدودة الهدف ذلك أن المشروع الليبرالي لم تبرز أبعاده السياسية إلا فيما بعد.

وفعلا لم تتبلور الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية للسياسة التعاقدية إلا في مؤتمر المنستير 2 سنة 1974 وذلك في التقرير العام الذي قدمه المرحوم الهادي نويرة تحت شعار “ميثاق الرقي من اجل مشروع مجتمعي جديد” والذي جاء فيه:

“هو مشروع مشترك لخلق الثروات، وسياسة متفق عليها بشان توزيع المداخيل التي تشكل فيها الأجور مكونا أساسيا” وهو “مشروع مجتمعي مبني على التضامن والتشاور ضامنا الرفاهة للجميع وتكافؤ الحظوظ لكل فرد من اجل مجتمع لا يخضع مستقبله فقط وقدراته في هذا الميدان أو ذالك ولكن أيضا لقدرته على حل نزاعاته بالتفاوض”.

كما انه “يعبر عن تعددية اقتصادية واجتماعية كبديل لا فقط لتدويل الاقتصاد وتعميم التعاضد بل وذلك للتعددية السياسية أي لتعدد الأحزاب.

فمنذ مؤتمر المنستير 2 أصبح من الواضح أن تحالف الاتحاد مع الحكومة ومع الحزب هو على أساس مشروع سياسي اختير كبديل للمشروع الاشتراكي الذي توقف سنة 1969 وللمشروع التعددي الديمقراطي الذي نادى به احمد المستيري وجماعته في مؤتمر المنستير الأول.

وانطلاقا من سنة 1974 وخلال أربع سنوات، جرى تنفيذ السياسة التعاقدية في ظروف صعبة وشاقة وفي مناخ من التوتر المستمر. حيث تم التفاوض في 37 اتفاقية قطاعية مشتركة تغطى كل الطاعات المنظمة تقريبا في الصناعة والتجارة وعلى 70 قانونا أساسيا للمؤسسات العمومية، تم إمضاؤها كلها وأصبحت قابلة للتنفيذ.

وبإبرام كل هذه الاتفاقات المشتركة والقوانين الأساسية وهو ما اعتبره الحبيب عاشور أكبر انجاز لم يحققه اتحاد الشغل قبل ذلك، فان السياسة التعاقدية أصبحت واقعا ملموسا ثم بفضلها تحسين الأجور وظروف الشغل بالمقارنة مع ما كانت عليه العشرية السابقة في زمن الاشتراكية.

لكن رغم التحسينات في الأجور وفي ظروف العمل التي تمت بعد الإمضاء على العقود المشتركة والقوانين الأساسية فان الطلبات تواصلت تحت تأثير ارتفاع الأسعار وتزايدت الإضرابات التي كانت في اغلبها عشوائية إذ ارتفعت من 25 سنة 1970 إلى 215 سنة 1973(سنة إمضاء الاتفاقية الإطارية المشتركة) إلى 372 سنة 1976.

وفي سنة 1976 اضطرت الحكومة لإدخال تعديل على مجلة الشغل شددت بمقتضاه في شروط الإضراب الذي أصبح يتطلب الموافقة المسبقة للمركزية النقابية وإنذار بعشرة أيام.

وأمام تذمر أصحاب الأعمال من الإضرابات المفاجئة اتفقت الحكومة مع الأطراف الاجتماعية على تكوين لجان مشتركة قصد اقتراح زيادات عامة للأجور وصياغة آلية تحافظ على الطاقة الشرائية للأجراء وعلى السلم الاجتماعية مدة المخطط وفي هذا الظرف كان الحبيب عاشور يردد: “اني مستعد للإمضاء على سلم اجتماعية لخمس سنوات مقابل تحسين هام في الأجور”.

وفعلا انطلقت المفاوضات على هذا الأساس وآلت إلى اتفاق مبدئي في الزيادة بـ 33%في الأجر الأدنى وبـ 10 دنانير في الشهر لكل العمال في المؤسسات العمومية والخاصة وضبط طريقة مراجعة الأجور بصفة آلية كلما ارتفعت الأسعار من 5%واستقرت في هذا المستوى ستة أشهر متتالية.

وبعد ذلك تمت صياغة نتيجة المفاوضات في وثيقة تليت في موكب رسمي اشرف عليه الوزير الأول بحضور أعضاء الحكومة والديوان السياسي والمكاتب التنفيذية للمنظمات الثلاث يوم 19 جانفي1977، وقد نصّ البند الأول من هذه الوثيقة على أن الإطراف الاجتماعية يوقعون على ميثاق اجتماعي طيلة المخطط الخامس ويلتزمون طوال هذه القترة بالحفاظ على السلم الاجتماعية والزيادة في الإنتاج وتحسين المقدرة الشرائية وظروف العمل بالنسبة للإجراء.

وتنص بقية البنود على الزيادات التي وقع الاتفاق عليها (33%زيادة في الأجر الأدنى) كذلك على طريقة مراجعة الأجور عند ارتفاع الأسعار.

ويتمثل العنصر الجديد في هذا الميثاق في التزام المنظمة النقابية بعدم المطالبة بزيادات في الأجور طيلة المخطط غير التي يتطلبها الحفاظ على المقدرة الشرائية.

وتجدر الملاحظة هنا إلى أن جميع الاتفاقيات المشتركة وجميع القوانين الآلية حسب الاقدمية كل سنتين أو ثلاث، كما تحتوي على ما يسمى بمنحة الإنتاج يتمتع بها الأجراء في آخر كل سنة وتتراوح بين اجر شهر و3 أشهر حسب القطاعات.

ولا بد من التوضيح كذلك أن نص الميثاق الاجتماعي وقعت تلاوته في الجلسة الممتازة التي جمعت الحكومة والديوان السياسي والمكاتب التنفيذية الثلاثة وتمت عليه الموافقة بالتصفيق ودون إمضاء ودون اعتراض علني من اي كان، كما يجدر التأكيد على أن هذا الميثاق كان محل ترحيب من كل المنظمات بما فيها الاتحاد وقد رافقت شخصيا الحبيب عاشور في اليوم الموالي لإحياء ذكرى تأسيس صحبة Otto Kirstenو Irving Brownوكان الابتهاج والتأييد واضحا في خطاب الأمين العام وفي خطاب الضيوف وكانت نفس اللهجة في “جريدة الشعب” لسان الاتحاد وفي خطابات الأمين العام للاتحاد في عدة اجتماعات تلت المصادقة على الميثاق الاجتماعي.

بعد استعراض ظروف نشأة السياسة التعاقدية التي توجت بإبرام مجموعة من العقود المشتركة والقوانين الأساسية بين 1974 و1976 وبالميثاق الاجتماعي وأصحاب الأعمال، نتساءل عن الأسباب والمتسببات التي تفسر (ولا أقول تبرر) قرار الإضراب العام وتنفيذه يوم 26 جانفي 1978.

تواصل “الصباح ” نشر مداخلة تحليلية في ندوة إحياء ذكرى تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل بتاريخ 18 جانفي 2010 ألقاها السيد محمد الناصر الذي كان يشغل منصب وزير الشؤون الاجتماعية واستقال من خطته قبيل أحداث 26 جانفي 1978.

الجزء الثاني:

أسباب إضراب 26 جانفي ومسبباته

في اعتقادي أن أسباب الإضراب متعددة منها ما هو موضوعي ومنها ما هو شخصي وسأكتفي بالحديث عن بعض الأسباب التي أراها موضوعية وذلك لاجتناب الجدال الذي سيثيره حتما الحديث في كل الأسباب.

فالأسباب التي أراها موضوعية يعود بعضها إلى التناقضات الكامنة في تصميم السياسة التعاقدية وفي توزيع الأدوار بين مختلف الأطراف الفاعلية (1) ثم إلى النتائج التي حققتها السياسة التعاقدية (2)، وكذلك إلى التغيير في تركيبة الاتحاد خاصة بعد مؤتمر مارس 1977 وتنامي قوته على الساحة الوطنية (3) وأخيرا إلى مناورات استفزازية قضت على الثقة بين الأطراف وأدّت إلى المواجهة (4).

توزيع الأدوار:

يتضمن المفهوم الجديد لميثاق الرقي لا فقط البعد السياسي، بل كذلك تقاسم الأدوار بين مختلف الفاعلين أي الشركاء الاجتماعيين والدولة والحزب. وهكذا تتضح من خلال مضمون ميثاق الرقي مخاطر الانزلاق التي تحمله في طياتها، ذلك أنه بحكم الأدوار الجديدة التي حدّدها الميثاق فان الدولة كسلطة عمومية وشريك اجتماعي هي في نفس الوقت حكم وطرف: “فباعتبار مسؤولياتها على الأمن الاقتصادي والاجتماعي للأمة، فان الدولة تتحمل تماما دورها كمعدل وموجه للنظام الاقتصادي للبلاد بممارسة سلطتها قوة عمومية وسلطة تدخل كلما كان ذلك ضروريا”، كماأن لها القول الفصل باعتبارها سلطة عمومية تضطلع وحدها بإعادة توزيع ثمرات النمو“.

ومن جهة أخرى والى جانب الأطراف الاجتماعية الفاعلة هناك طرف آخر نص عليه ميثاق الرقي ومكنه من حق المراقبة والتدخل عند الاقتضاء، ألا وهو الحزب الذي اسند إليه “حق وواجب التدخل في كل ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية بما يمكنه عند الاقتضاء من الوقوف في وجه “الاتجاهات التي تقودها إلى الانحراف والى تفتيت الوحدة الوطنية“.

ويتضح مما سبق أن الأدوار متعددة وان احتمالات الاختلاف والتصادم كامنة في تصميم المشروع الذي يقيد حرية التصرف بالنسبة للاتحاد ويجعله في موقف الانقياد والقبول لما يقره ويفرضه الحزب.

ففي تنفيذ السياسة التعاقدية، يقتضي دور الدولة كشريك اجتماعي أن تتنازل عن صفتها كقوة عمومية لتتفاوض على قدم المساواة مع الاتحاد العام التونسي للشغل بصفتها مؤجر فيما يخص الأجور وظروف العمل فيالقطاع العمومي، وعندما تهم هذه المواصفات القطاع الخاص، فان الدولة تضطلع بمهمة الحكم والموفق بين ممثلي الرأس مال وممثلي الشغل، وهي مهمة تفرض الحياد، إلا أن شرط الحيادية هذا محدود بالمسؤولية الأساسية للدولة في إعادة توزيع ثمرات النمو بالتشاور مع الأطراف الاجتماعية.

وهكذا فان الأدوار التي احتفظت بها الدولة لنفسها في تطبيق السياسية التعاقدية، تشكل مصدرا محتملا لاحتجاج الأطراف الاجتماعية على عدم حيادها في إعادة توزيع المداخيل بين مختلف عوامل الإنتاج.

وفي المقابل يسند ميثاق الرقي للاتحاد العام التونسي للشغل وضعا متفوقا كممثل وحيد لمجموع العمال أي المخاطب للدولة ولمنظمات الأعراف في نفس الوقت، في حين يتصرف الاتحاد عند وضع السياسة التعاقدية لا فقط كطرف مخاطب للدولة وللأعراف بل كذلك كحليف سياسي للحكومة.

فضلا عن ذلك فإن أمينه العام هو في نفس الوقت عضو في الديوان السياسي للحزب وهو ما يعطيه وزنا تفاوضيا متميزا، وهنا تبدو الصعوبات في التوفيق بين دور الطرف ودور الحليف، وبين المسؤولية النقابية للأمين العام وصفته كعضو للديوان السياسي، والمسؤولية الاجتماعية لمجابهة كل ما يبدو له كتهديد للوحدة الوطنية أو انحراف بالنسبة لاتجاهات الحزب وسياسته.

نتائج السياسة التعاقدية:

كانت السبعينات سنوات اليسر والرخاء، كما أن تطور الاستثمار وتحرير التجارة وتشجيع الصناعات التصديرية كان لها مفعولها الايجابي على النمو، الذي بلغ معدلا قياسيا: 9،9% سنويا بين 1971 و1976، وتحسنت من جهة أخرى موارد الدولة بفعل الزيادة في أسعار بعض المواد التي نصدرها إلى السوق العالمية، النفط والفسفاط وزيت الزيتون، وقد سمحت الزيادة في الإنتاج الوطني وفي موارد الدولة بتحسين التشغيل والأجور والحماية الاجتماعية والتحويلات الاجتماعية.

فخلال الفترة 1973 1976، ارتفعت الزيادةفي مواطن الشغل بصورة ملموسة، لتصل إلى 164 ألف موطن شغل بالنسبة لفترة المخطط الرابع أي بمعدل 41 ألف موطن شغل جديد في السنة، ورغم هذه الزيادة الملموسة للتشغيل، فإن البطالة قد ازدادت لان مواطن الشغل الجديدة لم تصل إلى امتصاص المطالب الإضافية.

خلال نفس الفترة، (1973 – 1976) تضاعفت نسبة الأجور، وقد ارتفع معدل الأجر في المؤسسات العمومية بين 1973 و1976 بنسبة 60 %، وفي القطاع الخاص ارتفع الأجر الصناعي الأدنى المضمون بنسبة 130 % بين 1970 و1977، بينما لم يرتفع مؤشر الأسعار إلا بنسبة 36 % خلال نفس الفترة، وهو ما بين التحسن الملموس للمقدرة الشرائية خلال نفس الفترة بنسبة 120%.

ومع ذلك فان هذه الزيادة الهامة للأجور لم تخفف من المطالب في هذا الميدان، إذ أن المستفيدين من الزيادات هم أساس أصحاب الأجر الصناعي الأدنى المضمون وهم لا يمثلون إلا 20% من الأجراء، في حين أن الزيادةفي الأجور الدنيا قد تسببت في تقليص “هرم الأجور” على حساب العملة المختصين والإطارات الوسطى والعليا.

هذا التفاوت في توزيع المداخيل، قد تسبب في شعور بالحرمان لدى شرائح من الأجراء، تجلى من خلال توتر اجتماعي مستمر، إضرابات ومطالب متجددة للزيادة في الأجور رغم التحسينات التي تمت سواء عبر الزيادة المتكررة أو بمناسبة تطبيق الاتفاقيات المشتركة والقوانين الأساسية الجديدة.

بالإضافة إلى زيادات الأجور، فان الإجراء استفادوا من مختلف الامتيازات الاجتماعية العديدة الأخرى، وهكذا فان المنح العائلية قد ازدادت بفضل سحب منحة الأجر الوحيد على الإجراء في القطاع الخاص والتي كانت تسند فقط إلى موظفي الدولة كما تم إنشاء نظام التقاعد والعجز بالنسبة للعاملين في القطاع غير الفلاحي، مع ضمان حد أدنى من جرايات التقاعد يساوي ثلثي الأجر الصناعي المضمون.

ومن الإجراءات التي تمت في نطاق سياسة التعاقد لفائدة الأجراء نذكر إحداث صندوق خاص للنهوض بالسكن الاجتماعي، يساهم فيه الأعراف بنسبة 2% من الأجور وهو مخصص لبناء المساكن الاجتماعية وتمكين الأجراء من التملك بشروط مواتية، ومن جهة أخرى انطلق برنامج بناء المساكن الاجتماعية التي يموّلها صندوق الضمان الاجتماعي لتوفير مساكن بكراء منخفض للأجراء.

ولحماية المقدرة الشرائية لأصحاب المداخيل الضعيفة فان الحكومة دعمت أسعار الموارد الأساسية ذات الاستهلاك الواسع (الحبوب ومشتقاتها، الزيت، اللحم، السكر، القهوة، والنقل العمومي) بفضل صندوق التعويض الذي تموّله خزينة الدولة وإضافة لذلك، فان الدولة كثفت جهودها في ميدان التربية والصحة العمومية بمضاعفة ميزانية نشاط الوزارتين المعنيتين بين 1972 و1977 بينما تضاعفت ميزانية التجهيز لهاتين الوزارتين أربع مرات خلال نفس الفترة.

كما خصصت الدولة موارد هامة لتحسين ظروف العيش لسكان الأرياف في إطار برنامج التنمية الريفية، وقد تم سنة 1977 بعث برنامج خاص للنهوض بذوي المداخيل الضعيفة وهو برنامج العائلة المنتجة، وكانت نتيجة مختلف هذه الإجراءات التخفيض في نسبة الفقر في البلاد بصفة ملموسة. ويتضح ذلك من خلال تطور إنفاق العائلات حيث أن عدد الأشخاص الذين تقل نفقاتهم عن 50 دينارا في السنة انتقل من 27% سنة 1966 إلى 16% سنة 1975.

ورغم هذه التحسينات وهذه البرامج الاجتماعية، فان الآمال التي بعثها التغيير سنة 1970، لم تقع تلبيتها سواء منها آمال الأجراء في توزيع عادل لثمرات النمو أو آمال الشباب في الحصول على شغل أو آمال النخبة في التمتع بالحريات الأساسية.

وقد تسببت خيبة الأمل هذه في هيجان مستمر في الجامعة سواء في صفوف الطلبة أو لدى الأساتذة.

   يتبع….

محمد الناصر

المصدر: الصباح، 26-27 جانفي 2017.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق