رأي

عن صناعة الأقليّات والعقل الطائفيّ

 

 

في الأيام الأولى للثورة المصرية (لم تنتهِ بعد) كانت مجموعات من الشباب ترفع لافتاتٍ تعلن رفضها الانصياع لأوامر الكنيسة القبطيّة بعدم التظاهر في ميدان التحرير، وتؤكد المشاركة في ما لم تكن تراه مؤسسات “الدولة” ثورة (ولا تزال في قطاعات كبيرة منها) بل فوضى.

كانت تلك شواهد مهمة للبنية النقديّة الديناميكيّة التي أحدثتها الثورة في مواجهة المؤسسات داخل بنية “الدولة الحديثة”، وما أنتجته الأخيرة من بنىً وجماعات هيراركية، سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة – وفكريّة، تضمن لها الديمومة والقدرة على المناورة السياسيّة والخطابيّة.

“الطائفيّة” في سياق الدولة الوطنيّة الحديثة مفهوم متغير الدلالة والفعاليّة والتاريخيّة، وهو كذلك مختلفٌ عن سيرورة الطائفة والأقليّة إبّان عهد الإمبراطوريّة العثمانية، كما لم تكتسب الطائفية معاييرها السلبيّة إلا في القرن الرابع الهجريّ/ العاشر الميلاديّ، مع تضعضع سلطة الخليفة العباسي في بغداد، وبالتالي، يجب أن لا يؤخذ تناول الطائفية، فكرةً وسيرورةً، اعتباطيًّا، وبالطبع ليس عاطفيًّا، أو انفعاليًّا.

على مراحل تاريخ الدولة المصريّة الحديثة، بداية من جمال عبد الناصر، كانت “الطائفيّة” إحدى أهم المفاتيح الخاصة بمؤسسة الدولة الحديثة و/ أو الوطنيّة والسلطة لإدارة شؤون الأقليات وشؤون الدولة معًا، عبر ما سماها الراحل عبد الوهاب المسيري “الجماعات الوظيفيّة”، وهي علاقة تبادل مصالح بين الأقليّة و/ أو الطائفة داخل المجتمع وبين مؤسسة الدولة (السلطة)، بما يضمن تدفق مصالح معيّنة اقتصادية، اجتماعيّة وسياسيّة لأقليّة/ طائفةٍ ما، وتبادل تلك المصالح مع الدولة، والحفاظ على سلطتها في المقابل. أي أن تلك العلاقة التبادليّة تنتج فكرًا طائفيًّا وممأسسًا يحافظ على موضعة الأقلية/ الطائفة في موقعٍ معيّن في سلم السياسات والحقوق والمحاصصة، في مقابل ولاء تلك الطائفة/ الأقليّة، من خلال مؤسساتها، لسلطة الدولة.

من هنا، باتت الطائفيّة، بمعناها المحاصص والسياسي، المرتبط بالدولة الوطنيّة الحديثة،والعصبيّات التي أفرزتها، مختلفةً عن تاريخانيّة الأقليات بوصفها جماعة مجتمعيّة. ولعل أوضاع طوائف مختلفة في مجتمعاتنا العربية تشي بهذا التواطؤ والقمع معًا، الشيشان والشركس في الأردن، والمسيحيون الأقباط في مصر، والدروز في لبنان، وغيرهم. وهنا تغدو عبارات مثل “الوحدة الوطنيّة” و”الشعب الواحد” تشي بكم الانفصال والطائفيّة والأقلياتيّة التي تستحيلُ معها “الوحدة” و”الوطنيّة”.

من خلال هذا المنظور، يمكننا تفكيك آليات السلطة وخطابها بشأن الأقليّات والطوائف واستخدامها لصالحها من خلال أزماتٍ معيّنة في مقابلٍ معيّن، وذلك بالانفصال عن الدولة والأمة والشعب، أي عن واقعه، وهو ما لا يمكن من دون تبعات وأثمان. وبالتالي، تمثل الطائفيّة، هنا، كتعبير وآليّة خطاب، امتدادًا وتواصلًا تاريخيًا وحدودًا اجتماعيّة لأقليّةٍ ما، وعلاقات مصالح وخصومة مع جماعات أخرى. ما يخلق تصورًا عن كيان له أسطورة منشأ أعلى من سرديّة الجماعة العضويّة الوطنيّة ككل، وهي سرديّة تتراوح بين صوغ مشاعر الغبن ومشاعر الافتخار والكبرياء، من دون أساس موضوعي لفهم ذاتها ومحيطها في الحاضر.

فمن منّا ينسى تفجير كنسية القديسين في مصر، وكيف تبيَّن بالوثائق أن وزير داخليّة حسني مبارك، حبيب العادلي، هو من خطط له. أحداث كهذه تُستغلّ للتأكيد على العلاقة المنفعيّة بين “الجماعة الوظيفية” والدولة، وفكرة إيجاد “عدو” يمكن، من خلاله، تبرير الحاجة إلى “مخلّص” يتمثل في السلطة. حينها تتعالى نداءاتٌ تهلل للدولة، وتبرّر مزيداً من الإجراءات القمعيّة، في مقابل الحمايّة بنداً من بنود التعاقد مع “الجماعة الوظيفيّة”.
ليس تفجير الكنيسة البطرسيّة، الأحد (9/12/2016)، خروجًا عن النهج وصناعة الطائفيّة، في الخطاب والفعل. ولكن، هنا وقفة مختلفة في التعامل الثقافي مع الحدث، فالقول إن هذا التفجير لا يستهدف الوطن، والمقصود منه تحديدًا هم الأقباط أو المكوِّن القبطي في المجتمع، بحجة أن التفجير ليس إلا مرحلة متأخرة من متتالية عنفٍ موجهة إلى الأقباط، تبدأ من العادات والتقاليد، كذلك المناهج الأزهريّة وخطابها، وشهوة التكفير المتصاعدة، وصولاً إلى الدعاء على “اليهود والنصارى” في المساجد، وأخيرًا وليس آخرًا، مقولة “الحمد لله أننا مسلمون”، كل هذا المنطق ينبني على منطقيِّنِ اثنين:

بدايةً، فصل الأقليّة و/أو الطائفة عن الزمان/التاريخ والمكان/الجغرافيا الوطنييّن، هويّة مختلفة ومتعاليّة، و/أو متدنية عن الهويّة الوطنيّة للجماعة العضويّة المصريّة، ما يجعلها في موقع

“اللازمنيّة التاريخيّة”، وهو أعلى ما يمكن أن يصل إليه الخطاب الطائفي من الناحيتيّن: الأولى من المنادين بفصل الجماعة/ الأقليّة/ الطائفة عن محيطها، باعتبار أن لها سرديّة مختلفة ومتباينة عن سردية الوطن. وفي بعض الأحيان، تستحوذ هي على فكرة الوطن (ولا يختلف هذا الاستحواذ عن القول إن دين الدولة الإسلام، مثلًا)، والثانيّة من يقول بغربة تلك الجماعة عن المجتمع، وإنّها الفرع والزائد، وبالتالي، فإيقاع عنفٍ ما عليها لن يضرّ بالجسد العام للوطن والجماعة الأغلبيّة فيه (وحتى استبطان خطاب الأقليّة والأكثريّة بهذا الشكل، غير أخلاقي)، وكأن طبيعة الأمور هي سطوة الأغلبية، واستحواذها على حق تقرير المصير، وآليات إنتاج المعنى.

ثم فصل نماذج العنف المجتمعي تلك وخطابها عن كثيرين من ضحاياها، فيغدو حينها ضحيّة “شهوة التكفير المتصاعدة” الوحيدة هو القبطي مثلًا، وهذا عدا عن أنه محض خيال، إلا أنه يساعد على إنتاج ضحيّةٍ استحوذت دور الضحيّة، في حين أن المتابع أنشطة التكفير وشهواته، يمكنه، من دون عميق تأمّل رؤية أن التكفير فعل لا ديني في ذاته، لا يفرّق بين مسلم ومسيحي، وضحايا التكفير في مصر أغلبهم/ن مسلمون/مسلمات.
ولنقس على ذلك نماذج العنف الأخرى المختلفة، فعادات وتقاليد كثيرة تُمارس عنفًا سلوكيًا أو خطابيًا تجاه أي “آخر”، ومنه القبطي، إنما سرعان ما تتحوّل إلى عنفٍ موجهٍ إلى المختلف عمومًا، ولو كان مسلمًا، لأنها ببساطة واحدةٌ من عديد آليّات “تعريف الذات بالسلب”، أي أنني أُكفِّر فلانًا، لأنني مختلفٌ معه، والتكفير آلية تصنيف بالنهاية، وحتى مقولة “الحمد لله أننا مسلمون” تصنيفيّة ذاتيّة، قبل أن تكون للآخر، وإلا عن أي إسلامٍ يتحدث هؤلاء؟ من دون الحاجة لحصر ضحيّة تلك الصلاة في طائفةٍ ما بعينها، ببساطة لأنه لا دين للطائفيّة.

يتحجج هذا القول بفكرة أن السلطة تعمل على إخراس الضحيّة المباشرة: الأقباط، وهذا لا خلاف عليه، لأن إنطاق الضحية يستتبعه إدانة للجاني. لكن، أن يتم باسم إنطاق الضحية، اصطفاء لمفهوم الضحيّة، ضمن ديناميّة طائفية تجترّ نفسها، وتعيد إنتاج خطاب وأدوات العنف التصنيفي الطائفي، باسم مواجهة فعلٍ طائفي، فهذا لا يختلف، في عنفه، عن تصنيف ضحايا العنف، بحسب آلية التصنيف نفسها التي استخدمها الجاني.

الأنظمة العربيّة تُخرس الخصوصيّات، والقلق العام يخرس الاختلافات. ولكن، ماذا فعل بنا القول إن ضحايا التفجير هم فقط ضحايا التفجير من الأقباط، حصرًا؟ ألا يجعل هذا الفصل من الاختلافات والخصوصيات أنظمة فصلٍ لا حوار ولا مشارَكة؟ أليس هذا هو نفسه المنطق الذي يبرّر القول إننا لسنا هؤلاء. وبالتالي، نحن لا مشترك بيننا، حتى في مصائبنا التي لا تفرّق بيننا، بقدر ما نفعل نحن، حتى ولو كان الوطن؟ أوليس هذا هو منطق من فجر نفسه فيهم، أن صنفهم على غير ما هو ذاته عليه؟ ليسوا بشرًا، ليسوا من هذا الوطن؟!

فكما لا يمكننا القول إن ضحيّة التحرّش أو الاغتصاب هي فقط الأنثى، لأن ذلك هو المنطق نفسه للمتحرش والمغتصب، حين يقول، في ذاته، لم أؤذِ أحدًا غير هذه الأنثى، وبالتالي، بحسب هذا المنطق، يكفي أن تُزوَّج الضحيّة من مغتصبها(!). لا يمكننا أن نقول إننا لسنا ضحايا تفجير كنيسة القديسين وتدمير آثار تدمر والتحرّش والاغتصاب على السواء، وانتهى.

عبد الله البياري 

المصدر: العربي الجديد 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق