تحاليل

أي مُستقبل لتنظيم “داعش” الإرهابي في إفريقيا في أفق 2017؟

 

علي عبداللطيف اللافي

 

بعد تراجع نفوذه في العراق وسوريا و إعلان انهاء وجوده في مدينة سرت الليبية منذ أسابيع،  من المنتظر أن يبحث تنظيم داعش الإرهابي بل و القوى الداعمة له علنا أو من وراء الستار، عن مساحات أخرى لينتقل اليها، أي أنه  من الثابت أن يبحث عن مناطق بديلة لإعادة هيكلة بنيته واستعادة نفوذه، سوى عبر إقامة دويلات جهادية جديدة مستغلا وموظفا لواقع تحول العديد من دول المنطقة إلى دول فاشلة فاقدة للسيطرة على أجزاء من أراضيها…

ولكن السؤال الرئيسي ضمن المسارات المحتملة لداعش كتنظيم إرهابي، ما هو مستقبل تواجده التنظيمي والميداني في دول القارة الافريقية والتي كانت على الدوام محور صراع ونفوذ بين الدول الكبرى والقوى المتصارعة خلال العقود الماضية؟

1- تمهيد منهجي:

للإجابة على السؤال المطروح أعلاه في مقال الحال، اعتمدنا المقاربة والمنهجية التالية:

أ- قمنا بعرض الأفكار الواردة في دراسة الدكتور محمد مختار قنديل المنشورة تحت عنوان “محطات بديلة:المسارات المحتملة لاستعادة نفوذ “داعش” في الشرق الأوسط” والمنشورة في الموقع الالكتروني لــ”مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة” ، وهو مقال منشور بتاريخ  05 جانفي 2017، ( العرض يخص الفقرات: 2- 3- 4 من مقال الحال)، كما أشرنا بطيعة الحال إلى ذلك في هوامش المقال سواء عندما قمنا بعرض بعض أفكار الباحث أو عند التصرف في نصها… [1]

تحليل الخصوصية الافريقية المرتبطة بمختلف تلك المسارات ( الفقرة 2 ) وتقديم المدعمات من واقع الدول الافريقية السياسي والاجتماعي ( الفقرة3 )، أو في قراءة ما هو ممكن افريقيا اتباعا للمسارات المحتملة والمحددة نظريا في مقال الدكتور محمد المختار قنديل[2]، حيث قمنا فعليا بإعادة عرض تصور الدكتور، وقمنا بالتوازي بتحليل كل حالة من حالات الدول الافريقية  باعتبار أن مقاله ارتكز على الدول الشرق الأوسطية ( وبعضها افريقي بطبيعة الحال)…

ب- أطنبنا في تحليل مستقبل التنظيم في دول الشمال افريقية، وخاصة مصر والجزائر ومصر وتونس، باعتبار أننا نرى أنها دول مستهدفة ( تونس – الجزائر)، أو لطبيعة هشاشة الوضع السياسي ومستبل الأوضاع الاقتصادية فيها (مصر – ليبيا) …

ت- عدم التعرض لدول افريقية لا يعني أن التنظيم لن يستهدفها وانما ترجيحا منا أنها ستكون بمنأى عن ذلك سنة 2017 ( السودان مثالا لا حصرا ) أو لأن الأوضاع السياسية فيها مستقرة ( المغرب) أو مطمئنة ( موريتانيا) ، على أن نتعرض لذلك في مقالات ودراسات لاحقة )

ج- أما في الفقرة الخامسة والأخيرة فقد قمنا باستقراء مستقبل التنظيم الإرهابي في آفاق سنة 2017 عبر تشخيص واقع التنظيم وأحلام قياداته المركزية والمنتمين اليه ورؤيتهم للمركز وفكرة الإقليم القاعدة والأطراف بالاعتماد على ما نشر من أخابر في وكالات الأنباء وبعض المواقع الالكترونية التي تحضى بالمصداقية الخبرية ( الفقرة 5)، وهنا اعتمدنا المنهجية التالية:

  • داعش: التعريف والبنية
  • رؤية التنظيم للقارة السمراء
  • مستقبل التنظيم في افريقيا في أفق 2017

2- المسارات المحتملة في أفق 2017 :

بينت التطورات الأخيرة في سوريا والعراق وليبيا أن التنظيم الإرهابي الذي شغل كل العالم وأربك حسابات الدول و المنظمات الدولية والإقليمية، مضطر عمليا للبحث عن مناطق بديلة لاستعادة نفوذه، وهو واقعيا أمام ثلاثة مسارات رئيسية متوقعة لأغلب المتابعين:

أ- المفاضلة بين دول تضم ولايات تابعة له[3] ومن بينها طبعا افتكاك معاقل القاعدة أو الصراع معها في عدد من تلك المعاقل، وهنا ستكون دول مثل تونس وليبيا والجزائر ومصر ونيجيريا والنيجر مقاصد رئيسية للتنظيم الإرهابي والقصد هنا نية الاختيار وليس بالضرورة القدرة على تحقيق ذلك ميدانيا …

ب- البحث عن مناطق جديدة لم يتوجه إليها من قبل، تتوفر فيها عمليا المقومات المساعِدة لاستعادة نفوذه من جديد[4]، وهنا ستكون من الناحية النظرية أكثر من ثلث دول القارة (حوالي 18 من أصل 52 دولة)، هدفا رئيسيا للتنظيم، وسيكون دعم قوى دولية للتنظيم  محددا رئيسيا في اختيار بعض الدول الافريقية ليتجه اليها التنظيم،  ذلك أن تحقيق مرامي تلك القوى وخياراتها  الاستراتيجية سياسيا واقتصاديا وثقافيا من أسباب تجعلها تدعم توطين التنظيمات الإرهابية في افريقيا  ….

ت- البقاء في العراق وسوريا ولكن في الأطراف تحديدا[5] على أن تكون الدول الافريقية أهداف له في السنوات القادمة ومرحليا في استقطاب جهادييها للنفير لمناطقه الحالية عبر توفير مسالك تسفير منها واليها ….

3- المُعطيات المحددة لاختيارات داعش:

يُمكن التأكيد أن هناك ثلاثة معطيات رئيسية في تحديد الدولة التي سيفضلها التنظيم  الإرهابي لتكون محل تواجد قيادته المركزية، والمعلوم أن تنظيم داعش خليط بين اختراق مخابراتي من دول عديدة إضافة الى فكر وخيارات وطبيعة تكوين قياداته ضمن مساراتها التاريخية وطبيعة مآلات تنظيم القاعدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ونتاج الحرب في العراق سنة  2003 وما أعقبها من أحداث ومواجهات، والمعطيات المحددة عمليا هي:

أ- المعطى الأول: وهو المُعطى المتعلق بضرورة وجود قضية كبرى يسوِّق التنظيم بها لنفسه كما فعل في العراق وسوريا وليبيا، كالاحتلال الأجنبي[6] أو ديكتاتورية النظام السياسي القائم أو غياب قوة الدولة أو تحولها لأرض رخوة استخباراتيا، وهو معطى متوفر لدى العديد من الدول الافريقية بناء على وضعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي….

ب- المعطى الثاني: ويرتبط عمليا بوجود طبيعة جغرافية تُوفر غطاء لتواجد التنظيم وعملياته، كأن تكون الدولة واسعة المساحة، ذات حدود ممتدة يصعب حصارها، واحتواؤها على جبال أو غابات تساعد في التمركز ومواجهة القوات في حال مواجهتها، وكفاية مواردها الغذائية والمائية في حالات الحصار[7]، وهو ما يتوفر عمليا في حوالي 15 دولة افريقية ….

ت- المعطى الثالث: وهو المعطى الذي يتصل عمليا بسكان الدول المختارة، حيث سيفضل التنظيم الدول ذات العدد الكبير من السكان، بحيث يصعب ضبط حركته[8]، وهو أيضا ما ينطبق على حوالي 9 دول افريقية في شمال القارة والقرن الافريقي….

4- مستقبل داعش في إفريقيا حسب المسارات الثلاث المحتملة : 

أ- حالة التوجه نحو دول الفروع:

تتعدد الولايات الفاعلة التابعة لتنظيم “داعش” في الدول الإفريقية،  على غرار نيجيريا و مصر و ليبيا والقرن الافريقي، وعليه تتوسع دائرة الاحتمالات حول الدول التي من المحتمل أن يتوجه إليها التنظيم لإعادة ترتيب أوراقه، وهي على النحو التالي:

  • نيجيريا:  رغم أن تنظيم داعش يختار قيادات تنظيم “بوكو حرام” في نيجيريا ورغم أن القيادة المركزية لتنظيم “داعش” تُغطي وبصفة الأولوية، أنشطة التنظيم الإرهابي “بوكو حرام” هُناك، فإن الخسائر العديدة وخاصة في شهر ديسمبر الماضي فعمليا سحق الجيش النيجيري أتباع “بوكو حرام” في غابة “سامبيسا” ( في شمال شرق البلاد)، وهي الخسائر التي ستكون عاملا رئيسيا في الحد من فرص اختيار “داعش” نيجيريا بديلا محتملا ولكن ليس مستحيلا كفرضية تبقى الأرجح لو انتقل الى قلب القارة…
  • مصر: من الناحية العملية ، توجد عوامل و”صعوبات” عديدة تُلغي فرضية انتقال تنظيم “داعش” إلى مصر كدولة مركزية في إفريقيا:

1- تواجد فرع التنظيم في مصر جاء نتيجة تهديدات تنظيم “القاعدة” لجماعة “أنصار بيت المقدس” بقطع التمويل عنها، ومن ثم أعلنت الجماعة مبايعتها لتنظيم “داعش”، وليس من أجل الإيمان بالتنظيم وظهرت على إثره باسم “ولاية سيناء”….

2- ضعف انتشار التنظيم في مصر مع الهزائم المتكررة التي يتلقاها من قبل الجيش المصري….

3- طريقة تنفيذ عملياته تتم عبر اعتماده على أسلحة بدائية لا تمكنه عمليا من تهيئة الأرضية ….

4- غياب المعطيات السياسية الكافية، رغم الطابع الديكتاتوري لنظام عبدالفتاح السيسي والذي أمعن في خنق الحريات والاعلام ….

و كل هذه الأسباب لا تُؤهل التنظيم لأن يختار مصر كواجهة لإعادة التمركز أو نقل قيادته المركزية….

ولا شك في أن قيادة تنظيم داعش ومن يقف وراءها،  ترى أن أهمية الاختراق الذي تحلم بتحقيقه مصريا، خاصة على مستوى السيطرة وتأمين الامكانات وهو حلم يراود مهووس مثل البغدادي ، وذلك الحلم المستحيل تحقيقه طبعا هو “السيطرة على قناة السويس الاستراتيجية ومنطقة سيناء التي تعد الأكثر حيوية في التبادل التجاري، والتي تعتبر بوابة البحر الاحمر على المتوسط وهي منطقة عبور مهمة جدا والسيطرة عليها تعني التحكم في مسار التجارة العالمية في هذه النقطة الحيوية بامتياز”[9]، والتي عادة ما تُوسم بأنها قلب العالم…

وفي رأينا، يبقى اختيار مصر صعبا وتحقيق التنظيم لأحلامه الوهمية فيها مستحيلا في ظل الأوضاع الجيو-سياسية حاليا وخاصة في أفق سنة 2017…

ولكن الاستحالة مرتبطة خلال السنوات القادمة بالوضع الدولي و بخيارات ترامب تجاه مصر وتجاه العالم العربي، و أيضا بمدى قُدرة النظام الحالي في عدم المواصلة في سياساته الخرقاء سياسيا وثقافيا وفي تهميشه لقضية العرب الأولى والتخلي عن التدخل في الشؤون الليبية ودعم طرف دون آخر، لأن الدفع نحو اعلان مصر دولة فاشلة يحولها موضوعيا إلى لقمة سائغة للتنظيمات الإرهابية والعنف الدموي والحرب الأهلية ….

  • ليبياخسر التنظيم “سرت” بعد أن خطط لتكون ليبيا وسرت بالذات، قاعدته الرئيسية في منطقة شمال إفريقيا مستغلا الحرب بالوكالة بين الفرقاء الليبيين، وبرغم توافر المعطيات الجغرافية والسكانية والسياسية المناسبة لانتقال التنظيم إلى ليبيا[10]، فإن الخسائر التي تكبَدها التنظيم هناك لم ولن تكن في صالحه، و يُمكن الجزم بتبخَر أحلامه رغم عمل بعض الأطراف الخارجية والداخلية على محاولة توطينه في الجنوب الليبي وأيضا توطينه من جديد بمُدن الجهة الغربية على غرار “رقدالين” و “صبراطة”، ويجدر هنا التذكير أن تنظيم داعش ليبيا لم يترأسه أبدا أي ليبي فمن أمير بحريني الى التونسي “أحمد الرويسي” والذي ترأس “تنظيم شباب التوحيد” الذي مثل ذراعا لداعش في ليبيا، الى أمير عراقي ثم أمير سعودي ثم حاليا منذ 28 سبتمبر الماضي لشخص يسمى بــ”أبي جلال الدين التونسي”…
  • الجزائر: هي أول الدول المستهدفة من نقل التنظيم الى القارة الافريقية ولشمالها بالذات لان كل الاستراتيجيات المستقبلية تبنى على ضوئها، وعمليا لا توجد امارة داعشية قائمة رغم تداخل الخلايا الداعشية مع خلايا القاعدة سواء التي تصدى لها الجزائريون أو التي تحاول أن تتسرب من الحدود …

و عمليا الجزائر بلد مُحصن حاليا، و ذلك التحصين هُو نتاج طبيعي لسياسية الوفاق الوطني ونتاج الاستفادة من دروس حقبة التسعينات، وأيضا نتاج قوة المؤسسة العسكرية وبالتالي وقع التصدي الناجح  لكل محاولات داعش في الدخول للتراب الجزائري، بل وتم التخلص من خلايا عديدة حاولت الاستفادة من الوضع في المثل الحدودي بين تونس ولسبيا والجزائر، وسيبقى مستقبل التنظيم منعدما خاصة اذا ما نجت الانتخابات التشريعية وتم نقل السلطة بسلاسة اثناء الانتخابات الرئاسية القادمة، بينما ستكون سنة 2017 حاسمة في معركة الجزائر مع الإرهاب والإرهابيين  ….

  • القرن الافريقي: تواجد التنظيم في القرن الافريقي هو خيار قائم على تخطيطه للتواجد في اليمن واذا تواجد هناك فسيمتد تواجده بسهولة في القرن الافريقي، ولكن الطبيعة القبلية في اليمن تحد من احتمالات انتقال التنظيم إليه ومن ثم للقرن الافريقي خاصة وأن تنظيم “داعش” اعتمد على عناصر غير يمنية في قيادة المجموعات التابعة له هناك، إلى جانب اشتباكاته مع المدنيين….

ب- حالة سعي التنظيم نحو خلق مناطق جديدة: 

يضم التنظيم في داخله مقاتلين أجانب من دول إفريقية مختلفة  من بينها  تونس وموريتانيا والسودان، على أن كل التقارير تؤكد تضخم عدد التونسيين مُقارنة ببقية الدول وخاصة الافريقية منها، وهو ما يعني أن  تونس ستكون بالنسبة لمخططات التنظيم هي المحطة القادمة له، ورغم أن تجربة الانتقال الديمقراطي او ما يعرف بالاستثناء التونسي، ستكون احد عوامل عدم قدرة التنظيم على تجسيد حلمه بوضع قدميه في البلد نتاج عوامل أخرى إضافية منها حرص دول مجاورة وشقيقة لتونس على غرار الجزائر ودول أوروبية كفرنسا وبريطانيا وألمانيا،  بل أن المعطيات السياسية الداعمة غائبة بشكل شُبه كلَي فلا تُوجد عمليا أي قضية كبرى يمكن للتنظيم الاعتماد عليها في الترويج له وخلق بيئة لاحتضانه من قبل الشعب التونسي كما لا يمكن للتنظيم نقل إمكانياته إلى داخل تونس نتاج عاملي الوحدة الوطنية والقدرات العالية للمؤسستين الأمنية والعسكرية…

أما في بقية الدول الافريقية فيبقى تواجد التنظيم واردا ولكنه مستبعد في أفق 2017 نتاج اليقظة الاستراتيجية للجزائريين والذين بقوا مُتوجسين من تواجد قوى اجنبية في المنطقة أو من حدوث توتَرات في كل البلدان الافريقية فالجزائر هي الدولة الوحيدة  عمليا التي تخصص وزارة خاصة بالشؤون المغاربية والافريقية وهو ما يعني أنها تعتبر أن كل مسَ بالدول الافريقية وخاصة المغاربية منها مسَا بأمنها القومي و هي الدولة الافريقية التي تقيم علاقات بكل الفاعلين في الدول الافريقية والخاصة المتاخمة لحدودها…

ت- حالة بقاء التنظيم في موضعه بالأطراف:

الرمزية التاريخية لكل من العراق وسوريا في فكرة إقامة الخلافة الإسلامية ساعدت التنظيم في الترويج لفكره وقناعاته خصوصا أنه وظف قمع الإسلاميين بمختلف تنظيماتهم في البلدان العربية من طرف أنظمة قمعية خلال العقود الماضية، وقد كسب عمليا آلافا من المتعاطفين ممَن لهم فهم خاص للنص والتراث والتاريخ واستفادة من غياب سياسات ثقافية عربية تُجيب على الأسئلة الفلسفية والنفسية للشباب العربي، كما كسب التنظيم الأراضي عبر ترويجه لمقولات عن الحدود وفهم مغلوط لمقولات الخلافة والأمة والتوحيد والدين، و بالتالي يجب التأكيد أن خروجه من العراق وسوريا سيفقده عمليا، الأساس الذي قام عليه بل وسيتعرض لعمليات تمرد داخلية قائمة بطبيعتها حاليا ولكنها جانبية، وبالتالي سيفقد مشروعيته وشرعيته ودعم من وظفه لأهداف هناك ليبحث له عن مُسوغات أخرى لتحقيق أهدافه كداعم خفي باحثا في نفس الوقت للتنظيم عن مسوغات أخرى فكرية وسياسية في الأماكن الجديدة، ولكنه عمليا سيصبح  تنظيمًا جهاديًّا متطرفًا كغيره من التنظيمات الصغيرة ومقطعة الأوصال وهو ما حدث عمليا لتنظيم القاعدة في افريقيا بل وقد يكون التناحر بينهما أحد أهداف قوى دولية ومخابراتية لتحقيق مراميها في القارة السمراء….

عمليا يعرف القياديون والدمويون بطبيعتهم، في داعش أن “البقاء في سوريا والعراق ولو الانسحاب للأطراف أهم وأنسب بكثير ولو بالاعتماد على المعارك في المناطق الريفية  بنية العودة مرة أخرى و إعادة ترتيب أوراقه”[11] في الأشهر والسنوات القادمة، ولا يمكن اغفال  صعوبة قيام تنظيم بحجم “داعش” بنقل إمكانياته من دولة لأخرى في ظل استراتيجيات الدول وتسلحها وبناء استراتيجياتها للأمن القومي….

ويُمكن التأكيد والجزم أن التنظيم الإرهابي لن ينقل على الأرجح قيادته المركزية خارج حدود سوريا والعراق نتاج عوامل تاريخية وفكرية ونتاج عدم نهاية الاجندات التي تقف وراء دعمه وصناعته ونتاج البعد التاريخي لسوريا والعراق  ولكن من الوارد أن يوفد التنظيم العديد من عناصره إلى الدول الافريقية وخاصة الشمالية منها، لتأسيس دويلات جهادية أو بالأحرى ولايات تابعة للتنظيم أو تنظيمات صغرى تتصارع مع القاعدة أو ترثُها في البلدان الافريقية وخاصة في القرن الافريقي لتحقيق مرام مستقبلية لقيادة التنظيم أو من يقفون وراءه ويدعمونها لوجستيا ومستقبليا …..

5- أي مستقبل لتنظيم داعش في افريقيا في أفق 2017؟

أ- داعش من حيث التعريف والبنية: 

لا شك أن تنظيم “داعش”، ليس مجرد مقاتلين يسيطرون على الأرض والمناطق في دول تعيش وضع معقد لوجستيا و سياسيا وأمنيا، بل هو تنظيم يتشابك فيه الفكري بالسياسي وبالدعم الخفي لعدد من الدول عبر مسارات صيغت منذ سنوات، فبعض دُول تُسيطر على مفاصل التنظيم العليا عبر دعم مادي ولوجستي مُعقد وتتشابك فيه دول وتنظيمات وقبائل، بينما الموارد المالية التي يجنيها التنظيم تُحدد معالم علاقاته مع أطراف ودول تُوفر له الأسواق لبيع المشتقات النفطية و مصادر الطاقة التي يُنتجها،  وتلك الموارد تمد عمليا في عمره التنظيمي وقُدراته على كل المستويات، بل وتُساهم في تفعيل نشاطاته الإرهابية  فضلا عن امدادات عسكرية ومالية تتوافد على التنظيم من دول مُتعددة، و هي إمدادات ظهرت و تظهر بشكل علني عبر الطائرات التي تسقط دعما وعتادا من الجو في أكثر من منطقة وفي أكثر من بلد يخضع لسيطرة التنظيم وهذا ما تحدثت عنه قيادات في الجيش العراقي والحشد الشعبي مرارا عديدة في السنوات الماضية…

ب- رؤية التنظيم الإرهابي للقارة السمراء:

ذلك هو تنظيم داعش تعريفا وتفكيكا لبنيته الفكرية والتنظيمية والمالية، أما لكي نعرف مستقبله كتنظيم وخاصة في افريقيا، فلابد من التأكيد أولا أن مناطق انتشاره ونشاطاته تشير الى ان حركته ونشاطه ليس عبثيا، خاصة وأن عقله السياسي يستهدف مناطق ذات خصوصية وفاعلية كبيرة وهو ما سيفعله بالتأكيد لو توجه الى أفريقيا، ذلك أن هناك حديث في عدد من التقارير الدولية أن التنظيم يسعى لتعميم هذه التجربة في بلدان القارة الإفريقية وخاصة بلدان شمال افريقيا بل هو فعَل  نشاطه وحراكه في الأشهر الماضية للتحسيس والاختبار،  وطبعا ذلك الحراك له مؤشرات حساسة ومهمة حول مسار نشاط التنظيم وتوسيع انتشاره افريقيا ….

و لا اختلاف في أن التنظيم وضع ويضع شمال افريقيا نصب عينيه في مخططاته الجديدة بل وسيخرج الى العلن مع تزايد تحركاته، حيث تعددت مثلا في تونس أنشطته عبر التجنيد الالكتروني وأفتكاك كوتة عددية  من المتواجدين في الجبال عبر تأسيس تنظيم “أجناد الخلافة” أو بعث تنظيمات صغيرة أخرى على غرار “كتيبة الفرقان” أو “جيش العسرة” إضافة للذئاب المنفردة وعددا من الانغماسيين …

وإن ضعُف التنظيم لوجستيا في سوريا والعراق وليبيا فان الطموح في السيطرة على بعض دول من القارة السوداء وخاصة في شمالها، ولا شك أن العقل القيادي في “داعش” يُفكر بمنطق أنه  ستُتاح له إمكانية تحقيق اطلالة على المتوسط، خاصة وان قيادة التنظيم والمخططون له، لم ولن ينسوا فشل سيطرته على الساحل اللبناني في الشمال السوري، ذلك أن خيال قيادة التنظيم ترى ان تلك السيطرة تُمكن التنظيم من الفعل والسيطرة في مناطق حيوية في المتوسط وتهديد عمليات التبادل التجاري عبر المتوسط عبر التحكم بمرور السفن  واحداث المزيد من الضغوط الاقتصادية في منطقة حيوية جدا حيث يعتبر المتوسط البحر القابع في قلب العالم بوابة القارة الامريكية والطريق الاقصر على اسيا وأوروبا وافريقيا من الوسط  والرابط الاساسي للتبادل بين اوروبا واسيا وافريقيا, فضلا عما تؤمنه هذه السيطرة من عائدات الترانزيت وتسهم في تسهيل حركة ونشاط التنظيم وتؤمن مرونة في وصول الدعم العسكري والمادي وتوزيعه على المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في الشرق الأوسط…[12]

كما أن هناك عامل جذب اضافي يسعى داعش لتحقيقه عبر بسط نفوذه في شمال افريقيا أو في بعض الدول الافريقية الأخرى، ذلك العامل هو استكمال مسلسل السيطرة على منابع النفط ومصادر الطاقة في الشرق الأوسط، وسيكون ذلك عبر استهداف الموارد المتوفرة في مصر وليبيا حيث تمتلك  الدولتان مخزون نفط وغاز وافر جدا يشكل مطمعا لـــ”داعش” وأسياده  المسيرين والحقيقيين ووهم المخترقين لقيادته المسيرة له بل ومن يختارونها عمليا ….

ب- مستقبل التنظيم في افريقيا في أفق 2017 : 

كل العوامل سالفة الذكر في مقال الحال، تقف وراء الحراك الجديد والمفترض لداعش في افريقيا وخاصة شمالها، باعتباره منطقة حيوية، فانعدام الامن والاستقرار بدرجات متفاوتة في كل من مصر وليبيا وتونس ودول أفريقية أخرى،  وتواصل منطق استضعاف الدولة في هذه البلدان يوفر ارضية مناسبة ويشكل بيئة عمل خصبة للتنظيم المتغلغل والذي يتبع بشكل منهجي وعملي لمقولات كتاب “إدارة التوحش”، حيث أن البلدان الثلاث أي ليبيا وتونس ومصر، تُعاني من عدم ثبات حكوماتها أو تعددها في المثال الليبي، وهو الأمر الذي يحُول دون استقرارها واستتباب الامن فيها ويزيد من الضغوط الاقتصادية ويشتت الجهود والقدرات الامنية والعسكرية لمواجهة تمدد وتغلغل التنظيم داخل مجتمعاتها وهو ما ينطبق على دول افريقية تماسك الدولة فيها أضعف بكثير من مصر وليبيا وتونس …

ان هناك مرام عديدة وغايات استراتيجية لقوى إقليمية ودولية من أجل نقل داعش مركزيا أو كنواتات ودويلات جهادية أو اعلان ولايات تابعة لقيادة داعش المركزية وان كانت المعطيات الحالية تُرجح صعوبة تحقق ذلك في افق سنة 2017 فإن بعض مؤشرات توحي ان الاحداث قد تتطور دراماتيكيا نتاج خيارات أو أخرى او مآلات وتطورات لم تكن منتظرة وستكون مرحلة ما بعد 20 جانفي 2017، أي فترة ما بعد تسلم “ترامب” للسلطة في الولايات المتحدة الأمريكية ومدى المتغيرات التي سيحدثها على الاستراتيجيات الأمريكية في المنطقة وبعضها مُسطر منذ عقود، تبقى درجة تلك المتغيرات دافعة ومُرجحة الى أي مدى من الممكن أن يتواجد التنظيم الإرهابي داعش في الساحة الافريقية، و لاعبا رئيسيا في استقرار دولها وعلاقاتها ومستقبل شعوبها…

والثابت أن 2017 سيكون منطلقا جديدا للعلاقات الافريقية – الافريقية وفي رسم افريقيا جديدة ولكن في أي اتجاه ووفقا لأي خارطة واي استراتيجيا ذلك أن الإرهاب وتنظيماته هو آلية الحرب الجيدة على الشعوب والبلدان وكل الإنسانية ؟

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  للاطلاع على نص مقال الدكتور محمد مختار قنديل في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، يمكن الاطلاع على الرابط التالي: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/2341

[2] نفس المصدر

[3]  “محطات بديلة : المسارات المحتملة لاستعادة نفوذ داعش في الشرق الأوسط”، مقال كتبه محمد مختار قنديل، ونشر بموقع مركز المستقبل بتاريخ 05 جانفي 2017 ….

[4]   المصدر نفسه

[5]   المصدر نفسه

[6]   المصدر نفسه

[7]    “محطات بديلة : المسارات المحتملة لاستعادة نفوذ داعش في الشرق الأوسط”، مقال كتبه محمد مختار قنديل، ونشر بموقع مركز المستقبل بتاريخ 05 جانفي 2017 ، بتصرف

[8] “محطات بديلة : المسارات المحتملة لاستعادة نفوذ داعش في الشرق الأوسط”، مقال كتبه محمد مختار قنديل، ونشر بموقع مركز المستقبل بتاريخ 05 جانفي 2017 ….

[9]  مقال “داعش وتوسيع نفوذه في شمال افريقيا _ أهداف وتداعيات“، موقع الوقت بتاريخ 12 جمادى الأولى 1436

[10]  لفهم معطيات حول داعش في ليبيا راجع مقال الكاتب  “داعش ليبيا: تنظيم مُخترق أم تابع؟” ،  صحيفة  “الفجر التونسية”،  بتاريخ 22 أوت 2015 وموقع “شمال افريقيا  للدراسات والتحاليل”، بتاريخ 21 أوت 2015 ….

[11]  “المسارات المحتملة لاستعادة نفوذ داعش في الشرق الأوسط”، محمد مختار قنديل، موقع مركز المستقبل بتاريخ 05 جانفي 2017 ….

[12]  مقال “داعش وتوسيع نفوذه في شمال افريقيا _ أهداف وتداعيات“، موقع الوقت بتاريخ 12 جمادى الأولى 1436

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق