تونس

ترويها هاجر بورقيبة :قصة الحب والزواج والطلاق، بين الرئيس بورقيبة والسيدة وسيلة بن عمّار

 

قصّة وسيلة مع الزعيم من الغرام إلى الطلاق:

كما دأبها دوما، تسعى «الشروق» الى متابعة الحدث والبحث في المحطات التاريخية.. من أجل تقديم المعلومة الى قرائنا الكرام.. وكما يقتضيه الحدث فإننا سعينا الى إلقاء الضوء على فترة تاريخية، من حياة تونس، عبر قصة الحب والزواج والطلاق، بين الرئيس بورقيبة والسيدة وسيلة بن عمّار..

ولكن أيضا من خلال الوقوف على محطات هامة من تاريخ الدولة التونسية من خلال فعل شخوصها في الحياة العامة.. من يتذكر فترات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، يذكر أن اسم هاجر بورقيبة، كان مقحما في الشأن العام تقريبا.. فهي ابنة الرئيس بورقيبة ووسيلة بن عمّار، وهي التي عاشت في القصر الرئاسي، فعايشت كل القصص الخاصة والعامة لحياة الرئيس وزوجته «الماجدة وسيلة بورقيبة» كما كانت تكنّى ساكنة قصر قرطاج ابتداء من سنة 1962، ذكرى الزواج الرئاسي الشهير..
أذكر، أنه وقبل أربع سنوات، قال لي أحد كبار الصحفيين المصريين ، بإذاعة القاهرة، إنه حضر موكب زواج الرئيس الحبيب بورقيبة بالسيدة وسيلة بن عمّار..
إذن الزواج كان حدثا.. «وطنيا» تطلب من الدولة أن تدعو له صحفيين وشخصيات من خارج البلاد!..
إبنة الرئيس هاجر بورقيبة والتي أصبحنا نراها تواكب فعاليات سياسية عديدة بعد الثورة، وتخصّ «الشروق» بهذه الحلقات، التي أنجزناها معها قبل مدة قليلة فارطة، والتي تستذكر من خلالها، هاجر بورقيبة، مراحل العلاقة بين الأب والأم حتى موعد الفراق بالطلاق.. وصولا الى مفارقة الزوجين للحياة الدنيا..
كيف حصل اللقاء الأول، وقد كان حديث العائلة وحديث الزوجين واستذكارهما لهذا اللقاء.. تحت مسامع الطفلة هاجر، ووفقا لأسئلتها لأبيها وأمها، وكيف كانت هذه العلاقة؟
تقول هاجر بورقيبة، إنها تعشق والدتها وهي مفتونة بوالدها.. وإن قصة الحب التي جمعتهما منذ أوائل القرن الماضي، أي قبل عشريتين تقريبا من تاريخ الزواج الرسمي في 12 أفريل 1962، لا يمكن أن تكون نهايتها كما حصلت ذات يوم 11 أوت 1986 أي قبل عيد المرأة 13 أوت بيومين فقط حين تمّ الطلاق بين الزوجين.
وتضيف هاجر ان اللقاء الأول الذي جمع بورقيبة ووسيلة، يعود الى يوم 12 أفريل من بداية القرن.. (الثلاثينات على الأرجح) حين كانت تونس ترزح تحت الاستعمار الفرنسي.
تمّ اللقاء بداية الثلاثينات بمناسبة زواج أحمد بورقيبة شقيق أبي، الأكبر، بابنة المنكبي، وأمها (أم العروس) ابنة بن عمّار.. كان ذلك بحمام الأنف، حيث حضرت أمي مع عائلتها، ولم يكن عمرها (وسيلة بن عمّار) يتجاوز العشرين سنة.. رآها أبي (الحبيب بورقيبة) وكان يكبرها بإحدى عشرة سنة، حيث أعجب بها،وهو يروي دائما هذه القصة ليقول إنه أصيب بالحبّ من أول نظرة.. بالمقابل كانت أمي، التي تربّت صلب عائلة محافظة، تتحدث عن ذاك اللقاء، بنوع من الخجل والمحافظة، وهي تردد أنها بادلته النظرات من موقع الانسانة المعجبة موضوعيا بمناضل.. يقارع الاستعمار.. وتسمع باسمه يتردّد.. كانت أمي أقل انسيابية بكثير، من أبي، في ما يخصّ الكشف عن مشاعرها.. عكس أبي الذي لم يتوان حتى في كشف القصة في خطبه وخاصة منها روايته للحركة الوطنية، على مدرّج معهد الصحافة وعلوم الإخبار سنة 1973..
وتضيف هاجر موضحة الأمر.. أمر العلاقة بين بورقيبة ووسيلة، بالقول لم يكن يخطر ببال أمي أن تتمنّى المناضل الحبيب بورقيبة الذي كان لا يزال يدرس بفرنسا وينشط سياسيا، أن يكون زوجها في يوم ما.. في حين كان بورقيبة ـ تقول هاجر ـ قد عبّر عن إعجابه بهذه الشابة.. ابنة بن عمّار.. وحتى عندما تعدّى بورقيبة، أمر الاعجاب والافتتان، في حفل الزواج، زواج أخيه بحفيدة بن عمّار (من الأم)، وطلب يدها من والدتها السيدة فاطمة الدلاجي زوجة بن عمّار، فإن وسيلة الإبنة الكبرى للسيد بن عمّار والسيدة الدلاجي، لم تكن في وارد أن تفكّر في الأمر..
زواج أحمد بورقيبة، شقيق الرئيس بورقيبة، بداية القرن الماضي، يعدّ محطة فارقة في حياة بورقيبة الرئيس وقبله بورقيبة المناضل.. بل وبورقيبة المغامر حسب والدة وسيلة بن عمّار.. حيث لم تقبل طلبه ابنتها في ذاك الوقت.. لكن بعد ثلاث عشريات تقريبا، سوف تكون ليس فقط زوجة الرئيس، بل وفق الكنية التي منحها إياها بورقيبة “الماجدة وسيلة بورقيبة”.

الحب يدخل وسيلة ساحة النضال السياسي:

تتداخل الأحداث السياسية وتتداخل معها المشاعر وتتأجج بين الزعيم ووسيلة ويلتقي الحب مع الالتزام الوطني بين القيادي في حزب الدستور ووسيلة التي تدخل في العمل النضالي بتكليف من بورقيبة نفسه…
كل التطوّرات والمحطات التاريخية سمعتها هاجر من خلال استذكار التاريخ، إما صلب العائلة بين بورقيبة ووسيلة، وإما ما سجله بورقيبة الرئيس بداية السبعينات من على مدرج معهد الصحافة وعلوم الاخبار، تحت يافطة درس الحركة الوطنية…
فتقول إن تلك الدروس التي تبثها التلفزة الوطنية بعد أخبار الثامنة مساء كانت المادة التي ينطلق منها النقاش والحوار بين “أمي وأبي”.
ذلك ان مرحلة الكفاح كما يسميها بورقيبة، وطّدت العلاقة بين وسيلة بن عمار والحبيب بورقيبة في جانبها الموضوعي.فقد كان يبعث إليها برسائل، فترة الكفاح وخاصة عندما كان في الخارج أو رهن الاعتقال… وكانت بدورها تهاتفه (عبر الهاتف) كلما تيسّر لها ذلك. وبورقيبة الذي تحدث في هذا الامر في خطبه، كانت وسيلة تؤكد صحتها… صحة تلك القصص ولم يكن يتوانى اعادة سردها أمام العائلة أو بمشاركة زعامات وشخصيات عايشت تلك المرحلة.
وتدخل ضمن هذه القصص تلك التي جعلت الحبيب بورقيبة، وهو في السجن يطلب من إبنه ـ بي بي ـ وهو يزوره قبيل الثورة (اندلعت الثورة في 18 جانفي 1952) أي أواخر سنة 1951 ان يُعيد «الفاشا» وهو الوسام الذي أسداه الباي للحبيب بورقيبة، وعندما أوصل ـ بي بي ـ التوصية الى القيادة اتفق أعضاؤها على عدم تنفيذ رغبة بورقيبة معتبرين ان ذلك سيشعل نار الثورة… ثورة كان والدي ينتظرها ويريد فعلا من خلال ارجاع الوسام الى الباي ان يعبّر عن غضب شديد في صفوف الشعب ضد فرنسا… هنا سألت محدثتي عن هذا الوسام وأين يوجد وقتها ألم يكن عند قيادة الحزب وبورقيبة رهن الاعتقال فردّت بأن «الفاشا» كانت في منزل ابي عند زوجته وقتها مفيدة، و«بي بي» ابنها معها… ولكن كما قلت لك خيّرت قيادة الحزب أن لا تنفذ تعليمات بورقيبة وعندما كلّمته وسيلة عبر الهاتف أمرها بشدة أن تفعل ذلك وتؤكد على قيادة الحزب بتنفيذ الطلب، وكان الامر كذلك فما هي الا ايام حتى تحرّك الشعب وكانت ثورة 1952 وقد سمعت ابي يعيدها على مسامعنا على طاولة العشاء… وكانت أمي تؤكد حصول الحدث.
ما كشفته الابنة المدللة لبورقيبة الرئيس وزوجته «الماجدة» كما يسميها رسميا حيث أسدى لها اللقب بصفته رئيسا هو ان العلاقة بين الأب والأم كانت أساسا علاقة ثقة “فقد كان أبي يثق بأمي ويكلفها بمهام… في حين كانت هي تطبّق ذلك لأنها فضلت ان تكون سندا له، تأتي له بالمعلومة… وتتأكد له من بعض الاحداث والمواقف. فأمي لم تكن زعيمة سياسية ولا هي ترنو الى أن تصبح شخصية مناضلة. اذ بحكم تربيتها وبحكم النواميس العائلية كانت تجعل لنفسها حدودا… اعتقد ان أمي كانت تريد فعلا ان تكون الى جانب أبي المناضل والزعيم والرئيس، ولكن من موقع السند لا غير”.
سألت ابنة الرئيس التي كنا نراها وهي طفلة لا تفارق ابويها في كل التظاهرات التي يظهر فيها الزوج الرئاسي le couple présidentiel علنا وماذا عن تلك المظاهرة في باجة التي كانت وسيلة بن عمار تتقدمها في الصف الامامي فقالت: «أعتقد ان أبي قد يكون طلب منها ذلك… وهي لم تمانع لأنها تختلط كثيرا بالعمال الفلاحين وليست من ذاك الصنف من النساء اللائي يتعالين على البشر… فمثلا كانت تقصّ علينا قصصا تقول احداها انها ولما كانت تتحول موسم الحصاد الى هنشير عين غلال تسكن (عشّة) بالقش والحطب قدتها مع العمال وتأوي اليها في الليل». كما ان بورقيبة حسب محدثتنا كان يلجأ الى وسيلة ويطلب منها التثبت من هذه المعلومة او تلك هذا زمن الكفاح ضد فرنسا وعندما أصبحت زوجته وهو رئيس واصلت وسيلة نفس المهمة… ومن هنا قد يكون الحديث اتسع بأن الماجدة تتدخل في الشأن العام.» لكن هاجر بورقيبة سوف تدحض جانبا من هذه المعلومات في جزئها القيادي طبعا…
ضمن علاقة الثقة التي انبنت بين بورقيبة ووسيلة “أصبح الجميع في قيادات الحزب كما في العائلة يعرف ان وسيلة لبورقيبة وبورقيبة لوسيلة… ذلك ان هذه العلاقة هي التي دفعت بورقيبة وهو يتهيأ الى زيارة الدولة للولايات الأمريكية طلب بإلحاح إدراج اسم (وسيلة بن عمار) ضمن قائمة الوفد الرسمي لكن دون جدوى”.
… وظهرت علاقة الحب للعيان
أصبح الجميع في قيادات الحزب كما في العائلة يعرف أن وسيلة لبورقيبة وبورقيبة لوسيلة.

تواريخ:

ـ 1912: ولدت وسيلة بن عمّار
ـ 1914: ولد شقيقها منذر بن عمّار
ـ 1951: رسالة شفوية عبر الهاتف من بورقيبة الى وسيلة لإعادة الوسام الى الباي.

12 أفريل 1962 يوم تاريخي في حياة بورقيبة: وتمّ الزواج الموعود:

كان بورقيبة وهو يعيش قصة حبه الجارف لوسيلة يشعر أنه أدى رسالته نحو وطنه تونس وأنه آن الأوان ليمارس حقه كمواطن عادي… ويتزوج ممّن يحبّ.
تواصل هاجر بورقيبة حديثها عن لبّ هذه العلاقة التي عاشتها بين أمها وأبيها (وسيلة وبورقيبة) وتعتبر أن الزواج كان حتميا، «وكان تتويجا لعلاقة حب واحترام وتقدير وثقة، نسجتها الأيام والسنوات» وهنا تضيف بالقول: “لطالما سمعت أبي وأمي وكذلك الأصدقاء من وزراء من أفراد العائلة الموسعة، بأن قدر الحبيب بورقيبة ووسيلة بن عمار، كان يتجه نحو ختم العلاقة بالزواج”.
تقول كذلك إن عملية الطلاق بين وسيلة بن عمار من علي بن الشاذلي أو الحبيب بورقيبة ومفيدة بورقيبة، كانت معروفة. «كان بورقيبة يذكر أنه لم يكن له طلبات عندما تولى الرئاسة، سوى خدمة البلاد والشعب والزواج من وسيلة» وتذكرت ابنة الرئيس بورقيبة كما تذكرت بنفسي وكل الذين تابعوا خطب بورقيبة عبر الشاشة، عندما كان يطلق العنان للشعر يقوله في وسيلة، وخاصة ذاك البيت الذي يصف فيه كيف يذهب إلى نهج المرّ أين تقطن والدة وسيلة بن عمّار ويكتفي برؤية والدتها وأفراد عائلتها. «فالأمر بدا طبيعيا، لأن ذلك كان مآل الحب الصادق والشريف، والجميع كان على علم ان بورقيبة سوف يتزوج من وسيلة منذ البداية» وهنا تضيف محدثتي: «أن الظلم لم يطل أحدا… وان كلا من وسيلة وبورقيبة لم تكن لهما حياة زوجية التي يمكن ان تكون في عملية الانفصال هنا او هناك ظلما لأحد…»
وبقي الزوج الرئاسي Le couple présidentiel يتخذ تلك القصص التي جمعتهما في الماضي الذي سبق مراسم الزواج، موضوعا للسهرة العائلية، «اذ كنت أستمع الى بعض التفاصيل والاستذكارات والذكريات التي فيها كرّ وفرّ… وأذكر ايضا اننا كنا يوما أمام التلفاز نشاهد حلقة من حلقات الدروس التي كان يلقيها بورقيبة على مدرج معهد الصحافة و علوم الاخبار، حين تحدث عن رحلة له الى الشرق (مصر) وكان لابد وان يخرج من تونس لاجئا الى خارج البلاد، لأن الاستعمار الفرنسي يطلب رأسه، فما راعه الا ان مرّ على ديار وسيلة (أمي) وقال وقتها إنه قصد نهج المرّ، علّه يراها او يرى من يراها… لكنه فعليا لم يرها، بما ان وسيلة كانت متزوجة، وكانت خارج تونس العاصمة…
تبتسم وسيلة وهي ترى بورقيبة يبوح للشعب التونسي بمقدار حبّه لها… وخاصة عندما طالع الحضور بالبيت الشهير الذي كان يردّده بورقيبة، كلما أحس بالشوق لوسيلة وهو يعلم انه لن يراها… تضحك هاجر بورقيبة وتستذكر الصور التي “كانت محل نقد طفيف من وسيلة… لأنها خجولة ومحافظة في آن واحد…”
تزوج بورقيبة الرئيس من وسيلة بن عمّار، وكان السكن بين منزل غرة جوان والمرسى (قصر السعادة) … كانت دموعه تنزل كلما يتذكر تلك السنين التي مرت… وكان يستذكر أمامي وهو يوجه لها الكلام: “أتعرفين، عبّرت عن أمنية واحدة هي ان يجدوا لي ترتيبا معينا حتى نكون زوجين مع بعضنا نواصل حياتنا… وكان يواصل كلامه لأمي بالقول: شوف الزّهر… ربّي بعثك ليّ… أقابلك لأول مرة وأنت فتاة دون العشرين… وأصاب بحب من أول نظرة… تجاهك… ثم يضعك أمامي ثانية عندما التقينا في الأربعينات… حيث بقيت أبحث عنك… وصورتك عالقة في ذهني… وها أنت تزوجت وأنا كذلك… ورغم ذلك لا شيء أبعدنا عن بعضنا…” كان الرئيس بورقيبة يتحدث الى وسيلة ويحدّث هاجر والأقارب، عن هذه العلاقة وعن سعادته بهذا الزواج كلما حلّ يوم 12 أفريل من كل عام… فهو تاريخ زواج بورقيبة ووسيلة من سنة 1962…

 

تواريخ:

ـ 12 أفريل 1962: تاريخ زواج بورقيبة ووسيلة.
ـ 11 أوت 1986: الطلاق
ـ 7 نوفمبر 1987: بورقيبة يزاح من الحكم

تصويب واعتذار:

تسرّب سهوا اسم السيد المنجي سليم عوض اسم السيد الطيب المهيري، حيث عمل هذا الأخير ـ وهو أحد القياديين بالحزب الدستوري الجديد إلى جانب بورقيبة، عمل على تنفيذ رغبة بورقيبة في الزواج من وسيلة، وقد تطلّب ذلك موقفا حازما من المهيري، من أجل أن ينتهي الزواج السابق لوسيلة بن عمّار من السيد بن علي الشاذلي، بالطلاق.
لذا وجب التنويه والاعتذار، وان المسألة لا فيها هندسة ولا تدبير بقدر ما هي تنفيذ لرغبة بورقيبة الذي تمسّك، كما يذكر بنفسه في خطبه، بأن تكون وسيلة بن عمّار زوجته.
وتواصل هاجر بورقيبة سرد تفاصيل العلاقة بين الزعيم ووسيلة التي توجت بالزواج لتصبح بعد ذلك زوجة الرئيس بورقيبة الجديدة. سيدة القصر.
تضحك هاجر بورقيبة، كلما توقفنا في مرحلة من مراحل العلاقة بين وسيلة وبورقيبة، وكانت تلك المرحلة مشوبة بتعاليق وآراء مختلفة.
فهي الابنة التي كانت ملتصقة ولصيقة بالأب والأم. حتى أننا وعندما كنّا نشاهد النشاط الرئاسي، كان الأمر يطال الثلاثي بورقيبة ووسيلة وهاجر… ابنتهما.
تقول هاجر ان “أمي ولما تزوجت أبي وأقيم حفل الزواج على مستوى دولة، حيث حضره ـ حسب الصور وكذلك حسب ما كان يرويانه لي في البيت ـ أجانب وتونسيون من السلطة ومن الأصدقاء. لما دخلت بيت الزوجية، وضعت أمي نواميسها، وأخذت مكانها الطبيعي… وأخذت مكانها كاملا… غير مجزإ.”
هنا سألت هاجر عن مقاصدها، فتقول إن “المحيطين بأبي، قبل زواجه من وسيلة بن عمار، ذهب في اعتقادهم أنهم عندما لبّوا رغبة بورقيبة في الزواج من (وسيلة) دون غيرها، فإنهم سيواصلون مهامهم «البيتية» إن شئنا داخل القصر… الرئاسي. ”
ولكن وسيلة بن عمار، كما يقول عنها ذلك عدد من الوزراء الذين عرفوها، هي شخصية قوية وشجاعة «وتمتلئ طيبة، لكنها لا تسمح لأي أحد أن يستعملها أو أن يمس كرامتها… فمنذ البداية، أي بعد الزواج، تقول إنها تقلدت مسؤوليتها كاملة… يعني أنها دخلت المطبخ وجلست إلى جانب الرئيس في مهامه، تفيده بالمعلومة… وتكشف له بعض الحقائق» إن عملية دخول وسيلة على الخط، خط النسق الرئاسي ـ العائلي لم يكن سهلا… “فالمهمة الأولى التي أخذتها على عاتقي منذ الوهلة الأولى، تقول وسيلة لابنتها هاجر التي ترويه لنا الآن، تأمين الأكل، أتصرف وكما ترينني إلى حد الآن، كزوجة مسؤولة عن الأكل واختياراته ذلك أن أبيك، انسان منظم، الأكل له مواقيته، وهو عادة ما يدعو الأصدقاء وربما الأطباء ممن أصبحوا أصدقاء للعائلة مثل د. الكعبي، والذين كنت مواكبة لبعض زياراتهم لنا.. وهذا أمر أساسي في نظري وفي نظر أمي… أن تشرف الماجدة بنفسها على المطبخ بل هي تطهو الأكل بطريقة محبوبة وشهية… أمي طبّاخة ماهرة، وهذا تعرفه العائلة والأصدقاء”.
من جهة أخرى، أمكن لهاجر بورقيبة، ومن خلال رسم متسلسل للأحداث والشخوص التي كانت تلعب أدوارا مختلفة في تلك الأحداث والتطورات، في ما يخص علاقة بورقيبة بوسيلة، أمكن لها أن تبيّن بالبرهان، أن خيط الحب والافتتان اللافت الذي كان يشعر به بورقيبة تجاه وسيلة، جعله يحترم قراراتها، في أن تصبح هي سيدة القصر… وهنا تشير ابنة الزوج الرئاسي Le couple Présidentiel إلى أن «بورقيبة لم يعترض على قرارات وسيلة في أن تتملك مكانها، حتى تكون العلاقة هي نفسها التي رسمها بورقيبة عنها… وهو ما فتئ يعبر عن أمنيته الشخصية والذاتية الوحيدة، وهي زواجه وارتباطه بوسيلة»، كما أكد ذلك بعض من الشخصيات التي حاورناها في ركن «مذكرات سياسي في الشروق» تؤكد هي أيضا أن بورقيبة لم تكن له نزوعات لا في الكسب المادي الشخصي، أراض وأرصدة بنكية.. ولا غيرها… «الأمنية الوحيدة التي كان بورقيبة يردّدها أمام القيادة والمحيطين به، هو أن يتزوج من وسيلة.» وهنا نفهم كيف تحولت العلاقة بين وسيلة وبورقيبة، إلى قضية دولة… «بل إلى قضية سياسية وطنية، ـ تضيف هاجر ـ لأن عملية التطليق كل من قرينه، كان ضمن ذات السياق… غير أن العارفين الحقيقيين من الذين عايشوا الشخصيتين، يعرفون جيدا أن عمليتي الطلاق، من قرينيهما، لم تكن إيذانا بأن علاقة فيها خيانة من كليهما تجاه قرينه السابق… أبي كان يحبّ أمي حبّا أفلاطونيا… تقولها بالفرنسية.

محاولة انقلاب 63: وسيلـــة شعــرت بأمر غريـــب… فكذّبوهــــا:

رغم التململ الذي لاقته وسيلة بورقيبة في شكل رفض ان تكون هي سيدة القصر بمفردها، أو أن تستأثر ببورقيبة فإن ابنة بن عمار التي انتظرها «سيد» القصر منذ كان في المنافي تمكنت من وضعها الطبيعي.
“كنت دائما أشعر أنني ابنة زوج رئاسي couple présidentiel لكنه زوج غير عادي… كل الأنظار عليه… وكان الحديث حول طاولة العشاء أو حول شاي، عندما ينضم الينا ضيوف من الأصدقاء، الحديث يدور إذن حول مظاهر هذه العلاقة… صحيح ان هناك من انحنى لقرار الرئيس في زواجه بأمي وسيلة بورقيبة وفي قرارة نفسه قد لا يكون راضيا عن هذه العلاقة منذ البداية لمعرفة الجميع بأن شخصية وسيلة هي شخصية قوية ولا تفضّل على بورقيبة أحدا… سواء من حيث الاعتناء به في لباسه وفي أكله… وكذلك لكون أبي كان دوما واثقا في أمي… حيث سمعتهما مرات تنقل له معلومة أو رأي، فيلتفت اليها ليقول لها: هل أنت واثقة؟ «زعمة هذا فمّ منّو»؟ فتطلب منه ان تعاود التثبت.
وهنا تبيّن هاجر ان بورقيبة لم يكن يفرّق بين عيشة البيت العائلي والقصر الرئاسي الذي يمارس من خلاله وفيه مهامه… لذلك تضيف هاجر أن «أبي لم يعارض قرار أمي (وسيلة) بأن تكون هي سيدة القصر الرئاسي وبيت الزوجية… أبي لم يمانع لأنه يعرف ان العديد من المحيطين به لم يكونوا يحبونها فعندما أعلمته انها قررت بأن لا يبقى الذين كانوا يشرفون على شؤونه بالقصر بعد ان حلّت هي وأضحت له زوجة تهتم به… ولم تقف أمي عند هذه الاشارة بل تقول إنها قالت لبورقيبة زوجها «إما أن آخذ مكاني أو ليبقوا هم هنا في القصر» فما كان من أبي الا ان اتخذ القرار الشجاع بأن حل المسألة… كان أبي وفي كل قراراته التي تخص أمي وتهم بصفة عامة الزوج الرئاسي Couple présidentiel، كان يقوده خيط الحب والاعجاب بشخصية وسيلة.
وتضيف: “لكن المسألة لم تنته عند ذاك الحدّ… بل دخلت أمي بعد زواجها بأبي بورقيبة مرحلة أخرى من النضال… كانت تكافح ضد هؤلاء الذين أحاطوا ببورقيبة، وكانوا إما من نوع أصحاب الشخصية الضحلة… أو من الذين يرنون الى استغلال نفوذهم… وقربهم من بورقيبة… هذه الكوكبة هي التي سنرى آثارها… وأسماء منها في محطات أخرى… ومنها محطتا محاولة الانقلاب في 1962 او في 7 نوفمبر 1987 ذاته… حيث عادت المجموعة التي كانت ترفض وسيلة زوجة لبورقيبة”.
سألتها عن علاقة وسيلة بحركة 1962 او محاولة الانقلاب التي شابها الكثير من الغموض ورافقها لغو كثير… فقالت: “سأقصّ عليك أمرا لأول مرة أقوله، كانت أمي لأول مرة أكشفه من قبل أبدا، حكته أمي في حلقات ضيقة، كانت أمي والى جانبها صديقتها المقرّبة، تنامان في غرفة حتى رأت أمي شخصا يمرّ تحت النافذة… ولما قصّت القصة غدا على أبي والأقربين، قالوا لها لعل ذلك من أضغاث أحلام… تقول لي أمي انني كنت متأكدة مما قلت… ولكن ليس لدي دليل… ولم يكن إثبات الأمر يسير… لكن لم تمرّ 48 ساعة، حتى كشفت المؤامرة… وباعتقادي ان الذين خططوا وكانوا سيستفيدون من الحكم ويستهدفون بورقيبة لم يكونوا أولئك الذين أعدموا بل جزء من الذين كانت أسماؤهم في القائمة المحضّرة سلفا”.
وهنا تدخل هاجر، في عملية تحليل وربط للأحداث والشخوص سوف تجعلها تستنتج عبر أسئلة حيرة، ان سرّ محاولة الانقلاب لم يكشف عنه بعد… وتقول: “ما حيّرني كيف تُلفّ القضية قضية المحاكمة بتلك السرعة؟ لماذا لم يسمحوا للمتهمين بالكلام ولم يستنطقوهم؟ ألا يعني هذا أن السرّ دُفن معهم؟”.

وسيلة تفطّنت الى عملية الانقلاب البيضاء:

بقدرة لافتة على ربط الأحداث ببعضها البعض وربط الشخوص بالتواريخ والمحطات، تواصل هاجر بورقيبة رواية مكوّنات قصّة العلاقة المتوطّدة بين بورقيبة ووسيلة.
صحيح أن رواية هاجر بورقيبة، ابنة الرئيس الحبيب بورقيبة ووسيلة بن عمّار، هي رواية لأحداث وطنية كبرى فيها الذاتي يغلب على الموضوعي.
تعتقد هاجر بورقيبة أن وجود وسيلة بالقصر الرئاسي، لم يكن وجودا سلسا ولا هو بالسهل، “بل كان عبارة عن عملية صراع وجهاد من أجل أن تكون سيدة بيتها وسيدة القصر كذلك. ـ تضيف هاجر ـ كانت تعي حجم الدسائس التي تواجهها. كانت تعرف الناس… وتعرف العائلات… وكانت على بيّنة من حجم كل شخصية محيطة ببورقيبة”.
سألتها للتوضيح، عن مزيد المعلومات حول قصّة الانقلاب، وما أمكن للطفلة التي كان عمرها وقتها لا يتجاوز الأربع سنوات تقريبا، أن تسمعه وأن تعلمه لمّا كبرت، وكانت الأحداث محلّ جدل في العائلة، داخل القصر خصوصا، فتقول” إن وسيلة التي تفطّنت ذات ليلة وهي نائمة بنفس الغرفة مع صديقتها ورفيقة دربها، وإذا بشخص يمرّ حذو النافذة… ولكن بدا الأمر وكأنه تخيّل … وعندما قصّت القصّة وهي تحاول أن تستجمع الأدلّة على أن هناك أمرا غريبا حدث، فإن الجميع جعلها تعتقد هي نفسها أن في الأمر تشابها بين «اليقظة والمنام»… ولكن عندما عادت أمي تربط الأحداث ببعضها، توقّعت أن يكون ذاك الشخص الذي تحرّك بشكل مريب، إنما هو كان يتدرّب على عملية بيضاء لاقتحام القصر أو غرفة بورقيبة وهو نائم… فيقتلونه عبر التصفية الجسدية..”.
قلت لهاجر: الأكيد إذن أن وسيلة بورقيبة، قد أثّرت في بورقيبة، بدعمها أن في الأمر مؤامرة، فقالت: «أبدا… لم تكن وسيلة هي التي دفعت باتجاه لملمة المسألة واختصار ردّة الفعل في الاعدام أو السجن دون تحقيق مطول، بل إن مجرد إلقاء نظرة على القائمة المزعومة، والتي تنصّص على الحكومة الجديدة بعد نجاح الانقلاب، تكشف دون ريب، بأن منفّذي العملية كانوا على غير علم بالأهداف ومراحل العملية، وكذلك لم يكونوا من المخططين… وهنا وضعت هاجر تساؤلا يقول: هل في مصلحة بورقيبة أن لا نعلم من هو الرئيس القادم الذي كان سيكون عوضه إن نجح الانقلاب…؟ إذن تقول هاجر بورقيبة، لم تكن عملية اختصار مدة التحقيق أو عدمها، في مصلحة بورقيبة… وهنا أدعو المؤرخين الى اعتماد رؤية جديدة في استقراء الأحداث… وهنا كشفت محدثتي النقاب عن أن والدها، لطالما عبّر عن تبرّمه من أن يتحول الحزب (الحزب الاشتراكي الدستوري وقتها) الى «ماكينة» «وقد سمعته يقول أكثر من مرّة، عندما يتحول الحزب الى ماكينة سوف يقتل الدولة.» من جهة أخرى، تردّد هاجر، وبخصوص عملية 1963 لا تزال غامضة من حيث طريقة تناولها والحكم فيها، ذلك أنه «حسب وجهة نظري لم يكن من طبع بورقيبة، أن يطلب التسريع بتنفيذ حكم الاعدام في من حوكموا في عملية 1963، أعتقد جازمة أن الرئيس لو اطلع على القائمة فإنه سيقف على عدة حقائق كانت ستقلب المشهد والتاريخ رأسا على عقب. فالقائمة تؤكد أن الجميع (القيادات وقتها) طيبون ماعدا بورقيبة.» وهنا تعيد هاجر وضع المشهد وفق ترابط بين الأحداث والأشخاص، لتضع من جديد سؤال حيرة: هل كان جماعة فرنسا (التونسيون الموالون للاستعمار) من أصحاب الأراضي الشاسعة، والذين لم يكونوا مع الثورة لا في 1938 ولا في 1952، هل كانوا ينظرون بعين الرضاء الى سياسة التعاضد… وإسناد الأراضي الى التونسيين؟ لقد كانت عائلات بأسرها مع فرنسا، خيارات وأهداف؟
على كل تقول هاجر بورقيبة، إن هذه العائلات المساندة لفرنسا من بورجوازية الفلاحة ـ كما تقول، رجعت مع بن علي… ولنا الدليل في الأسماء المتصاهرة والقريبة…
وتواصل هاجر التأكيد على أن تسلسل أحداث التاريخ، ليس في ارتباط اعتباطي، بل إن قراءة عقلانية ومتأنية سوف تجعل حقائق معينة تخرج للعلن…

تواريخ:

ـ آخر 1962 : تمّ الكشف عن عملية سمّاها نظام بورقيبة بالمؤامرة.
ـ 1963 : الأحكام تصدر في حق المجموعة المسماة باسم الأزهر الشرايطي.
ـ 1964:  صدور قانون الجلاء الزراعي بما يعني عودة الأراضي التي «تملّكها» المستعمرون الفرنسيون الى الدولة التونسية.
تقول هاجر بورقيبة: هل كان «جماعة فرنسا» من مالكي الأراضي الفلاحية الشاسعة والذين كانوا محاميين للسياسة الاستعمارية هل كانوا ينظرون بعين الرضاء الى سياسة التعاضد؟

وسيلة بورقيبة… و«قصر» مرناق:

عندما أعلن الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي عن عزمه وضع القصور الرئاسية على ذمة التفويت والبيع، أثار القرار حفيظة هاجر بورقيبة التي تكشف لنا في حلقة اليوم سر علاقتها بقصر مرناق.
تؤكد هاجر بورقيبة ان ما اعتُبر قصرا للرئاسة في مرناق هو في الاصل على ملك والد وسيلة بن عمّار… فقد كان والدها وكيلا شرعيا وقد اشترى من مردود مهنته (المحاماة) منزل مرناق والذي يتوسط «سانية» وكذلك اشترى والدها عقارا على شاطئ المرسى Marsa Cube.
كما توضّح هاجر بورقيبة ان «مرناق» ليس قصرا بل هو ضيعة… ولقد استرجعتها أمّي وهي زوجة الرئيس ولكنها كتبتها باسمي.. لأنها تعرف ان بورقيبة يرفض فكرة ان تملك عائلته عقارات او أراضي وأو محلات… ولعل قصة (بي بي) بورقيبة الابن، هي أقوم دليل حين رفض والده الرئيس ان يملك ابنه منزلا عبر القرض البنكي… «لأن بورقيبة كان يعلم ان أي مسؤول في الدولة وزيرا أو مديرا عاما، لم يكن يُمكّنه رابته الشهري من قرض بنكي يخوّل له بناء أو شراء منزل في مكان راق… “وهنا تضيف هاجر بورقيبة أن وسيلة “التي كانت تكبر أخويها، ولما مست “أزمة 29 «Crise 29» تونس بداية من ثلاثينات القرن الماضي، وقد توفي والدها للتوّ… اضطرّت الى تحمّل مسؤولية أخويها منذر ونائلة بن عمار، ولما كان خالي (منذر بن عمار) سيدرس بالخارج ويكمل تعليمه العالي بباريس، فإن أمي لم تجد من بدّ، في بيع سانية مرناق.. والتي هي عبارة عن ضيعة فلاحية يتوسطها منزل لم تكن وسيلة راضية عن التفويت عبر البيع، في هذه الضيعة، لكن الحاجة وغياب الوالد الذي كان يعيل الأسرة انطلاقا من عمله لا من ريع الاراضي الفلاحية مثل الشق الآخر من آل بن عمار، من الذين كانوا يملكون الأراضي الفلاحية الشاسعة جعلاها تقدم على القرار الصعب، وهو بيع هذا الملك.”
تقول هاجر، إن وسيلة كانت تتحسّر على هذا الملك بالذات … وتريد أن تسترجعه ما إن يتيسّر أمرها … المادي… و”عندما توفّر لها ذلك، استرجعت أمي هذا الملك بمرناق وإسمه ضيعة مرناق، وليس قصر مرناق وكان ذلك من مالها الخاص وأذكر أن أبي ولما كنّا نتحول في الصيف الى مرناق كان يقول وهو يفرك يديه وكأنه يتعجب… هل يعني أننا الآن في ضيافة هذه البنت الصغيرة؟ وهو يقصد ان الضيعة مسجلة باسمي. ”
ولكن كيف تحولت ضيعة بن عمار أب وسيلة الى قصر رئاسي، يطبّق عليه قانون القصور الرئاسية؟ عن هذا السؤال تقول هاجر أمرين:
أولا أنها تدخل اليوم غمار المسلك القانوني من أجل ان تطالب بعودة الملكية اليها، “لأن ضيعة مرناق ولئن كان والداي، يقيمان بها فترة من العام، فإنه لم يكن من أملاك رئاسة الجمهورية… كل ما في الامر أن المحيطين بالرئيس الذين عاودوا الاقتراب من بورقيبة بعد منتصف ثمانينات القرن الماضي سوّلوا لبورقيبة وهو يطلّق وسيلة، بأن الناس يتحدثون عن قصر مرناق بأنه «متاع» وسيلة… فما كان منه إلا ان استرجعه بقرار الى ملكية الرئاسة”.

تواريخ:

ـ 6 هكتارات هي مساحة ضيعة مرناق…
ـ 2011 :بعد الثورة وضعت ضيعة مرناق على طاولة الرئيس المرزوقي على أساس أنها من القصور الرئاسية.
ـ 1930: تقريبا عائلة وسيلة بن عمار تبيع ضيعة مرناق، نظرا لضيق الحال.

بورقيبة يعتبر وسيلة بوصلته…

تقول هاجر بورقيبة، إن بورقيبة، وبمناسبة زواجه من وسيلة بن عمار، اشترى بماله الخاص، ضيعة مرناق، وسجلها باسمي، أنا ابنتهما هاجر.
كانت مفاجأة سارة لأمي عندما علمت أن تلك الضيعة التي اشتراها والدها بداية القرن الماضي من كدّ عمله، واضطرّت هي لبيعها بعد وفاته، لأن مسؤوليتها جسيمة تجاه أخويها… وكانت المسألة بالنسبة لبورقيبة، ردّ جميل، لامرأة رافقته مرحلة الكفاح، وكانت له سندا… بل وبوصلة في حياته الموالية… أذكر ـ تضيف هاجر ـ أن أبي (بورقيبة) كان يجلس تحت شجرة الخرّوب، ويقول لي: أنت تجلسين الآن مع أبيك هنا تحت هذه الشجرة الرّمز، أين كانت أمك تجلس تحتها مع أبيها… وكان أبي يدخل في قصّة تشبيه ومماهاة، في عملية اكبار لأمي التي كان وظلّ يرى فيها المرأة الشجاعة، التي صدّقته في رسالته النبيلة والمتمثلة في اخراج فرنسا من تونس..
أمي تقبّلت المسألة بأنها رسالة أو قيمة اعتبارية أهداها إياها بورقيبة، ولكن على ملك ابنتهما هاجر… أذكر أن أمي من شدّة فرحها، بضيعة مرناق، كانت تشرف على عملية البناء… فهي عبارة عن فيلا شاسعة بها 4 غرف نوم… وحمامان… ومطبخ كبير… لم تكن ضيعة مرناق قصرا…
وهنا سألتها عن سرّ وضعها (الضيعة) الحالي، فقالت سنة 1979، ولما أصبحت راشدة، ولاحظت أمي عليّ من خلال تصرفاتي، أنني لا أعير أهمية للملكية مثل أبي، ويمكن أن أهديها يوما… إلى أحد محتاج… أذكر أنها قالت لي: أنت كأبيك ليست لك عقلية الملكية… لقد خافت أمي على هذه الضيعة ورأت أنني لست واعية ولا مقدّرة ربما للقيمة الاعتبارية لهذه الضيعة.
أذكر كذلك أن أمي تعبت كثيرا، وهي تهيئ هذه الضيعة… وكان أبي يحدثني عن القيمة المعنوية لهذه الضيعة… وما كانت تمثله رغم هكتاراتها القليلة نسبيا (ستة هكتارات تقريبا) إلا أنها كانت مصدر فرح أمي… ولها قيمة معنوية… غريب أمر هذه الضيعة، فهي رجعت لأمي عبر أبي، في حزمة واحدة مع الزواج مع الابنة هاجر… ثم أخذوها في حزمة واحدة مع الطلاق… الحاشية التي رجعت إلى بورقيبة بعد الطلاق، سوّلت له أن هذه الضيعة التي ما فتئ بورقيبة يؤكد أنها لهاجر… ومن خلالها هدية ردّ اعتبار لوسيلة. سوّلوا له أن تصبح باسمه، فكانت حزمة ضمن (صفقة) الطلاق… والذي يحزّ في النفس أن شجرة الخرّوب التي كان والد أمي يجلس تحتها ومعه ابنته الكبرى، وكنت أنا وأبي نجلس تحت ظلها، هذه الشجرة اقتلعها بن علي… عندما أصبحت ضيعة مرناق ملكا للدولة… ففي عملية استفاقة واضحة، «رجع شاهد العقل» لأبي بعد طلاقه من وسيلة وجعل من الضيعة، التي أراد من أراد من المحيطين به أن تكون له، هبة للدولة التونسية، ذلك أن أبي كان يرفض أن يملك أرضا أو متاعا يمكن أن يكون محل إرث… وقد قالها أحدهم كشهادة عنه…
هنا تضيف هاجر بورقيبة، أن أي تفسير لعلاقة بورقيبة بوسيلة (أبويها) خارج نطاق ذاك الحب الأفلاطوني… وخارج انبهار الواحد منهما بشخصية الآخر… هو تفسير غير دقيق… الحب كان غير عادي بينهما، رغم أن والدي كان يمزج ذاك الاعتراف بمشاعره نحو أمّي، بعامل الشجاعة التي كانت تتحلّى بها أمي… طوال حياتها… فقد كانت النظرة الأولى بينهما، قد سجلت انبهار أبي بتلك الفتاة اليافعة، التي تتابع كل تحرّكات الوطنيين ومنبهرة بإصرار بورقيبة وقسمه على أن يخرج فرنسا…
كانت أمّي، تقول هاجر بورقيبة، تعرف الأشخاص وتميّز بين هذا وذاك من المحيطين ببورقيبة… كانت لها حاسة سادسة، كثيرا ما يعترف لها بها أبي… ولكنها كانت دوما تبني «أحكامها» أو مواقفها على أساس صحيح… مما يجعلها وهي تقدّم المعلومة لبورقيبة، كنت دوما تتحرّى… وقد بان بالمكشوف، كيف أن الذين عادوا مع بن علي، هم من جماعة فرنسا… من الذين لم يكونوا حادين ولا حدّيّين في مسألة إخراج فرنسا… فقد كانوا من مالكي الأراضي… وفرنسا تغضّ عليهم الطرف… فقد أجبرهم بورقيبة على الدخول في الحركة الوطنية، وكانوا لا يتوانون في الوقوف ضد خياراته… خاصة منها تلك التي تدفع الشعب الى الثورة ومقارعة فرنسا… كانت أمي تفهم جيدا طريقة بورقيبة في التعامل مع المرحلة الوطنية، مرحلة الكفاح، وكذلك مرحلة بناء الدولة… فهو تجده يراوح بين خيار الكفاح المسلح والتحاور السياسي مع فرنسا… كذلك الشأن عند بناء الدولة… وهنا يذكر السيد الباجي قائد السبسي، وعندما أصبح مسؤولا في الدولة الحديثة، بعد الاستقلال، وكان من ضمن كوكبة من الشباب، قال لبورقيبة، بلغة الشباب في ذلك الوقت وليعبّر له أنه بلا تجربة في إدارة الشأن العام، حيث قال له: أنا Bleu يعني لا أفقه شيئا في ادارة الشأن العام… وكان بورقيبة الذي لم يفهم الكلمة، لأنه يستعمل لغة فرنسية كلاسيكية، أجابه بعد أن فهم مغزاها: وهل نستقدم فرنسيين بعد أن أخرجناهم من تونس، لكي يحكموا من جديد؟ وهنا أذكر أن أمي كانت ترافق بورقيبة وتدفعه كي يعوّل على الشباب. لقد كان بورقيبة يعتبر وسيلة بوصلته. في أكثر من محطة.

أمّي لم تكن تصدّق ما اتّهم به بن صالح:

تقول هاجر بورقيبة إن وسيلة لم تكنّ عداء لأحمد بن صالح… بل إنها سمعت أمّها تقول للرئيس وبن صالح يُدفع للمحاكمة: هل صحيح أنه فعل ما قيل عنه؟ «زعمة» قولهم صحيح وإلا يريدون به المكروه؟

ما أمكن قراءته من بعض الكتابات، يقول إن وسيلة بورقيبة كانت تضمر العداء لبن صالح ويعلل البعض منهم أن المسألة مرتبطة بمس التعاضد لصالح أفراد من عائلة وسيلة بن عمّار…
هاجر بورقيبة تشدد في هذه الحلقة، على ضرورة التوضيح… أولا تقول وسيلة كانت دوما تشجّع بورقيبة على ضرورة أن يكون محاطا بكفاءات من الشباب… وأن القول إن وسيلة كانت ضد سياسة التعاضد، فهذا تجنّ على شخصها وتجنّ على علاقتها ببورقيبة… لقد وضّحت لك عبر الحلقات الماضية، كيف كانت وسيلة تتصرف مع بورقيبة، كانت تؤمن بمنهجه وتتبنى منظاره للأشياء… وسياسة التعاضد كانت منهجا يؤمن به بورقيبة ووسيلة لم تكن ضد المسألة…
تواصل هاجر بورقيبة تذكّرها للأحداث والمواقف التي أمكن لها رصدها من خلال موقعها كإبنة الرئيس والماجدة ـ أن أمي كانت تقول مرات ومرات لأبي وعندما اشتد النقد لسياسة التعاضد ولشخص بن صالح، هل يمكن ان يكون كلامهم صحيحا… لعلهم يتجنّون عليه… هل يفعل بن صالح هذ الأمر أو ذاك…
وتضيف إن هذه التساؤلات التي تحمل شكّا من وسيلة تجاه الاتهامات التي كانت يكيلها البعض ضده، تبرهن على أنها لم تكن في خانة أخرى مضادة لبورقيبة… وهنا تكشف هاجر عن شديد أسفها للرواية المتداولة من أن «وسيلة عادت بن صالح لأنه مسّ مصالح أقاربها» وهنا توضّح وتعيد أن أمّها وسيلة بن عمّار، ليست لها علاقة بآل بن عمّار ممّن لهم المال والأراضي… وأن الكيديين الذين لا يحبّون وسيلة، وأجبرتهم «الماجدة» على ترك القصر ثمّ عادوا فـ «حيّروا» الرئيس العجوز، هم الذين يصورون هذه القصص حتى يخفوا الحقيقة…
السيد أحمد بن صالح ولما تحدّث لـ«الشروق» سابقا عن تلك المرأة، يعود اليوم ويقول لـ«الشروق» بعد أن سألته أمس، عن علاقته بوسيلة، هل هي العداء أم الصّفاء، فقال: عرفت وسيلة بن عمّار، كإنسانة طيّبة معي… وكنت أعرفها قبل الزواج ببورقيبة، وأذكر أنها بعثت لي لكي تراني، وكنت وقتها كاتبا عاما للاتحاد العام التونسي للشغل، بداية 1955، وطلبت مني أن أزورها وقالت لي بالحرف «أريد أن أعرفك. لم أذهب وحدي في الحقيقة، بل اصطحبت معي محمد الرّي، فقدمت لي رسالة، من بورقيبة إليها، وقالت لي فحواها، حيث كان بورقيبة يطلب منها التسريع بالزواج… فطلبت منّي رأيي، فقلت لها بصراحة إن الوقت ليس مناسبا… فالاستقلال مازال في جزئه الأول (الاستقلال الداخلي 1955) ومازالت الأوضاع لا تحتمل… لتؤجّلوه الى قادم الأيام… فطلبت مني أن أنتظر قليلا فدخلت غرفة أخرى، وجاءت وبيدها رسالة، كانت تلقّتها من شقيقها المنذر بن عمار، وكان جوابه لها عن نفس سؤالها لي عن الزواج بنفس ما أجبتها… رغم أن المنذر كان خارج تونس وكنت أنا في تونس… وقال لها ـ مكتوبا ـ لا تستعجلي الزواج بنفس الطريقة التي قلتها بنفسي…
ويواصل بن صالح: كانت وسيلة طيبة… ولكن العلاقة انقلبت… وحتى السبب الذي قيل لي انه كان أساس انقلاب وسيلة عليّ، فإنه لم تقله لي مباشرة، بل سمعته عن آخرين…
لكن هاجر تعود وتواصل: إن وسيلة لم تكن لا معادية لبن صالح ولا هي ضد التعاضد كخيار آمن به بورقيبة… لكني اعتقد أن الذي قلب المعادلة، كان في مستوى التطبيق… فقد يكون أعضاد بن صالح نفسه هم الذين طبّقوا سياسة التعاضد بالمقلوب… يعني بدأوا بالفقراء والفلاحين الصغار ولم يمسّوا كبار ملاّك الأراضي… وقد يكون كذلك، قد قيل لبن صالح نفسه، إن وسيلة لا تريد هذا الأمر أو هذا الإجراء… فهناك من دخل على خط العلاقة بين بورقيبة وبن صالح… وهنا أذكر أنني كنت الى جانب أمّي وأبي وقت المحاكمة، وكانت أمّي تعبّر لأبي عن شكّها في ما نسب لبـن صالح عبر أسئلة حيرة: هل صحيح يمكن أن يكون فعل كل هذا؟ ألا يمكن أن يكون (الكيديون) قد حمّلوه ما لم يفعل؟ كذلك أذكر أننا كنا في الخارج حين هرب بن صالح من السّجن، ولم ألاحظ انزعاجا لا من أبي ولا من أمّي… لم ألاحظ مفاجأة بدت على وجهيهما، وكأنهما عبّرا عن نوع من الارتياح بأن كان الأمر كذلك… أي الذي حدث هو أفضل… من شيء آخر…
قـــال بن صالــــح عــــن وسيلــــــة:
كانت طيّبة معي… لكنها انقلبت ولا أدري لماذا… قيل لي إن سرّ ذلك، قرار ضد أحد أفراد عائلتها… لكنّها لم تقل لي ذلك مباشرة… بل إن بورقيبة قال لي لا تهتمّ بهذه الجزئيات…

تواريــــــــــخ:

ـ غرّة جوان 1955: بن صالح الى جانب بورقيبة في باخرة العودة.
ـ بداية 1955: وسيلة تطلب من بن صالح رأيه في طلب بورقيبة التسريع بالزواج.
ـ 1970 : محاكمة الوزير أحمد بن صالح، ووسيلة تشكّك في ما نُسب إليه من تُهم.

رسالة من أبي يحدثني فيها عن خصال الماجدّة: لهذه الأسباب أحبّ أمّك كثيرا

تبتسم هاجر بورقيبة وهي تردّ على سؤال تعودت على سماع فحواه وهو القائل: هل أن وسيلة بورقيبة، وبعد أن أصبحت سيّدة القصر الرئاسي، سعت وعملت على أن تكوّن قطبا داخل النظام؟
تعتبر ابنة الزوج الرئاسي le couple présidentiel أن اعتبار وسيلة قائدة لشقّ أو قطب داخل النظام السياسي، هو من باب الاتهام المجاني، كما أنها تقول لـ«الشروق» في هذا الحديث.
إن الكثيرين ممّن كانوا يمقتون أن تصبح «وسيلة بورقيبة زوجة لرئيس الجمهورية (بورقيبة) والذين تعاضدت مصالحهم من أجل إزاحة وسيلة من حياة القصر ومن حياة بورقيبة، لم يكن تحرّكهم بخاف عن الرئيس… بل إن أبي ما فتئ يفاجئهم في كل مرة ينبري فيها مسهبا في الحديث عن أمّي… حديث العشق… عشق الروح… يبديه لامرأة، بالنسبة إليه هي السّند… والصدق مع بورقيبة… لم أحسّ يوما وأنا أستمع الى أمي والى أبي، أن أحدهما يخفي أمرا عن الآخر… أو أحدهما يضجر من تصرّفات الآخر… بل إن الحب الصادق… الحب الأفلاطوني ما فتئ يمثل الركيزة لكل منهما… أمي ترى أن أبي بحاجة الى معلوماتها الدقيقة والى حاستها السادسة التي لا تخطئ… بالتجربة… وأبي يعتقد أن حياته بدون وسيلة ليس لها معنى… وأن القدر الذي جمعهما على الصدق في المشاعر… والصدق في الاحترام والسّند، لا يمكن أن يغدر بهذه العلاقة أو يخذلها…». وهنا تقدّم هاجر بورقيبة لـ «الشروق» ما تنفرد به، وهي رسالة بعث بها بورقيبة الى ابنته هاجر لما كان في الولايات المتحدة الأمريكية للتداوي من الأزمة القلبية والنفسية التي أصابته، بعد «فشل أو إفشال مشروع التعاضد… كتب لي أبي هذه الرسالة، وكنت في الحادية عشرة من عمري، مرحلة السادسة (السيزيام) وقد بعث لي قبلها رسالة بالعربية، لكنه يقول لي في ديباجة هذه الرسالة التي كتبها بالفرنسية انه يريد أن يختبر قدراتي بالفرنسية… هذه الرسالة التي بين يديك، تواصل هاجر كشف أسطرها التي بدأت تمّحي مع الزمن ـ مؤرّخة بالخميس 4 مارس 1971، تتضمن سردا تاريخيا من بورقيبة الذي كان على فراش المرض بالولايات المتحدة الأمريكية الى هاجر… وقد تضمّنت الرسالة كما يمكن لنا أن نقرأ ذلك وبصعوبة، تناول عدة مواضيع، ولكن وسيلة كانت تمثل جوهر المكتوب، حيث يبدأ أبي رسالته بعبارة «عزيزتي الصّغيرة هجّورة… أكتب لك هذه المرة بلغة فرنسية، حتى أقف من خلال رسالتك التي ستجيبين فيها على رسالتي هذه على قدراتك باللغة الفرنسية، وهل هي بنفس مستوى قدرتك العالية بالكتابة بالعربية… لا يمكن ان تتصوري مدى فرحتي وفخري بك عندما قرأت رسالتك ـ الرد، أين وجدت متعة كبيرة ومفاجأة أقل بمكتوب وتحرير للرسالة يتضمن خطا جيدا وواضحا وجملا تدل على مستوى متقدم.
أريد ان أبدي لك ملاحظة واحدة هي عندما تكتبين الـ«ح» او الـ«خ» وتكون وسط الكلمة اكتبيها هكذا مثل هجورة، اي ان الـ«ج» تكون على السطر والحرف الذي يسبقها يكون فوق السطر… حتى يكون خطك مقروءا جيدا واضحا… أما بالنسبة لبقية الرسالة فهي ممتازة… وإني هنا أعلمك وقولي هذا للعائلة، إنني بخير صحتي تتحسن… والى جانبي الدكتوران: الكعبي ومبارك، وهما يحيطانني بعناية خاصة الى جانب الطاقم الطبي وشبه الطبي هنا بأمريكا.
وتضيف هاجر وهي تسرد وتعلق على فحوى الرسالة حيث تضعها في اطارها التاريخي، إن أبي وعندما وقع نقله للعلاج على جناح السرعة الى واشنطن لم ترافقه أمي بل بقيت هنا في تونس تطمئن عليه، وتعلمه بتفاصيل الحياة العامة هنا.
وفي الرسالة، كان أبي قد علم أنني توجهت الى المنستير، بمناسبة عاشوراء، لذلك يقول لي عبر هذه الرسالة وهو يشكرني على زيارتي للمقبرة أن اقرأ الفاتحة على أرواح والديه وأخيه الاكبر الذي أشرف على تعليمه ويربط كل هذا بوجود أمي فقال في نصف الرسالة: سوف تتذكرين في كل مرة تقفين فيها على قبر أمي وأبي، أن والداي أنفقا مالهما على اخوتي الذين يكبرونني وأن أخي محمود (رحمه الله) تولى رعايتي وتعليمي وهو الذي مكنني من الدراسة بالخارج. إن أباك يا هاجر فقد أمه في سن مبكرة (7 سنوات) وبقي كامل حياته وحتى لما وصل الى القمة في السلطة (رئيسا للجمهورية) بقي عطشانا الى حنان الام. بقي «متوحّشا» إياها.. الآن وأنا أكتب لك هذه السطور، تمتلئ عيناي بالدموع… وما يسكّن آلامي ويهدّئ من روعي ويكفكف هذه الدموع هو فقط وجود أمك (وسيلة بورقيبة) في حياتي وحنانها لي. أمك: بها شبه من أمّي فطومة، لذلك أحب أمك كثيرا… فهما تشتركان في التميز بعاطفة جيّاشة وحنان لا مثيل له… وبعطاء لا محدود…

 


بورقيبة… يحبّ من يحبّ وسيلة:

حين حُمل الرئيس بورقيبة على جناح السرعة، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، للتداوي، على إثر توعك صحي خطير، كانت السلطة والنظام في تونس، قد دخلا منعرجا، يتحدث عنه الساسة والمؤرّخون بإسهاب…
تعتقد هاجر بورقيبة، أن فترة إنهاء سياسة التعاضد، أحدثت إرباكا على جميع المستويات… ولقد كان أبي في حالة نفسية سيئة… بمجرّد أن قدمت امرأة عجوز تمدح الاستعمار الفرنسي مقارنة بتلك الفترة… وهنا تواصل هاجر روايتها لأطوار القصة التي جمعت بورقيبة ووسيلة، ومن خلال الرسالة التي نشرنا جزءا منها بالأمس، والتي يتوجّه فيها بورقيبة إلى ابنته هاجر ابنة الحادية عشرة ونيف، سوف تبيّن أن بورقيبة وفي أشد الفترات عسرا، من التي يمر بها، كان بيدي حاجته لوسيلة… وكان يعبّر عن مشاعره تجاهها… مشبها إياها بأمه من حيث الخصال… والعطاء… والحنان…
وسوف لن يتوانى بورقيبة الرئيس والذي يمر بفترة علاج صعبة طالت أسابيع عديدة بالولايات المتحدة الأمريكية، في أن يكشف لابنتهما هاجر، عن المقدار الكبير من الحب الذي يكنّه لوسيلة… «كنت دائما أقف على تشبث أبي بأمي… وكان كلما سنحت الفرصة إما عن طريق رسالة، كما هو الحال مع رسالته هذه، المؤرخة في 4 مارس 1971، أو في مناسبات أخرى، أكون إلى جانبه أو في حصة سير على الأقدام، كان بورقيبة يحبك القصّة ويربط أطوارها ببعضها، وعادة ما تكون الرواية أو الرسالة، منطلقها حدث في الحاضر، ليربط تفاصيله بالماضي… وبأمّي وسيلة.. ففي هذه ا لرسالة التي كتبها على الوجه والقفا، وفي الطرّة وعلى الأطراف، تحدّث فيها أبي بإسهاب، كما قلت عن مشاعره تجاه أمي، وكان يتحدث في التفاصيل والجزئيات… وكان يردّد أن أبلّغ سلامي إلى أمي والعائلة، رغم أنّها (وسيلة) كانت على اتصال به عبر الهاتف تطمئن على صحته… وخاصة أن الطبيبين الخاصين به، كانا برفقته وذهبا ليتحادثا مع الإطار الطبي الأمريكي، وهما د. الكعبي ود. مبارك، وهو يذكرهما بالاسم في هذه الرسالة، حتى أطمئن أمي… كما أنّ هذه الرسالة التي كتبها بورقيبة لي، بالفرنسية لأول مرة، حدثني فيها عن تفاصيل مرضه وصحته… وكيف أنه مازال رغم تماثله للشفاء يحسّ بنوع من الأرق، وأسرّ لي عبر المكتوب، بأن أمي التي تهتم كثيرا بصحته، ترفض بعض التوصيفات بخصوص وضعه الصحي، وكأنه يقول إن أمي ترفض تلك التوصيفات، من باب أنها حريصة على رفع معنوياته، وهنا يعرّج أبي على موضوع رجوعه إلى تونس، بعد هذا الغياب للتداوي، بالقول وهو يخاطبني عبر تلك السطور الحبلى بالتوصيات والمعاني:
لقد اطلعت على تصريحات (بي بي) بورقيبة الابن، لبعض الصحف، حين قال إن الرئيس (بورقيبة) سوف يعود من رحلة العلاج في أمريكا، بعد أسابيع، وإني أعتقد أن في الأمر مبالغة… وأخشى أن يعطي أملا للشعب لا يمكن أن يتحقق بالسرعة المشار إليها، وهنا تضيف هاجر بالقول: إنّ أبي أراد أن يوصل هذه الرسالة إلى الجميع، من خلال رسالته إليّ، وفحواها يقول إن بورقيبة لا تفهمه إلا وسيلة… فهي امرأة شجاعة… وامرأة لا تغالي ولا تبالغ… شيمتها الرصانة… ويضيف أبي عبر رسالته إنه قرّر أن لا يعود إلى أرض الوطن «هذه المرة» إلا بعد أن يشفى كليا من مرضه… وهنا أعتقد أن هذا القرار اتخذه بالتنسيق مع أمي.. وذلك خشية «انتكاسة» كما يكتب لي ذلك في نفس الرسالة… ويكتب لي أبي تفاصيل علاجه، وكيف يأخذ الأدوية، ومتى… ثم يعود أبي ويحدثني عن خصال أخيه محمود وكيف كان الوحيد الذي اعتقد أنه نابغة… في حين بقية العائلة كانوا يقولون عنه (عضمة حارمة) وقد خطها بورقيبة هكذا بالدارجة، ويحدثني عن معاناته طوال الدراسة… وهنا يقف على سند أخيه الأكبر له… وكذلك على سند أمي في ما بعد… لأن وسيلة كما ينصّ على ذلك أبي في هذه الرسالة كانت من الذين آمنوا أنني سأطرد الاستعمار الفرنسي من تونس، ويقول لي إنك لمّا تقفين أمام قبر جديك من أبيك سوف تتذكرين كل هذه القصص، واعلمي أنني «توحشت أمي… وباقي متوحشها»…
يختم بورقيبة رسالته لهاجر ابنته، وقد أسر لها بالكثير… من التفاصيل… ولكنه عندما يضمّنها السلام للعائلة دون ذكر أسماء، يطلب منها سلاما بالاسم، للسيدة «فريدو» صديقة وسيلة ورفيقتها… لأن أبي يعترف لها بإخلاصها لأمي فهو دائما منشغل على وسيلة بورقيبة من المكائد… لذلك يقول بورقيبة: إني أحبها لأنها تحب أمك بإخلاص…

يوم أصرّ بورقيبة على الذهاب الى «البلماريوم»: 
في 16 ديسمبر 1972 كان القذافي يلقي خطابا بقاعة «البلماريوم» بالعاصمة، عندما استمع اليه بورقيبة وهو في القصر… وكانت هاجر الى جانبه، ترقب رد فعله… رد فعل أثّر في تلك الفتاة الصغيرة… التي لا يتجاوز عمرها الاثنتي عشرة سنة.
“كنت الى جانب أبي، عندما بدأ يجيء ويغدو على طوال القاعة الكبرى لقصر قرطاج… كان يستمع الى القذافي وهو يخطب بـ «البلماريوم» فتملكه نوع من الغضب ممزوج بحيرة… حيرة رئيس جمهورية، تجالس وزراؤه أمام منصة القذافي الضيف الذي بدأ يخطب فيهم، ومن ورائهم عبر الأثير، بما أن الاذاعة الوطنية كانت تبث الخطاب مباشرة… لم أكن أفهم ماذا يقول أبي، كل ما سمعته هو أنه طلب سيارة لكي يتجه الى وسط المدينة أين قاعة البلماريوم… ما جعلني أستغرب هو هذا الذي شاهدته وسمعته، فبعد ان كان يغدو ويجيئ ويداه غالب الوقت وراءه، وعندما طلب من المسؤولين عن القصر أن يأتوا له بسيارة، أجابه أن «ليس هناك سيارة سيد الرئيس»… وعندما ألحّ الرئيس بورقيبة وتوّجه الى طبيبه أظن طالبا منه، هل معك سيارة… أجابه بلا، لأنني اعتقد أنه خاف كطبيب، وقد شهد المناقشة بين الرئيس والمسؤولين عن التشريفات والأمن… وأذكر أن بورقيبة وهو يحرص ويصرّ على الذهاب الى «البلماريوم» شاهد من النافذة سيارة رابضة، وعندما سأل قيل له إنها للأمن… وليس بها سائق… فصاح بورقيبة، طيّب أنا عندي رخصة سياقة.. فانفجرت ضاحكة وقتها… ضحكت لأن لي قصصا عن سياقة أبي للسيارة… فقد كان يقصّ عليّ كيف كان يقود سيارة… وكان يصطحب أمي وزوجها في جولة… وكان يحكي لي أنه دائم التعرّق مما يجعله يضع قميصا ثانيا داخل السيارة..
إذن تمكّن بورقيبة من الذهاب الى مقرّ الاجتماع، حيث كان العقيد القذافي ببزّته العسكرية، يخطب في جمع من وزراء بورقيبة ومسؤولي الحزب الحاكم وقتها… وهنا تقول هاجر، إن ذاك الخطاب المرتجل الذي قاله بورقيبة وقد توسّط المنصّة وأخذ الكلمة معلّقا على كلام القذافي الذي كان يتكلّم منذ قليل… أصبح خطاب «البلماريوم» لبورقيبة مرجعا… والى الآن، عندما يعيد مشاهدته أو سماعه أي إنسان، بإمكانه أن يفهم فلسفة بورقيبة…
إذ أن موقف بورقيبة في ذاك الخطاب، كان يدعو الى التريّث، وأن وحدة المغرب العربي أمر آت لا ريب فيه…» وهنا تعبّر هاجر عن موقفها الخاص، موقف يشوبه التحليل عبر المنطق وهي أستاذة الرياضيات، إن بورقيبة عاش مؤامرة مستمرّة… تبدأ في كل مرّة ثم تنكسر… الى أن جاء موعد 7 نوفمبر 1987.
وبالرجوع الى خطاب «البلماريوم» والقذافي وإصرار بورقيبة على الذهاب الى القاعة بجميع الطرق، وهو خطاب تفصله سنة وأيام معدودة عن اتفاقية جربة التي أمضيت في 12 جانفي 1974، سألتها عن وسيلة بورقيبة، وأين كانت وقتها وما كان موقفها، فقالت أنا أعيد المشاهد التي رأيتها بشخوصها وبالإطار الذي تنزّلت فيه… وهنا علقت هاجر بالقول: «لكي نفهم ما وقع في «جربة 74» يجب أن نتفحّص في خطاب «البلماريوم» لبورقيبة… ولا بدّ كذلك أن نقف على الظروف والملابسات التي خفّت بخطاب بورقيبة، وحلوله المفاجئ على قاعة الاجتماع… أين كان الوزراء والمسؤولون التونسيون يستمعون الى خطاب القذافي… والذي استفزّ فحواه، بالمحصلة، بورقيبة فقط».
وتضيف هاجر بورقيبة، إن ما وقع في جربة، لا أعتبره أمرا كما يصوّره البعض ممن عايشوا تلك الفترة وكانوا فاعلين فيها… بل إن بورقيبة كانت له فلسفته الدائمة، وكان دائما يبتعد عن وضعية «وحلة المنجل في الڤلّة» لذلك تجده يعالج الأمور مرحلة بمرحلة… دون هزّات… فهو كما قال ذلك في خطاب البلماريوم، ليس ضدّ الوحدة المغاربية ولا الوحدة العربية، لكنه يريدها وحدة ذات معنى… غير قابلة للانكسار… لأنه كان يعي معنى أن تحضّر أسباب الوحدة… من عمل وإنتاج وعلوم…».

 
«من خفايا اتفاقية جربة 74»: قلت لبورقيبة: عندما يسألونني عن اسم بلدي ماذا أقول؟

مازالت هاجر بورقيبة تتذكّر القصّة تلو الأخرى… إذ أن المحطات التاريخية المفصلية، التي كشفت كلّها أو جلّها، متانة العلاقة بين وسيلة وبورقيبة، لها خفايا وأحداث وتطوّرات خلفية… ترويها الشابة الآن… فقد وصلنا إلى سنة 1974…
تقول هاجر بورقيبة إنها عاشت الحدث، حدث إمضاء اتفاقية جربة بين بورقيبة والقذافي، عاشتها بتفاصيل لافتة… فقد كانت أسئلة الحيرة تنتابها كفتاة تونسية، لاحظت أن اسم تونس زال من تسمية البلاد، حيث تنصّ اتفاقية جربة على تسمية «الجمهورية العربية الإسلامية» عوضا عن اسمي القطرين ليبيا وتونس.
تقول ابنة بورقيبة، ان ظروف وملابسات عملية الامضاء على مشروع الوحدة بين ليبيا وتونس، والذي تم يوم 12 جانفي 1974، لم يكن على غير ارتباط بملابسات خطاب «البلماريوم» الذي تم قبل عام ونيّف من هذه الاتفاقية…
كيف؟
عن هذا السؤال تنطلق هاجر من المعطيات لتقحمها مجال التحليل المنطقي، فهي ترى أن «بورقيبة الذي حلّ بصفة فجئية على «البالماريوم» أين كان القذافي يلقي خطابه في ديسمبر 1972، أمام وزراء بورقيبة، وهو الخطاب الذي استشاط منه بورقيبة غضبا وحنقا لأن القذافي لم يجد من يعدّل له خطابه ولا وجهة نظره… فقد كان طليقا لم يجد أمامه من يعارضه، من أجل تونس… (انظر الشروق عدد أمس) وقد أحسست يومها (ديسمبر 72) أن أبي كان مهموما لأنه أحسّ أن ليس هناك من المسؤولين أعضاد الرئيس، من أوقف القذافي عن كلامه.. لذلك اتخذ القرار الفوري وذهب إلى «البلماريوم» يعدّل الموقف ويعدّل المشهد… وبالنظر إلى فحوى الخطاب الذي ألقاه بورقيبة وقتها، لا يمكن أن يصدّق أن بورقيبة وقع التأثير عليه في اتفاقية جربة… بل إن أبي، رجل القانون قبل أن يكون رجل السياسة، يعرف جيدا أن تونس المستقلة هي بلد قانون ومؤسسات… وأن اتفاقية جربة التي أمضاها بورقيبة والقذافي على ورقة مكتوب عليها اسم النزل الذي تم فيه الامضاء… يعي جيدا أن لا قيمة لتلك الاتفاقية، إلا بالتصديق عليها من قبل السلطة التشريعية، في تونس».
سألتها عن وسيلة، وأين كانت وقتها، فقالت «كاتب بالخارج للعلاج… وكان الوزير الأول الهادي نويرة في طهران في زيارة رسمية… وهنا أريد أن أؤكد أن بورقيبة لم يكن محل لعبة قدّت له… هذا غير صحيح… والذي يقول ان بورقيبة كان ضحية في «جربة 74» هو يستنقص من قيمة الزعيم… والدليل أنّه ولمّا قال له وزير الخارجية، وبورقيبة يمضي على مجموعة أوراق صيغت في الحال، حين قال المصمودي للرئيس، لا فائدة في إمضاء هذه الأوراق…
في عملية استعادة للوعي من الوزير ربما فما كان من بورقيبة إلاّ أن قال له: «تي هات بركة نصحّح. أحنا صححنا… صححنا»، وكانت هذه الكلمات، باعتقادي كافية، لكي تجعل المحللين والمؤرخين يقفون على حقيقة موقف بورقيبة… لقد كان أبي، ومن خلال معرفتي الدقيقة به وبطريقة تفكيره وأخذه للأمور، يريد أن يكشف حقائق وحيثيات مؤامرة، جزء من المنخرطين فيها من المسؤولين والوزراء قاموا بها عن وعي وتدبير… وجزء منهم انخرطوا هكذا… لأنهم يعتقدون أن الأمور قد تسير في ذاك الاتجاه فلا يكونوا من المعارضين… وإلا كيف يمكن فهم تلك الجماهير التي اصطفّت كامل الطريق بين المطار والنزل في جربة، وهي تنادي بشعارات تطالب بالوحدة وتهتف بحياة بورقيبة (يحيا بورقيبة.. الوحدة… التونسية الليبية / الوحدة يا بورقيبة الوحدة…).
في الآن نفسه… كيف يمكن تفسير ذلك، ألا يعني أن كل الأمور وقع تنظيمها وترتيبها بدقة؟ أنا أقول إن بورقيبة، في اتفاقية جربة، تصرّف وكأنه أراد أن «يمشي لهم بهواهم» وربما كذلك بورقيبة خطا تلك الخطوة، في جربة، خوفا على تونس، ومن القذافي الذي كان يملك السلاح والمال…».
وهنا تستذكر هاجر مثلما يستذكر جيلنا وقتها، أبناء الاتفاقية التي أمضى عليها كل من بورقيبة والقذافي فقالت، عندما عاد أبي من جربة، سألته سؤال حيرة: «عندما يسألونني عن اسم بلدي… ماذا أقول؟ على اعتبار أن اسم تونس سوف يحذف من التسمية الجديدة للبلاد الجديدة التي تضم تونس وليبيا… وهنا أتذكر أن بورقيبة لم يضع كثيرا من الوقت حتى التفت اليّ وقال بلغة الواثق… وبتصميم وصرامة من يعي ما يفعل: «تونس أبد الدهر… تونس ما ثمّاش غيرها… يا بنتي» من هنا يمكن أن نفهم أن بورقيبة لم يخطئ بل أراد أن يعرف أعضاده أكثر… ولكن القول إن أمّي وبرجوعها من الخارج وعودة الوزير الاول الهادي نويرة من طهران، هما اللذان أثّرا في قرار التراجع عن الاتفاقية، هو تجنّ على بورقيبة وذكائه وتجنّ في حق أمّي التي لم تكن صانعة قرار، بقدر ما كانت هنا… تحمي مشروع بورقيبة… فهي مقتنعة به منذ النضال الوطني ضد الاستعمار… وسيلة كانت دوما تذكّره… لكن لا تقول لبورقيبة افعل كذا… أبدا… فهي من خلال المعلومات التي توفرها للزعيم والرئيس… كانت تحمي مشروعه.. لأنها مؤمنة به… أنا أقول عنها L’ange gardien (الملاك الحارس).. وبورقيبة تعجبه هذه الصفة في وسيلة… وكانت دائما محل حكايته لي….
في جربة، قالوا لبورقيبة «إن القذافي في جربة ويحب يشوفك» فلم يكن هناك بدّ من الذهاب…

اتفاقية جربة:

الجمهورية العربية الإسلامية، هو مشروع وحدة بين تونس وليبيا أعلن عنه في 12 جانفي 1974 بين الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة والرئيس الليبي السابق معمر القذافي. جاء إعلان الوحدة بصفة مفاجئة بعد انعقاد مقابلة للقائدين في جزيرة جربة إثر زيارة غير مبرمجة للقذافي. كان الاتفاق يقتضي بتولي بورقيبة منصب الرئيس، القذافي منصب نائب الرئيس، عبد السلام جلود منصب الوزير الأول ووزير الخارجية التونسي محمد المصمودي منصب نائب الوزير الأول. كان مقرراً أن يتم المصادقة على الاتفاق بعد إقامة استفتاء في البلدين، لكن أمام عدم ورود نص في الدستور التونسي حول إجراء استفتاء عام تم تأجيله. وقع في النهاية إبطال الاتفاق بعد رفضه من قبل عدد من السياسيين التونسيين على رأسهم الوزير الأول الهادي نويرة، وعدول بورقيبة عنه. أدى إلى إبطال الاتفاق وإلى توتر كبير في العلاقة بين بورقيبة والقذافي.

26 جانفي 1978: أزمـــة مـــركّبـــة… ولكـــن…

ما يزال الخيط الرابط بين كل القصص التي ترويها هاجر بورقيبة لـ«الشروق» في هذا الرّكن، يعكس علاقة الحب العميقة التي كانت تربط بورقيبة بالماجدة.
هي علاقة غير عادية لشخصيتين، تقول عنها الابنة هاجر بورقيبة، غير عاديتين أيضا… فهي شهدت سنوات العشق بين وسيلة وبورقيبة وكانت حاضرة على جلسات استذكار التاريخ، وكيف أن جزءا من حياة «الزوج الرئاسي» Le couple présidentiel كان موضوع حديث ورواية، خاصة من بورقيبة… هكذا تؤكد هاجر وهي تروي قصة الحب، بين وسيلة وبورقيبة، إن (وسيلة بورقيبة) لم تكن تمثل جناحا داخل السلطة أو النظام لأنها وببساطة هي مرافقة لبورقيبة… تؤمن بخياراته… وتعرفه ماذا يريد وماذا يرفض… «وأحيانا لا تفعل سوى تذكير بورقيبة بموقف معيّن من حالة معيّنة… انطلاقا من وجهة نظره هو.. لأن وسيلة هي أكثر شخصية عرفت كنه شخصية بورقيبة وأفكاره وطريقة تعامله مع الأحداث… والقول إن وسيلة في مرحلة أو في أخرى من تاريخ علاقتها ببورقيبة تصدر تعليمات أو هي توجه بورقيبة… يعدّ أمرا خاطئا… وهو تجنّ على الاثنين… على بورقيبة أولا لأن في ذلك مسّا من ذكائه الحادّ المعروف به، وكذلك على وسيلة التي تميّز بصفائها مع بورقيبة وصدقها معه… وهو يعرف هذا جيدا… وقد أمكن له أن «يختبرها» إن شئنا… وعرف أنها شخصية مميزة… وهي سنده ومحلّ ثقته».
كانت هاجر تتحدث عن هذه السلوكيات والضوابط في علاقة أبيها وأمها، لتخلص إلى كشف كواليس وأخبار ومواقف تقال لأول مرة… ونحن في هذه الحلقة، نتناول الوضع في تونس الذي أدى إلى انفجار 26 جانفي 1978 وما يعنيه من علاقة «القصر» بالاتحاد العام التونسي للشغل، وأي دور لوسيلة بورقيبة في تهدئة الأمور أو في دفعها نحو الأزمة…
تقول ابنة بورقيبة التي كانت في علاقة لصيقة مع كل من أمها وأبيها إن الأجواء داخل القصر أيام الأزمة بين الحكومة والحزب الحاكم من جهة والاتحاد العام التونسي للشغل، كانت مرعبة… أذكر أننا عشنا وضعية الرعب… وأذكر أن بورقيبة كان يقول لهم: حافظوا على أرواح النّاس… لم يعط بورقيبة تعليمات بإطلاق النّار… وكما كان الوضع متوترا في الشارع كنّا نعيشه كذلك في القصر… سألت هاجر عن سبب توصيفها هذا، وكيف عاشت هذه الأحداث، وطريقة اتخاذ القرارات تجاه الأزمة، فقالت: كانت وسيلة تعلم أن هناك شيئا يحدث… ولكنها لم تكن على علم من الذي يمسك بالخيط… إذ العملية برمتها كانت عبارة عن تطورات وأحداث غير مترابطة، لكنها تلتقي وتتقاطع لتكوّن الأزمة.
ثم تضيف هاجر انها كانت تتذكّر أن أحداث 26 جانفي 1978، وكانت سنة الباكالوريا بالنسبة لها، كانت تتذكّر أجواء «غصرة» ورعب… وكنت أحسّ أن أمي كانت تبحث من أين أتت الأزمة… الأكيد أنها استشعرت أن في الأمر مؤامرة… فقد كان هناك أمر غامض… لم تكن تستطيع وسيلة أن تمنع ذلك… لأنها استشعرت ـ كما قلت ـ المؤامرة… لكن ممّن؟ هذا ما لم تكن تعرفه… كانت وسيلة تبحث عن السند ومن أين يأتي… وتبحث عن «الضربة» ومن أين تأتي… الآن، وبعد مرور الزمن والتاريخ، وانطلاقا من بعض الشهادات التي تضمّنتها كتب بدأت تتوضّح بعض الأمور… فقد كان الأشخاص… أو البعض منهم ممّن كانوا منخرطين في المؤامرة… هم الذين سنراهم لاحقا… في 7 نوفمبر 1987… أي بعد تسع سنوات».

محاكمة النقابيين… كانت أمرا ضروريا لتحديد المسؤوليات:

26 جانفي 1978 كان زلزالا بأتم معنى الكلمة… صدام وتصادم بين الحكومة والاتحاد… تقول هاجر بورقيبة، إنه مفتعل وإنه جاء وفق مؤامرة… مازالت ابنة بورقيبة ووسيلة، تصرّ أنه حلقة من سيناريو الانقلاب.
كيف يمكن الاعتقاد في هكذا تحليل؟ عن هذا السؤال تقول هاجر، إنها ومن حيث التذكّر لما حدث، فإن ذاكرتها تشهد بأن الأمر كان كما الزلزال، وأن الأزمة، عندما تنظر الى ترابط أحداثها وتطوراتها، تعي أشخاصا، كانوا حاضرين في محطات حاول فيها أطراف الاطاحة بالحكم… تقرّ هاجر بورقيبة، بأن وسيلة كانت تعي جيدا أن علاقة بورقيبة بالحبيب عاشور الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل وقتها، كانت علاقة متميّزة… وهي تضيف أن بورقيبة ما فتئ يوصي الوزير الأول الهادي نويرة، بالتفاوض مع الاتحاد من ناحية، ولكنه كان يوصيه بألاّ يفوّت في المؤسسات العمومية نحو الخوصصة، إلا بشرط أن يكون القرار بيد الدولة، وبالتالي فإن ذلك يتطلب أن تكون الدولة المالك الأغلبي لأن فلسفة بورقيبة في الحكم، التي لم يكشف عنها بالقدر الكافي، هي أن تكون الدولة التونسية مؤسسة قوية.
وهنا توضّح هاجر بالقول إن أبي ليس من مناصري الليبرالية الاقتصادية التي تجعل الفرد يملك أغلبية الأسهم في مؤسسة، فيكون القرار السيادي في خطر… من جهة أخرى تقول ابنة الرئيس بورقيبة، إن أزمة جانفي 1978، جاءت بشكل فيه الكثير من الاشاعة لبثّ سموم الفرقة والتناحر بين حكومة نويرة والاتحاد بقيادة عاشور.
وقد يكون حسب التحليل المنطقي، أن يكون الطرف الذي أراد أن يستفيد من هكذا خلاف، قد أعطى المعلومة المسمومة لهذا وذاك في نفس الوقت… من قبيل أن نويرة يريد مكروها بعاشور وأن عاشور يريد أن يتخلّص من نويرة… ذلك أن القول بأن الأزمة التي بدأت تحتدّ في ديسمبر 1977، وبلغت أوجها من الرعب والخطورة يوم 26 جانفي 1978، أساسها مطلبي، فهذا غير صحيح، بدليل ان الزيادات المتّفق عليها بدعم من بورقيبة نفسه تمت قبل اندلاع الأزمة…
وتضيف هاجر بورقيبة، إنه وبرصد بسيط للأحداث ومن خلال استعراض يوميات الأزمة، فإننا سنفق بالضرورة على لعبة خفية، أصبح اليوم من باب القناعة القول ان بن علي كان محرّكها مرّة أخرى…
وعن علاقة وسيلة بكل من نويرة وعاشور، تؤكد هاجر بورقيبة، إن الهادي نويرة لم يكن على وفاق مع وسيلة… وأن الحبيب عاشور هو الأقرب لها، ولكن قد يكون الطرف الثالث الذي دخل على الخط وأمّن نوعا من التجاذب الذي يتجه نحو أزمة جانفي 1978، قد صوّر للهادي نويرة أن الحبيب عاشور يمكن أن يكون «الخليفة» على رأس الدولة… أو الحكومة.
وهنا تؤكد هاجر، أن القصر الجمهوري، إبان الأزمة، كان يشوبه الغموض… وكنت أسمع أبي يوصي المسؤول بالمحافظة على أرواح النّاس… وكذلك الأمر بالنسبة لأمي، فقد كانت وسيلة لها نفس توجهات بورقيبة… فأبي كان مع الشعب وأن الديمقراطية بالنسبة له هي الارتكاز على الجمهور أي الجمهورية التي تعني حكم الشعب وسيادة الشعب، وأن التعددية الحزبية بالنسبة له، ليست هي الضامنة للديمقراطية… لكن بورقيبة وكما ذكرت سابقا كان يخشى من أن يتحوّل الحزب إلى ماكينة… وهو يعتقد انه إذا تحوّل الى «ماكينة» appareil سوف يقتل الدولة.. فهو يرفض العصبية… ويرفض الايديولوجيا.
بالرجوع الى خفايا 26 جانفي 1978 تقول هاجر بورقيبة، ان الأحداث تطوّرت بطريقة دراماتيكية عندما وصل الأمر الى سقوط ضحايا وكذلك ما تم من عمليات انفلات وتكسير ونهب واعتداء على المدارس والمعاهد، من خلال الحرق والتكسير… (علما أن 26 جانفي 1978 جاء وسط عطلة الشتاء المدرسية والجامعية) وأمام هذه الفوضى كان لابدّ من تحمّل المسؤوليات ومن هنا جاءت قضية المحاكمة..
محاكمة القيادة النقابية… لكن لابدّ، تواصل هاجر القول، من وضع أسئلة حيرة بخصوص بعض المعطيات… من ضمنها: لماذا يكلّف بن علي بعد أحداث جانفي 1978 والتي كان له ضلع خفي فيها بمهمة في بولونيا ذات طابع عسكري؟

هذه القصة الحقيقية للرئاسة مدى الحياة:

لم تكن محطات السبعينات ذات الطابع السياسي الوطني والاجتماعي والاقليمي في غير علاقة ببعضها البعض… وهنا ترى هاجر بورقيبة ان هناك ظاهرة التأثير والتأثر التي تكسو الأحداث المعنية.
الرئاسة مدى الحياة هي محطة مرتبطة بتطوّرات الوضع في تونس… ذلك ان بورقيبة لم يفكّر في السلطة من باب امتيازات تؤمنها… بل فلسفته في السلطة والحكم كانت دوما ترتكز على مبدأ خوفه على تونس… وقد يكون أبي تأثر كثيرا قبل أشهر من مؤتمر الوضوح للحزب الاشتراكي الدستوري الذي ناشد بورقيبة رئيسا مدى الحياة، عندما عاين بنفسه وعن طريق الراديو كيف كان القذافي يخطب كما يريد دون ان يجد من بين وزراء بورقيبة من يوقفه… وقد تناولنا ذلك في حلقة فائتة.
وتضيف هاجر بورقيبة ان اعلان مؤتمر الحزب، بورقيبة رئيسا مدى الحياة لم يكن أمرا محضّرا من قبل بورقيبة ولا حتى وسيلة كانت على علم… بمرور الزمن قد يمكن فهم ان هناك لعبة أو مؤامرة قدّت «تحت الطاولة»… لكن ثقي ان بورقيبة لم يفكّر في هذه المسألة… وهي ضد أفكاره أصلا. إذا كانت ستؤخذ من منظار أنه يتشبّث بالسلطة… وكما ذكرت فلقد تأثّر «بابا» كثيرا لخطاب القذافي وطريقة إلقائه هذا الخطاب… واعتقد بورقيبة ان أي أحد يمكن ان ينال من هيبة تونس… دون ان يحرّك أحد منهم ساكنا… أذكر أن أبي كان مأخوذا بالتفكير في تونس… كان يعبّر عن إنشغاله بوضع تونس من بعده… وهذا الانشغال لم يعبّر عنه في البيت أمامي فقط بل كان موضوع بعض الخطب للشعب… وكان بورقيبة يشدّد على أن يتحاور المسؤولون في ما بينهم والحوار الوطني يتم في قرطاج… وكان هو فوق الجميع يدير هذا الوضع ويحاول أن يجعلهم متماسكين لأن تونس بحاجة الى ذلك… وكان دائما يقول للوزراء وللمسؤولين في الحزب الذين كانوا مختلفين «تفاهموا بيناتكم»… وكان دوره دور الوسيط… أما أمي فقد واصلت أيضا دورها المحاذي والمساند لبورقيبة… ولم تكن تتدخل في شؤون الحكم… كما يشاع.
وتقول هاجر بورقيبة أن الدليل الذي يجعلها متأكدة من هذه الحقيقة ان مسألة الرئاسة مدى الحياة قدّمت لبورقيبة في توقيت صعب… لأنني متأكدة ان بورقيبة كان يعيش على وقع المؤامرة المستمرة أو الدائمة وهنا اعتقد ان قبول بورقيبة بالرئاسة مدى الحياة التي انطلقت من مؤتمر الحزب (مؤتمر الوضوح) لأنه كان يرى أو يسجل نوعا من الهشاشة في تونس… لم يكن يرى من يستطيع ان يؤمّن الحكم ولم يكن يرى شخصية زعامتية (كاريزمانية) واحدة من بين من هم حوله… بورقيبة ليست له حسابات في السلطة أو تجاهها… وأمي لم يتعد دورها دور الذي يرافق ويذكّر… ولم تكن تخرج عن فلسفة بورقيبة لا في شؤون الحكم ولا كذلك في ما يخص التعيينات او التوجهات العامة… وأنا اعتقد ان الرسالة التي يمكن استخلاصها من تضمين الدستور وبشكل استثنائي بأن بورقيبة هو رئيس تونس مدى الحياة لم تكن من ورائها نية ادامة الحكم أو ضرب مبدإ الجمهورية، بقدر ما كانت الاشارة أن يكون بورقيبة رئيسا تاريخيا وشرفيا بما أنه مكّن نويرة ـ الوزير الاول ـ من صلاحيات السلطة التنفيذية… بورقيبة كان مرجعا للجميع… وهنا يمكن التأكيد ان النص في الدستور كان نتيجة تفكير وتمحيص من أجل ألا يكون سابقة أو فقه قضاء يمكن أن يعاد مع غير بورقيبة، فقد أكد النص القانوني على الصبغة الاستثنائية والفريدة… وهي عبارة عن شهادة من الشعب تجاه زعيمه… وهذا أمر بعيد عن الحسابات الضيقة من أجل السلطة او ادامتها بين أيدي بورقيبة… وكذلك بقطع النظر عمّن خطط للأمر من أجل مآرب خاصة ليس لبورقيبة ولا لوسيلة شأنا فيها… وبالمناسبة أذكر هنا بأن بعد التنصيص على الرئاسة مدى الحياة، أضحى الوزير الاول هو المسؤول عن السلطة التنفيذية، وهو يقدّم التقرير الحكومي الى بورقيبة على أن يتم اختيار الوزراء على أساس نتائج الانتخابات داخل الحزب حتى تترجم ارادة الشعب واختياراته… لقد كان أبي يقول دوما وفي كل محطة أزمة، انه يبحث عن حل… خاصة وهو يرى صحته تتراجع وان كل أزمة تجعل تونس ضعيفة وربما فريسة.. للبعض… لقد كان بورقيبة ـ تواصل هاجر ـ يعي حجم مسؤوليته التاريخية كزعيم موحد ومانع لوضعية الانهيار… عن تونس… لكن المتآمرين والأفاّقين، تمكّنوا منذ الرئاسة مدى الحياة من تنفيذ أهم مخططاتهم وآخر هذه المخططات ما أمكن أن يأتي ببن علي وزيرا أول… بما ان الجزء الثاني من الفصل المذكور ينص على كيفية تعيين الوزير الاول…

تواريخ:

ـ 25 جويلية 1957 إعلان الجمهورية كنظام لتونس
ـ 1 جويلية 1959 صدر أول دستور لتونس بعد أشغال المجلس القومي التأسيسي التي دامت ثلاث سنوات.
ـ سبتمبر 1974 مؤتمر «الوضوح» للحزب الاشتراكي الدستوري عقد بالمنستير وأقرّ الرئاسة مدى الحياة لبورقيبة.
ـ 19 مارس 1975 صدور قانون دستوري عدد 75ـ13، وينصّ على أن الحبيب بورقيبة هو رئيس تونس مدى الحياة.

بورقيبة لم يأمر بتزوير انتخابات 1981:

هاجر بورقيبة، تتحول الى مواكبة وملاحظة وأيضا مستمعة لما يحدث… انتهت سنوات السبعينات بكل «المؤامرات» و«الدسائس» التي تقول عنها ابنة الرئيس بورقيبة إنها كانت متواصلة…
انتخابات 1981 حام حولها كثير من اللغو… وقال مسؤولون عايشوا المرحلة وقتها إن الصندوق تعرّض الى التزوير… ولكن كيف عاشت هاجر بورقيبة هذه الفترة وهذا الحدث، وكيف كانت المواقف داخل البيت، أي تلك النابعة عن بورقيبة ووسيلة؟
تؤكد هاجر بالقول إن فلسفة بورقيبة في مسألة الديمقراطية لا تعني تطبيق الطريقة التي تمّت في الغرب، ذلك أن الديمقراطية الليبرالية la démocratie libérale ارتكزت في الغرب على تجارب ذاتية خاصة بهذه البلدان التي عرفت الصناعة والتطور ورأس المال… «وبورقيبة يخشى من سطوة المال على الأحزاب… وأن التعددية يراها نوعا من التنافس باتجاه تدعيم سلطة الشعب وليس سلطة المال أو الحزب… بورقيبة كان ينظر الي المختلفين في الآراء والتوجهات كلهم أبناؤه… وتأكيدا لذلك، فإن حركة الديمقراطيين الاشتراكيين برموزها أحمد المستيري وحسيب بن عمّار وغيرهما، كانت خرجت من صلب الحزب الاشتراكي الدستوري.. وبالتالي فإن بورقيبة كان يعتبر نفسه فوق الجميع… وأن أحزاب المعارضة مثل «ح.د.ش» لم تكن معارضة للفكر البورقيبي بقدر ما كانت تعبّر عن توجه من داخل الحزب الحاكم، وأن الرئيس كان يعتبر أن في الأمر تنافسا يمكن أن يؤدي الي تداول على السلطة» وهنا ترى محدثتي أن (الرئيس بورقيبة) لم يقل للمسؤولين عن الانتخابات، زيّفوا الصندوق… «أبدا… فهذا غير وارد… للأسباب التي ذكرتها… وسيلة لا أعتقد أنها تتدخل في هكذا قصص… وأذكر أن بورقيبة، وعندما قدموا له المعلومة أن «ح.د.ش» تتقدم، على حساب الحزب الاشتراكي الدستوري، توجّه الى من قدّم له المعلومة، باللّوم، قائلا لهم «تقدمهم يعني أنكم أنتم أخفقتم في مخاطبة الناس… يعني أنكم جانبتم طريقة بورقيبة في الاتصال المباشر بالشعب… وفي خدمته… لقد كان الشغل الشاغل لبورقيبة، كيف سيكون حال تونس ما بعده… كان يخشى من أن تمسّ المبادئ الكبرى مثل حقوق المرأة ودولة القانون وتحول الحزب الى ماكينة… أو تغيير منوال التنمية الذي لا يخدم الشعب بل يخدم رأس المال…» وتضيف هاجر بورقيبة التي لم تكن بين الأسرة في 1981 لأنها كانت تزاول تعليمها بالجامعة بالمنستير، إنه «لو افترضنا جدلا أن مسؤولا في الدولة يأتي ويعلم بورقيبة بنتائج ليست في صالح الحزب الاشتراكي الدستوري، فإن ذلك يعني أن صاحب القول يقدم الأمور والوضع من منظاره هو حتى لا يغضب عليهم بورقيبة، ولكن الحقيقة الى الآن لم يقل أحد من المسؤولين أن بورقيبة قال له زيّفوا الانتخابات، لأنني على قناعة أن بورقيبة كان يقول لهم: لو أنكم دافعتم عن القناعات الحقيقية التي يتشبث بها الشعب لما حصل ذلك… وها نحن اليوم نرى كتب هؤلاء الزعماء الذين كانوا في تلك الفترة في الحزب أو التيار المعارض، كلهم يتحدثون عن أن بورقيبة هو فوق كل التجاذبات… وهم اليوم ينادون بورقيبة (الفكر) والتوجّه، استغاثة به… لم يكن بورقيبة بأي حال من الأحوال داخل دائرة اللعبة… ولم تكن وسيلة بورقيبة، وقتها سوى المنبّه لما يمكن أن يحصل، نظرا الى أنها كما قلنا سابقا، تتولّى إسناد بورقيبة وفكره، لأنها كانت ترى تطورات المؤامرة تعلو وتنخفض في كل مرحلة…

انتخابات رئاسية وتشريعية:

في 8 نوفمبر 1959، نظمت الانتخابات الرئاسية والتشريعية وتم الاعلان بعدها عن فوز بورقيبة بالرئاسة بنسبة 78.99 في المئة، في حين فازت الجبهة الوطنية بجميع مقاعد مجلس الأمة. وبعد خمسة اعوام بالتمام والكمال، شهدت تونس انتخابات رئاسية وتشريعية فاز المترشح الوحيد للرئاسة الحبيب بورقيبة بنسبة 80.99 في المئة من الاصوات. وحصل الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، بعد تغيير اسمه، على جميع المقاعد النيابية وللمرة الثالثة، فاز بورقيبة في انتخابات 2 نوفمبر 1969 فاز مرشحو حزبه بجميع المقاعد في مجلس الامة. وتكرر المشهد ذاته في انتخابات 3 نوفمبر 1974.
حيث فاز بورقيبة، المترشح الوحيد، بمنصب الرئاسة، فيما حصد مرشحو حزبه جميع المقاعد. وفي 18 مارس 1975 وتنفيذا لمقررات الحزب، قرر مجلس الامة، وبصفة استثنائية، اسناد رئاسة الجمهورية مدى الحياة إلى بورقيبة. وشهدت تونس ثلاثة انتخابات تشريعية اخرى في ظل رئاسة بورقيبة في 4 نوفمبر 1979 و1 نوفمبر 1981 و2 نوفمبر 1986. وآلت جميع المقاعد إلى الحزب الاشتراكي الدستوري.

3 جانفي 1984: بورقيبة أفشل المؤامرة

بدأت الدسائس تنكشف عبر القصر وخارجه، وبدأت الأسماء تتواتر بحدّة، لخلافة بورقيبة… بعد انتخابات 1981… تمرّ تونس نحو أزمة أخرى ترى هاجر أن الصراع على الخلافة كان محورها…
تقول هاجر بورقيبة، وقد كانت في هذه الفترة العصيبة التي تسبق طلاق وسيلة من بورقيبة… وبروز ما يسمّى بأزمة الخلافة، بشكل حاد، إن خروج الهادي نويرة من الحكم، لم يوقف التجاذبات… التي ستؤدي الى إماطة اللثام عن المجموعة التي هيّأت الانقلاب على الحكم… وعلى شخص بورقيبة.
كان أبي يوصي الهادي نويرة، وهو يعتمد سياسة الخوصصة، بأن لا يمسّ الطاقة الشرائية للتونسيين، ولا يجعل رأس المال هو المتحكّم في مصائر الناس… كما أن عملية التفويت في المؤسسات العامة، أرادها بورقيبة أن لا تقلّل من سلطة وهيبة ا لدولة، بحيث أن الدولة حسب بورقيبة لا بدّ أن يكون نصيبها من الأسهم هو الأعلى…
كنت في الخارج أواصل تعليمي عندما حدث ما حدث يوم 3 جانفي 1984، فقد بدأت المجموعة تصفّي بعضها البعض وبدأ الصراع على أشدّه، وأذكر أن أبي كان صادقا في المسألة الاجتماعية وكان يوصي الوزير الأول بأن يكون التفاوض والحوار الوطني هو الأساس في تناول ملفات الزيادات في الأجور، مع الاتحاد العام التونسي للشغل…
وكانت أمّي التي بدأت تستشعر فعليا خطر المؤامرة، وهذه المرة بشكل أكثر وضوحا من المرّات السابقة، كانت تتخذ نفس الموقف وتلعب نفس الدور الذي يفطّن بورقيبة على حقائق معيّنة… وهي دائما تنطلق من ذاك الرصيد من الثقة الذي يمنحها إياه أبي… وكانت تعي جيدا مرامي بعض الأشخاص وبعض المسؤولين وأهدافهم… وهنا أذكر أن عبد اللّه فرحات كان قد أشار الى أبي، فترة الأزمة، بأن تلازم زوجته (وسيلة الصمت) وأن لا تتدخل…
وكان هذا الموقف لا يعني أن أمّي تتدخل مباشرة أو وفق خطّ معين في شؤون الحكم، بل كانت كما قلنا سابقا، العين السّاهرة التي من شدّة معرفتها ببورقيبة ونواياه وطريقته في التعامل مع شعبه، كانت حريصة على تقديم المعلومة له… فمثلا حضرت أكثر من مرّة تنبئ فيها أمي بورقيبة، حول مسألة أو خبر، فيطالعها بسؤال: وهل أنت متأكدة؟ فتقول له: أعطني مهلة لأتثبّت من الأمر… فإذا بها تجمع المعلومات بتأنّ… ثم تقول له إن كان الأمر صحيحا أم في المسألة خطأ…
سنة 1984، أعرف جيدا أن المسألة لم تكن مرتبطة بغلاء سعر الخبز (الذي أصبح الضعف ونصفا) بل كان الأمر مرتبطا بمؤامرة متعددة الأطراف… بل وفيها تصفية حسابات أيضا… فنحن نذكر أن الأزمة طالت من جديد الاتحاد العام التونسي للشغل… وعاودت القيادة الدخول الى السجن بعد هذه الأحداث، كما أن بورقيبة لم يكن ليوافق على الزيادة المشطة في ثمن الخبزة… فالخبز، هو يعلم جيدا وأمّي كذلك، أن فيه جانبا اعتباريا…
وهنا، تضيف هاجر، ان تدخل بورقيبة، بتلك الطريقة وإعادة ثمن الخبزة الى ما كانت عليه تبعته قرارات من الرئيس سوف تدفع باتجاه كشف المؤامرة تقول هاجر…
وقد جاء دور إبعاد وسيلة…هذه البوصلة التي تعرقل في كل مرة تنفيذ الانقلاب والمؤامرة.

المخطط I: إبعاد وسيلة عن بورقيبة… بكل السبل

لم تعد وسيلة بورقيبة قادرة على صد المؤامرات والدسائس، التي تقول هاجر بورقيبة ان أمها كانت تستشعرها قبل ان تقع… وكانت وسيلة انطلاقا من معرفتها ببورقيبة تتصرف من باب الحرص على درء الانقلاب.
“عندما قالت أمي لأبي (بورقيبة) إن الجيش مكانه الثكنات… كانت تذكّره بما كان يراه ويعتقده فعلا… فبورقيبة يعتقد فعليا في الدولة المدنية كانت هاجر تقول هذا الكلام وهي تتحدث عن علاقة وسيلة ببن علي، اذ لم تكن مطمئنة له… ولا لمن أتى به لكي يصبح مسؤولا في الداخلية… وسيلة تصدّت أكثر من مرة الى تعيين بن علي في مناصب متقدمة بالدولة… فقد كانت لها الحاسة السادسة، وبورقيبة يعرف فيها هذا الأمر… وبعد ان عاد من بولونيا وحدث ما حدث في 1984 بدأ العدّ العكسي وكان ضروريا لكي ينجح مخطط بن علي ومن معه أن تزاح وسيلة من دائرة بورقيبة… بالمقابل بدأت أمي (وسيلة) تتعب صحيا… وبدأت تستشعر الخطر هذه المرة وتحوّلت تلك المرأة الشجاعة التي تحمّلت ما تحمّلت من أجل بورقيبة ومن أجل ان يطبّق فكره ونظرته للدولة المدنية. أصبحت خائفة على حياتها أصلا”.
وهنا وبعد ان استفسرت هاجر عن هذا الامر واصلت الحديث: “هناك بعض المؤشرات التي فهمت منها أمي، انها قد تكون معرّضة للتصفية… قد تكون الجماعة نوت قتلها ثم يقال إنها ماتت ميتة طبيعية… وينتهي الأمر… لهذا أصبحت أمي (وسيلة) تقيم نهارا في قصر قرطاج ولا تنام فيه… ولا تأكل ولا تشرب شيئا بالقصر الا عندما تصل الى قصر السعادة بالمرسى… حيث كانت وسيلة ترجع مساء لتنام… كنت في خضمّ هذه الايام العصيبة في باريس متزوجة وأشتغل أستاذة رياضيات كما قلت لك من قبل وكنت منشغلة بوضع أمي وكذلك أبي”.
وهنا تكشف هاجر النقاب عن بعض التفاصيل التي سبقت تطليق وسيلة من بورقيبة فقالت: “أمي تعبت والذين كانوا يخططون للانقضاض على السلطة عملوا على عديد الجبهات… هم أضعفوا بورقيبة… وحيّروه… جعلوه يأخذ قرارات لم يكن يؤمن بجدواها… وأبعدوا عنه وسيلة التي كانت بمثابة البوصلة او المفكّرة تذكّره بمواقفه التي أراد منه هؤلاء ان ينساها بعامل الكبر.
وهنا أذكر أنني لما نزلت الى تونس في أكتوبر 1985 وجدت الاجواء غير مستقرة… أذكر ان بورقيبة كان فرحا بابني الثاني (اختارت له هاجر اسم علي على اسم والد بورقيبة) والتقطت لنا صور… وكان مسرورا بنا ضيوفا عنده… وجدت أمي قد تمكّن منها التعب… ولكن عدت ثانية في ربيع 1986 وتحديدا في شهر مارس بدأت الأمور تتسارع نحو التبدل وأحسست أن أمي محتاطة أكثر من ذي قبل وأبي بدأ يأخذ منه العمر مأخذه… أذكر أننا ولما ذهبنا سويا الى نفطة تحوّلت أمي الى منطلقة حيث أحسّت أنها أكثر حرية في نفطة… وكانت علامات الارتياح تبدو عليها بمجرد ان غادرت قصر قرطاج والذي تبيّنت حقائق التنصّت وشبكات الاستخبارات متعددة المشارب في ما بعد… أي بعد 23 سنة من حكم بن علي..
وهنا تؤكد هاجر وعبر المعلومة، وبدون أن تذكر أسماء، أن أطرافا وأسماء عديدة قد شاركت في المؤامرة التي تعرض لها “الزوج الرئاسي” Le couple présidentiel من الطلاق إلى الانقلاب… وهي تشدّد، وعبر التعيينات التي تمّت قبل 7 نوفمبر 1987، أن عديد الأسماء ممن تعودت على القول إنها مع بورقيبة ضد بن علي، نجدها تمتّعت بامتيازات التسمية… حيث عملت في خندق ودائرة بن علي ونفذت جزءا أو أجزاء من مخطّطه، إما بمعرفة ودراية أو عن جهل… وهذا الأمر الثاني تستبعده هاجر…
وتضيف ابنة الرئيس بورقيبة، إنها أحست ربيع 1985 ولما سافرت لقضاء عطلة الربيع في نفطة (الواحة بالجنوب الغربي) مع وسيلة وبورقيبة… أحسّت أن هناك من يخلق السبّب ويهيئ الظروف، حتى يجعلون بورقيبة يقدم على قرارات خطيرة (ربّما)… حتى يبرّروا في ما بعد انقضاضهم على السلطة.

بورقيبة عاش آخر أيامه ينتظر قدوم وسيلة:

تمكنت الجماعة من انجاز المخطط الرئيسي المتمثل في ابعاد وسيلة عن القصر… وعن حياة بورقيبة… لم تعد الماجدة قادرة على التصدي الى مؤامراتهم ولا الى مخططاتهم التي كانت ستنال من حياتها أصلا…
هكذا وضعت هاجر بورقيبة الاطار والحيثيات التي حفّت بنهاية القصة بين بورقيبة ووسيلة… نهاية جعلت بعض اللاعبين السياسيين بداية النصف الثاني لسنوات الثمانين من القرن الماضي يطلّون برؤوسهم من جديد، بعد ان غادروا القصر وابتعدوا عن الرئيس بورقيبة بمجرد زواجه من وسيلة سنة 1962… تقول هاجر إن رحلة العمر الفعلية «التي جمعت أبي وأمي، كانت رحلة غير عادية… ورباط غير عادي بين شخصيتين غير عادية، الواحدة كما الأخرى.» بعد ان أضحت وسيلة منقطعة عن قصر قرطاج… لا تأكل ولا تنام فيه، وهي تقطع مع هذا التصرف عندما يتوجه «الزوج الرئاسي» الى المنستير أو الى نفطة… بحيث تبقى وسيلة مع بورقيبة كلما غادر قصر قرطاج… هذا تتالت الأحداث ابتداء من سنة 1985… وبداية 1986…
ما أمكن لهاجر معرفته من دقائق الامور كان انطلاقا من تلك الجلسات واللقاءات مع الأب والأم اللذين كانت علاقتهما تتعرض الى عاصفة شديدة… سوف تنتهي بالانفصال…
تتذكر هاجر بورقيبة سرعة تطور الأحداث نحو الأسوإ، عندما كثرت الدسائس والبرامج والأقاويل داخل القصر… وهنا تقول: في 3 أوت 1986 ذهبت أنا وابني وزوجي الى المنستير لأزور أبي (بورقيبة) لأقضّي جزءا من العطلة الصيفية بقربه… كان أبي في غاية السرور… وكان يحدّثني عما يجري، مبديا اصراره لكي أبقى الى جانبه وكأنه يصرخ طالبا النجدة او الاغاثة… وكان خلال تلك الزيارة، يؤكّد عليّ كي أبقى بجانبه… بل كي أجلس إلى جانبه، وكان لافتا أنّ الحرّاس الشخصيين للرئيس (بورقيبة) وبعض المرافقين له، يحاولون منعي أو إبعادي عن بورقيبة… من خلال الإشارة إلى أن مكاني هناك… بعيدا عن بورقيبة… وذلك حتى لا أكون قريبة من أبي علّه يحدثني عن أمر لا يريدون أن أعلم به، خاصة أني كنت أعيش في الخارج، وكان أبي أمام هذا المشهد، يصرّ ويلحّ كي أجلس إلى جانبه… وفي يوم آخر، من أيام تلك الزيارة، وعندما ناداني أبي لألتحق به في غرفته، تجرّأ أحد الحراس ومنعني من الدخول… لطمت وجهي وصرخت وبكيت… ولكن الحراس تأسّفوا وكانوا مجبرين على تنفيذ أوامر رئيسهم ـ زين العابدين بن علي ـ وهنا فهمت، ويمكن أن نفهم أنني أصبحت مقلقة… وأسببّ إحراجا للبعض…
وكانوا يخشون من أن أسقط مشاريعهم في الماء… خاصة بما يهم الطلاق بين وسيلة وبورقيبة… الذي لم يكن طلاقا قانونيا…»، سألت هاجر بورقيبة التي بدأ التأثر باديا عليها: ماذا تقصدين بالطلاق غير القانوني؟ قالت: أقصد أن عملية الطلاق لم تستوف مراحلها شكليّا… وكان أبي، وبحضوري إلى جانبه يستعيد ذاكرته… ويكون أكثر يقظة وتفطّنا…
وبوجودي إلى جانبه، كانت فرصهم تتناقص في جعل أبي ضحية بين أيديهم… كان أبي يحس بالوحدة، أكثر فأكثر، بل كان يعاني من العزلة… ولم يكن سوى رهينة لديهم…
كانت تلك الأيام، أوت 1986 آخر مرة رأيت فيها أبي… إلى أن عاد إلى المنستير أشهرا بعد حدوث 7 نوفمبر 1987…
بدت العلاقة بين بورقيبة ووسيلة كما علاقة الرئيس الشيخ بشعبه… عزلة هذا وعزلة ذاك… وكنت عندما أتوجه إلى المنستير، وكان بقصر سقانص يقيم، ألاقي صعوبات الدنيا أمامي… ولكني كنت أصرّ… على ملاقاته… كان الحراس والمرافقون يفعلون كل ما في إمكانهم حتى يعرقلوا لقائي بأبي… أذكر أنه ولما رآني في احدى المرّات كان يشتكي من هؤلاء دون أن يسمّيهم حين قال لي: وضعوا لي زوج ابنتي في السجن… وكان يقصد زوج أختي نائلة، توفيق الترجمان… والحقيقة كانت هذه الضربة الموجعة لأمي… حيث بدأ الخطر الداهم من خلال هذه العملية… وكان أبي وعندما أكون إلى جانبه يشتكي إليّ… من مثل هذه التصرفات…
هل كان يسألك عن وسيلة؟ قالت: كثيرا… كنت وكلما أطللت برأسي عليه، أزوره، يقول لي: هاجر… هل قدمت معك أمّك؟ هل ستحدثين المفاجأة وتكشفين عنها؟ وكنت في كل مرة أحاول أن أهوّن عليه كربه… كنت أجلس إليه وأحادثه… ويعيد مرات على مسامعي بعض التوضيحات أو المواقف، لكن بورقيبة لم ينس وسيلة… ولم يكن مصدّقا أنهما انفصلا بالطلاق… من جهتها كانت مثقلة بالتعب… تعب الأيام والسنوات… لم تتمنّ أمي مثل تلك النهاية لأبي… وشخصيا كنت أتمنى أن يبقى بورقيبة رئيسا شرفيا للبلاد… ومرجعا لمن يأتي من بعده… وهنا تضيف هاجر بكل مرارة، كيف كان حال بورقيبة عندما علم بوفاة وسيلة، وقد كان يفصل بين تاريخي وفاتهما أشهر… قدمت له النّبأ… فكان يبكي بحرقة وحزن… ولم يزل هكذا حتى توفّاه المولى…
تقول هاجر بورقيبة إن الكثير من الظلم لحق هذه العلاقة الاستثنائية، وما أكدته طوال هذه الحلقات، هو أن العلاقة بين بورقيبة ووسيلة هي علاقة استثنائية… لشخصيتين استثنائيتين…

 

فاطمة بن عبد اللّه الكرّاي

 

المصدر: الشروق،من 17 أفريل إلى 30 أفريل و من 01 ماي إلى 09 ماي 2014، ص 4.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق