تونسرأي

تونس: تداعيات التداين الخارجي على الاقتصاد

 

 

 

تعيش تونس على وقع التظاهرات الوطنية حول التشغيل والخيارات الاقتصادية والاجتماعية قصد تحديد ملامح استراتيجية التنمية والخطوط العامة للمخطط الخماسي 2020/2016 الذي ننتظر منه الإقلاع بتونس نحو مزيد من الازدهار والتنمية بعد سنوات الجفاف الاقتصادي والمالي الذي عاشته الحكومات المتعاقبة بعد الثورة والصعوبات الظرفية التي لا تزال تعاني منها مؤسّساتنا الوطنية وغلاء المعيشة التي يتذمر منها المواطن والمحيط العام للبلاد الذي يتسم بالتشنج والإرهاب والتهريب والاحتكار للثروة من طرف عدد من أصحاب رؤوس الأموال الذي جعلوا من التجارة الموازية مطية لتحقيق الثراء الفاحش على حساب غالبية الشعب الذي تفشت فيه البطالة والفقر.

في ظل هذا الوضع المتغير الذي يسوده الإرهاب والذي ينذر بالتفجّر في حالة عدم توفير الشغل للشباب العاطل عن العمل ودفع الاستثمار الخاص والعام في الجهات المحرومة من البلاد تسعى حكومة الصيد لإيجاد الحلول المناسبة للخروج من الأزمة المتواصلة على المستوى الاقتصادي بتشريك القوى الحية في البلاد وتعبئة الموارد الداخلية والخارجية.

وإثر المنتدى الوطني للاستثمار المنعقد نهاية شهر فيفري الماضي والذي حدّد فيه الاقتصاديون الخيارات الكبرى لمشروع التنمية القادم قامت بعثة صندوق النقد الدولي بالإعلان عن موافقتها عن إسناد تونس قروضا تقدّر بـ 2.8 مليار دينار قصد القيام بالإصلاحات الضرورية وتغطية احتياجات الدولة خلال الفترة المتراوحة بين 2016 و 2020.

كذلك صرح البنك العالمي يوم 29 مارس المنقضي أنّه يدعم الاقتصاد الوطني ويضع على ذمته مبلغا يقدّر بـ 5 مليارات دولار قصد دفع الاستثمار الخاص في الجهات الداخلية والتغلب على معضلة البطالة لدى شباب ثورة الكرامة والحرية الذي هو جدير بالاهتمام والتشجيع على المبادرة والانتصاب على الحساب الخاص بغاية ضمان دخله والحد من النزوح والمساهمة في الدورة الاقتصادية للبلاد.

كما استحسن التونسيون حضور السيد بان كيمون المشرف على هيئة الأمم المتحدة في أشغال الحوار الوطني للتشغيل، حيث عبّر عن دعمه لمجهود الدولة واستعداده لتوجيه المؤسسات المالية الدولية نحو تونس قصد تمكينها من التمويلات الضرورية لتحقيق العدالة الاجتماعية والمرور من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الازدهار. أضف إلى ذلك تقديم المنظمة العالمية للشغل اعتماد يقدر بـ 14 مليون دولار قصد إرساء برامج تشغيلي ناجحة مستمدة من تجارب أجنبية.

هذا الضخ الهائل من التمويل الأجنبي بالعملة الصعبة الذي يبدو ملهما للهمم وباعثا للأمل وبرهانا عن نجاح المسار الديمقراطي أعتبره الشجرة التي تغطي الغابة إن تحول إلى واقع خلال الخمس سنوات القادمة وانضافت إليه قروض خارجية أخرى تغرق البلاد في مديونية مشطة تثقل كاهل الأجيال القادمة وتنغص حياتهم.

مثل هذه القروض الأجنبية لن يكون لها فائدة على الاقتصاد الوطني في حالة استعمالها لغير وجهتها الحقيقية وهي تحسين البنية التحتية للبلاد والاستثمار في الطرقات والمستشفيات والسدود والمدارس ومراكز التكوين المهني وإنتاج الطاقة المتجددة وكل ما له تأثير على حياة المواطن ونمو المؤسسة الوطنية من مشاريع كبرى استراتيجية تخلق التوازن بين الجهات وتوزع الثروة بصفة عادلة .

أن اللجوء للإقراض الأجنبي يجب أن لا تستسهله الحكومة ولا محافظ البنك المركزي للأسباب التالية:

أولا: لأنّ المؤشرات العامة للاقتصاد التونسي لا تزال هشة وغير مطمئنة بنسبة نمو للناتج الداخلي الخام مقدرة بـ 0.8 بالمائة سنة 2016 ومعدل يساوي 1.3 خلال سنوات ما بعد الثورة مقابل 4.5 سنة 2010 وعجز في ميزانية الدولة يقدر بـ 6.5 مليارات دينار سنة 2016 وعجز في الميزان التجاري يقدّر بـ 12 مليار دينار سنة 2015. والغريب أنّ الدولة تتصرف مثل المواطن وتتجاوز مصاريفها المقدرة بـ 15.53 مليار دينار مداخيلها التي لم تتعد 12.43 مليار دينار سنة 2014. وبالتالي لا ينتظر التحسن في أوضاعنا الاقتصادية ما دمنا نستهلك أكثر مما ننتج ونتداين أكثر مما نعتمد على مواردنا الذاتية.

ثانيا: نسبة المديونية للدولة مرتفعة جدا وسوف تتعدى 70 بالمائة خلال السنوات القليلة القادمة وهي متأتية من الخارج أكثر من الداخل وتتزايد بنسق سريع، حيث أنّ الديون الأجنبية التي كانت تبلغ 15.5 مليار دينار سنة 2010 أصبحت تساوي 33.3 مليار دينار سنة 2016 دون أن تحقق المرجو منها من نهضة وازدهار بل بالعكس زادت الطين بلّة وجعلت الدولة تتحمل فوائض وعمولات قدرت بـ 850 مليون دينار هذه السنة وهو ما يقابل 16.6 بالمائة من خدمة الدين. هذه الكلفة الباهظة رغم شروط الدين المتيسرة تجد تفسيرها في مخاطر الصرف التي تحتويه القروض الأجنبية أمام انزلاق قيمة الدينار المتواصلة التي خسرت 17 بالمائة مقابل الأورو و أكثر من 60 بالمائة مقابل الدولار الأمريكي خلال الخمس سنوات المنقضية وهو أمر محيّر للغاية ويدعو للتفكير جدّيا في اختيار عملة القرض الأجنبي الذي عادة يكون موجها لتوريد التجهيزات والبضائع من البلد المانح مثلما هو معمول به مع فرنسا وايطاليا وألمانيا وغيرها وهذا يتنافى مع حرية التصرف.

ثالثا : إن احتياطاتنا من العملة الصعبة المقدرة بـ 112 يوما لن تسد حاجياتنا ولن تكفي لتغطية وارداتنا المتزايدة مقابل صادرات محدود قيمة وكمّا وكذلك لن تفي بمجابهة خدمة الدين مما يجعلنا ندفع الصاع صاعين ونغطي القروض القديمة بالقروض الجديدة وهي الحلقة المفرغة التي مآلها الإفلاس وتورط البلاد مثل اليونان.

رابعا: إنّ استعمال قروض طويلة الأجل بالعملة الصعبة لتغطية نفقات هياكل الدولة والتشجيع على الاستهلاك وعدم توجيهها للاستثمار المنتج المحدث لمواطن الشغل وتنمية الجهات المحرومة في شكل مشاريع كبرى تحقق التمييز الإيجابي يعتبر خطأ فادحا تقوم به الدولة بتأييد من البنك المركزي التونسي الذي كان عليه وضع آليات تمويل محلية بالدينار التونسي دون اللجوء للاقتراض الأجنبي المكلف والذي يعني التبعية والمديونية الخارجية المشطة التي سوف يعاني منها أولادنا وأحفادنا ولن تحقق المطلوب إلا بنسب محدودة.

خامسا: إنّ تضارب المعطيات المصرح بها رسميا ومنها ما يتعلق بالاقتراض الأجنبي الذي قدر سنة 2014 بـ 29.56 مليار دولار أمريكي أي ما يفوق 60 مليار دينار في وقت كان الناتج الداخلي الخام يقدر بـ 48.55 مليار دولار أمريكي أي 97 مليار دينار لا يتماشى ما هو معلن سنة 2016 من أن القروض الأجنبية سنة 2016 تقدر بـ 33.3 مليار دينار في وقت يقدر فيه الناتج الداخلي الخام بـ 108 مليارات دينار وهذا تلاعب بالأرقام كثيرا ما نجده في الجداول الرسمية الغاية منه طمس الحقيقة ومغالطة الرأي العام.
وخلاصة القول أن من يريد الخير لهذه البلاد يختار ما يتماشى مع مصلحة الوطن ويثبت الجدوى الاقتصادية والمالية والاجتماعية ولا يستغل النفوذ والسلطة لتحميل المجموعة الوطنية ما لا طاقة لها به. القروض العمومية الخارجية طويلة الأجل بالعملة الصعبة لا تستعمل إلا في الاستثمار العمومي وانجاز مشاريع البنية التحتية وتحسين نمط عيش المواطن التونسي شخصا ماديا أو معنويا والقروض متوسطة الأجل يمكن توجيهها لتمويل المشاريع الخاصة . أما حاجيات الدولة التدبيرية فالمفروض تغطيتها بموارد مشابهة بإمكان النظام البنكي تعبئتها مباشرة أو عن طريق السوق المالية. كما أنّ البنك المركزي العصري أصبح يلعب دور المحرك الرئيسي للاقتصاد ولا تنحصر مهامه في سن القوانين التقليدية المتعلقة بالسياسة النقدية وسياسة الصرف ومراقبة النشاط المصرفي وما شابه ذلك، حيث يغيب الآن النظام البنكي التونسي في مجهود التنمية الشاملة ونلجأ للأنظمة الأجنبية لحل مشاكلنا الظرفية. وهذا لا يعني رفض الاستثمار الأجنبي المباشر ولا الشراكة المتوازنة. ثم من يقول أن الأزمة التي تعاني منها تونس ليست مالية نتجت عنها أزمة اقتصادية واجتماعية وأمنية وصحية وبيئية… فهو يكذب على نفسه لأنه لو كان للدولة الموارد الجبائية الكافية لانطلقت في انجاز المشاريع الكبرى بالجهات الداخلية قصد مجابهة البطالة المتفشية في البلاد وتنمية المناطق الداخلية المهمشة ولما كان لها عجز في الميزانية العمومية. كذلك المؤِسسة الاقتصادية الوطنية فهي تشكو الكساد المنتشر في الأسواق ونقص السيولة وضعف الإنتاجية ومنافسة شرسة من السلع الموردة. أما العائلة التونسية فهي أكبر ضحية لأن أزمتها المالية تكاد تكون يومية وهي تظهر في غلاء المعيشة وضعف قدرتها الشرائية والجيوب الفارغة.

لدينا من البدائل ما يغني بلادنا شر القروض الأجنبية لكن أصحاب القرار وأهل السياسة لا يعترفون بالكفاءات الوطنية وهذا سر نجاحهم للبقاء في السلطة.

 عبد الحميد الزيدي (*) 
المصدر : الشروق، 11أفريل 2016،ص 22
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)- أستاذ جامعي وخبير اقتصادي ومالي صاحب موسوعة التمويل البنكي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق