تونسدراسات

العقل الزيتوني كما تراءى لي من روما

 

 

د.عزالدين عناية: 

 

في خضمّ بحث العقل في الفضاء الإسلامي عن اكتشاف سبل انبعاثه الحضاري، يجدر الالتفات للمؤسّسات العلمية، الدّينيّة منها بالأساس، في ما أنتجته وما تنتجه من وعي ورؤى ومفاهيم، وتمعّن مثلّث: المضمون المعرفي والمنتِج المعرفي والخرّيج الجامعي. ومن ثمّة تبيّن الدور الحضاري-المعرفي للمؤسّسة، في فضائها العائد إليها بالنظر والمرتبطة به. سيكون اهتمامي بالجامعة الزيتونية في هذه الدّراسة لاعتبارين أساسيين: لما ربطتني كخرّيج بالمؤسّسة من وشائج قربى واقتراب، حيث لازمتها طيلة مراحل التكوين الجامعي. ولانشغالي بالظاهرة الدّينية في حقلها الإسلامي وفي مجالها العالمي الموسّع. ولن يقتصر قولي هنا على تناول الزيتونة في حدّ ذاتها بل سيتطلّع إلى ربط الجامعة بالصيرورة التاريخية التطوّرية لحضارة أمّة مترامية، لما شكّلته مؤسّساتها العلمية من آلة، يُقاس عليها واقع حال عقل كُتل بشرية بمجملها.

من أجل تقييم علمي لتاريخ الزيتونة:

تُعَدّ جامعة الزيتونة أعرق مركز تعليم في العالم الإسلامي بالمعنى المؤسّسي الشامل، استطاع أن يحافظ على استمراريته. ويُنسَب تأسيس جامع الزّيتونة إلى حسّان بن النعمان الغسّاني، فاتح تونس وقرطاج في حدود سنة 79هـ (698-699م). كذلك هناك من يذهب إلى أن تأسيسه تم في عهد عبد الله بن الحبحاب الذي سمّاه هشام بن عبد الملك واليا على إفريقية سنة 110هـ (728-729م)، وقيل أيضا سنة 116هـ الموافقة لـ734م. كما تم توسيع الجامع في عهد زيادة بن الأغلب، عندما تولى إمارة القيروان. وأُرجِّح أنّ هذه الاختلافات التاريخية متعلّقة بتحديد أزمنة تطورّات التوسيع التي شهدها الجامع في عهوده الأولى، وليس لها صلة بزمن التأسيس الأوّل.

ولكن برغم التجذّر التاريخي لهذا الجامع-الجامعة، والتجربة التعليمية الثريّة والعريقة، لا تزال المؤسّسة تمثل تجلّيا عينيّا مكثّفا لأزمة العقل الإسلامي ولمتاهاته المتنوّعة. فمحاولات الإصلاح التربوية والتعليمية للمؤسّسة متكرّرة ومتعددة، ومن المحاولات التي جرت في القرنين الأخيرين ما تمّ في 1842 وفي 1862 وفي 1875 وفي 1910 وفي 1950 وفي 1987.

ونظرا لحساسية موضوع الزّيتونة المتشابك مع السياسي في جلّ مراحله، نجد جل مؤرّخينا ودارسي الاجتماع، غالبا ما حادوا عن التطرّق العلمي الموضوعي لتقييم العقل النظري القائمة عليه المؤسّسة، الأمر الذي منع بلوغ موازنة لدورها الحضاري. ولذلك يلاحظ المتتبّع للكتابات المتناولة للزيتونة هيمنة خطاب الفخر والمدح عليها. ومما يُفتقد إلى حدّ الآن، المقاربة الموضوعية للتاريخ الحضاري للزيتونة، التي يُفرَز فيها الدور التحصيني الحمائي للهوية -وهو غال على الشعور الإسلامي، خصوصا أثناء الاقتحام الاستعماري-، بغرض تبين الأثر السكوني السلبي للنمط التعليمي لهذه الجامعة ومثيلاتها. وهو ما ينبغي إبرازه بكل صرامة وموضوعية، حتى لا نسترسل وننساق مع الخطاب التمجيدي العفوي أو المداهن. فقد رأى العديد في الزيتونة حصناً منيعاً ضدّ الفرْنسة وضد الأنْجلة وضد التغريب، والرأي على حقّ ولكن ليس في مطلقه، بما تمّ من إغفال، في خضمّ ذكر هذا الدور الدفاعي، للوظيفة الجوهرية لهذه المؤسّسة العلمية، المتمثّلة أساسا في مهمّة الترجمة الصيرورية للعقل الإسلامي في أعلى تجلّياته المعرفية وأرقاها، فهل قامت المؤسّسة بهذا الدور وهل وفّقت فيه؟

فقد اشترك العديد من الكتّاب التونسيين، الزّواتنة وغير الزّواتنة، وبكافة تلوّناتهم وخلفياتهم السّلطويّة والسلفيّة والإسلامويّة، في النظرة التمجيدية للزيتونة، والتي قابَلَتها نظرة بكائية لمآلتها، وخَلَت مقارباتهم من تمعّن البضاعة الفكرية التي كان يقدّمها ويُنتجها هذا المعقل العلمي، والتي تناقضت في العديد من الأحيان مع روح التحرّر في الإسلام. على سبيل الذكر يمكن الحديث هنا عمّا لاقته أطروحات الزيتونيين، المصلح الطاهر الحدّاد بشأن تحرير المرأة، والشيخ عبد العزيز الثعالبي بشأن الانتقاد للسائد الاجتماعي والفكري. لقد كان الإثنان وفيَّين للفكر الإسلامي الأصيل في زمن سيطر فيه الفكر الديني المحافظ، فعُدّّت أصالتها ابتداعا منكرا بين شرائح سلطوية زيتونية عديدة.

وداخل هذا النشاط يتفسّر، برغم حضور الزيتونة، كهيكل ذي وظيفة علمية دينية مختزِنٍ لقداسة عالية، كونها ما فتئت فعلا، دون مستوى المشاركة الحضارية المنشودة. وما زال تواصل انهيار العقل الإسلامي، المتجلّي عبر كيفيات تمثّلات الوعي فيها، يُنذر حتى اليوم بفجائع أليمة، ما تواصل الأمر على حاله. إذ الجلي أن الإطار الذي تحكّم بالزيتونة، حافظ في جلّ مسيرته على مضادة إرادات التحوّلات الحضارية، سواء في ما سبق منه تجربة الإصلاح المنطلقة مع خير الدّين التونسي أو في ما لحقها. ولذلك حتى الزيتونيين الذين نادوا بإصلاح الجامعة، والذي تطلّعوا من ورائه إلى إصلاح مجتمعات المغرب الكبير، وإصلاح أمّة إسلامية على اتساعها، عادة ما عبّروا عن انسلاخ فكري عن خطّ تسافُلي عام مهيمن، وما مثّلوا العمقَ القائمة عليه الزيتونة. وضمن هذا السياق يتفسّر عدم اقتدار الشقّ الزيتوني -ونعني به هنا خرّيجي القطر التونسي أساسا-، برغم كثرته العددية بالمقارنة مع المنحدرين من التكوين الحديث الفرنسي، على القدرة على توجيه نتائج تحرّر البلاد، أو حتى المساهمة الفاعلة في قيادتها على إثر الاستقلال؛ إذ وجد الزّواتنة أنفسهم خارج سياق الفعل الحضاري وهم لا يدرون، وغالبا ما فسّروا الأمر بالمؤامرة الفرنكفونية العلمانية، وقنعوا بما كتب الله لهمتت

وينبغي ألاّ يُخفي المقصد العروبي والديني المتأجج بين الزواتنة الأزمةَ الحقيقية للمؤسسة. فمثلا مرامي القائمين على الزيتونة في العهد الاستعماري الفرنسي، لتمديد الأثر الفعلي للمؤسسة حتى يشمل كافة تراب الإيالة التونسية وما جاورها، وقد امتد فعلا حتى قسنطينة ومدينة الجزائر، أملاً في المحافظة على الهوية العربية الإسلامية في المغرب الكبير. فإن الأمر في دلالته الأخرى لم يحدّ من الالتجاء، حتى من قِبل أبناء الطبقات الشعبية عصرئذ، إلى المدارس الفرنسية، لقناعتهم وتقديرهم باغتراب التعليم الزيتوني، الذي لم توقظه نداءات وانتفاضات طلابية عديدة ملحة لإصلاحه.

فجيل الزّواتنة قبل الاستقلال كان ضحية نقصان تنبّه حضاري، لا يمكن التستّر عليه بادعاءات الدفاع عن العروبة والإسلام، أو الوصاية عنهما. ومن هذا الباب كان خيار تونس الحديثة، متعذّرَ التعايش مع عقل زيتوني ضاقت عليه مقاصد الشريعة بما رحبت. ومن هنا نرى خطأً أطروحة الأستاذ محمود عبد المولى في كتابه: «الجامعة الزيتونية والمجتمع التونسي»، في الرغبة لحشر الجامعة التونسية مع فجر الاستقلال داخل وتحت جناح الجامعة الزيتونية. والأحرى والواقع أن يواكب العقل الزيتوني الحداثة لا أن تنحشر محاولات التحديث تحته، فليس كل من اختبأ وراء الدّين شعاراً أو العروبة علماً، دون الاقتدار الأصيل على ترجمتهما حضاريا، انتهج الصواب أو مثّل إرادة التاريخ الحرة. فما أتاه الزّواتنة في العديد من المناسبات، من موالاة ومشايعة التوجّهات التي تعارض التحديث، والنظر إلى أهله بمظنّة السوء المسبق، كان خطأ حضاريا جسيما، إذ ما كانوا يرون تطوير البلاد بعين مقاصد الإسلام وفلسفته التطوّرية، بل بعين ما هو سائد تقليديا وما دأب عليه الناس عُرفيا. ومن هنا كان تناقضهم الخطير مع مشاريع التحديث، التي سيعتبرهم روادها لاحقا العقبة الكؤود أمام التقدّم، وستُوسِّع تحالف العزل المناوئ لهم. فكيف لتونس المتطلّعة للتحرّر أن تصغي لعقل ديني بائس، بقيت آثاره ومخلفاته حتى القريب، فمثلا حتى سنوات 87-88، كانت الدراسة الفقهية في مستواها الجامعي داخل الزيتونة تتمّ محكومة بالفصل بين الإناث والذكور، لما في الأمر -بحسب تقدير الشيوخ- من معالجة مسائل فقهية تلامس المناطق الجنسية المكهربة: الحيض، والنفاس، وتعريفات الزنى، وما يتطلّبه من توضيحات، قد تكون مدعاة للتحرّشات الجنسية بين الطلبة؟

فجرّاء ذلك التمازج بين الدور والمقصد، سقطت أغلب الدراسات التي تناولت تاريخية الجامعة الزيتونية في الفخر، وما استطاعت أن تميّز بين المحبة والتقدير والرمزية من ناحية، والتقييم الحضاري الموضوعي للمؤسّسة؛ مما صدّ العديد من الباحثين عن منافذ الوعي بمكونات العقل الدّيني الذي لازم تاريخية هذه المؤسّسة، مانعا إياهم عن التفطن للتجليات الخاطئة للعقل الإسلامي، والذي جرّ الزيتونة للتخلي في أحقاب تاريخية مختلفة عن خطّها الجوهري، وانجذابها إلى رهانات محافظة تقليدية حادت بها عن دورها؛ إذ مطلب الاتزان بين الالتزام الاجتماعي والدور العقلي، هو ما كان مفتقدا، مما أتاهها في الاجتماعي لافتقادها لنظرية عقلية حكيمة.

وتتشابك الزيتونة مع البنية الحضارية العامة للعالم الإسلامي، فبفعل تراجع العقل الإسلامي الأكاديمي عموما، عبر عدم الاستجابة المعرفية للحظة التاريخية، في العديد من المؤسّسات العلمية في العالم الإسلامي من فاس إلى نيسابور، أن دبّ الشّلل في عمقه، واجتاحت أطرافه حالات تآكل وتبعثر، كانت الأندلس وصقلية أبرزها في السابق وسبتة ومليلة وفلسطين في التاريخ الحاضر. فكان أن مثّلت الثغور المتقدّمة، والتي منها مجال الزيتونة -في ظل هيمنة المزيج العرفاني اللاعقلي السائد، الذي وُكِّل له أمر عقلنا الحضاري- مرتعاً للغزو المنفلت والمتنوّع، الصليبي والإسباني في البداية والفرنسي لاحقا. فلو كانت المعرفة الصائبة وفيّةً لشروطها الموضوعية، أَوَكان لسنابك خيول الإسبان أن تدوس على شروحات وحواشي مؤلّفاتنا المغتربة، التي تعبّئ خزائن جامع الزيتونة؟ ونحن نظنّها منتهى مقاصد العلوم والمعارف، حتى تتحوّل الزيتونة إلى إسطبل لخيولهم. الحادثة جلية، التي جرت مع سنة 970هـ، والتي يصفها الوزير السرّاج في «الحلل السندسية في الأخبار التونسية» بقوله: «وقسمت المدينة-تونس- مؤمن وكافر، وأُهين المسجد الأعظم ونُهبت خزائن الكتب التي كانت به، وداستها الكفرة بالأرجل وأُلقيت تصانيف الدين بالأزقة تدوسها حوافر الخيل والرجال؛ حتى قيل إن أزقة الطيبين كانت كلها مجلدات ملقاة تحت الأرجل. وضُربت النواقيس وربطوا الخيل بالجامع الأعظم، ونُبش قبر الشيخ سيّدي محرز بن خلف فلم يجدوا به إلا الرّمل، وبالجملة فعلوا ما تفعله الأعادي بأعدائها وكانت كل دار مسلم يجاورها نصرانيّ». كشفت تلك الأحداث بعمق عن عقم العقل الدّيني، غير القادر على تهيئة أو صنع قوة حضارية، وبقائه خصما متبرصا بأي ابتداع واستنارة.

ولا نقول أن تلك المضادات الحضارية قد زالت اليوم، بل حافظت على بقائها وفاعليتها متستّرة، فحتى تاريخ قريب، في سنة 1904م، وحالما بدأ رشيد رضا في إصدر مجلّة «المنار» في مصر مناديا فيها بإصلاحات محتشمة، اجتمع «علماء الزّيتونة»، وحرّروا عريضة أرسلوها إلى الحكومة «التونسية» أنذاك، أي في الحقيقة إلى السلطات الاستعمارية، طالبوا فيها بمنع توزيع المجلة في الإيالة التونسية، زعماً أنها تهاجم الأولياء الصالحين، وتنادي بفتح باب الاجتهاد من جديد، بما تعبّر عنه من أفكار، مختلفة عن تلك التي وردت في المذاهب الأربعة. وقد اكتوى بنار تلك الاتهامات أبناء الزيتونة ذاتهم، فمحمد شاكر الصفاقسي، اجتمع المجلس الشّرعي لأجله سنة 1902م، وطالب بعزله وسحب شهادته العلمية لمشايعته فكر محمد عبده وسعيه في ترويجه.

ولذلك ينبغي في خضمّ الرؤى الرومانسية السائدة، عند مراجعة الأثر التاريخي للمؤسسات الإسلامية الكبرى، التنبّه والتفطّن للدور التعطيلي السلبي للقائمين على هذه المؤسسات، والذي غالبا ما منع الانطلاقة الطبيعية للعالم الإسلامي، بما مثّلته تلك الأطراف في عديد الأحقاب التاريخية من سدٍّ تتحطّم وتنخنق فيه براعم التحوّلات الحضارية التي تبشّر بانطلاقة حداثية. فمثلا مشاريع تحرير المرأة كان انطلاقها أساسا من الخارجين عن الخطّ العام للأزهر والزيتونة، باجتراحهم مسارات مستجدّة في رؤية المقاصد العليا للإسلام، نجد الأمر، مع قاسم أمين، الأزهري المفصول، ومع الطاهر الحدّاد الزيتوني المنشقّ.

إذ ما كان العقل الزيتوني قادرا على ضبط وعيه التاريخي في العديد من المناسبات، وعجز عن استيعاب المعطى التشريعي من النصّ القرآني باتجاه البحث عن توسيعه وإثرائه باجتراح المقصد البشري. فكان أن ساهم الممسكون بهذه الجامعة في كبح التحوّل الحضاري للشعوب، جاذبين إياها إلى الخلف باسم الدّين والمحافظة على قيمه، وصُوِّرت مطالب الإصلاحات والعقلنة بكونها نفيا للدّيني وهدما لأركان الإسلام. مما جعل مجمل مساعي إصلاح الزيتونة، خصوصا منها في القرنين الأخيرين، رفعا للسقف دون عمد، بما توفر من رغبة في النهضة وما افتقد لأسسها العقلية والعلمية والتحرّرية.

الجلي أن مطالب الإصلاحات قد لازمت تاريخ الزيتونة، ولكن لم تتولّد بشأنها فلسفة للإصلاح تخلّف تحوّلا وتطوّرا مستمرّين. ولذلك تعدّدت دعوات الإصلاح دون أثر، لما وعى به العديد الإصلاح خطأ، كونه حُلّة خارجية ترتديها المؤسّسة. في حين أن الإصلاح الحقيقي، يتمثل في ما ينبغي أن تقوم عليه من منهج عقلي نقدي وأساس وضعي مندسّين في البرمجة. إذ الملاحظ في خضمّ مطالبات الإصلاح تلك، أن طلاّب الجامعة كانوا أكثر استشعارا لضرورته، وهو أمر عجز هيكل الإشراف عن تلبيته وترجمته إلى فلسفة تربوية علمية تطوّرية، لتَنَاقض نتائج العملية مستقبلا مع أصولهم الأرستقراطية، أو مع مغانمهم النفعية الآنية. فممّا تجدر ملاحظته عبر تاريخ الزيتونة ارتباطها في مستوى التسيير عبر تاريخها، بطبقة أرستقراطية، تتشكّل أساسا من البيارمة بطبقاتهم، الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة، وآل جعيّط، وبن عاشور، وبن مراد، والنيفر، وبلخوجة. ولطالما أُزيحت الكفاءات العلمية الشعبية، المتحدّرة من العامة عن مراكز النفوذ في هذه الجامعة الدّينية، إذ لطالما نعتتهم الأرستقراطية، بازدراء واحتقار، بـ»الآفاقيين»، كون العامة ليس مسموحا لها بالتقدم إلاّ في ثلاث: «إن ساروا ليلاً أو خاضوا سيلاً أو واجهوا خيلاً» على حد تعبير صاحب «تحفة الوزراء، المجهول المؤلّف.

وممّا أورده الأستاذ محمود عبد المولى في مؤلفه: الجامعة الزيتونية والمجتمع التونسي، أن الحكومة التونسية تحت الحماية الفرنسية، قرّرت في سنة 1950م توسيع الجامعة وإجراء مناظرة لانتداب ثمانين أستاذا، فهرع ثلاثة أساتذة من الأرستقراطية التونسية لمقابلة الوزير الأول، وأوغروا صدره بعدم كفاءة أصحاب الشهادات الجدد، علما أن المناصب العليا في الزيتونة حتى ذلك التاريخ، كانت حكرا وراثيا على العائلات الكبرى. وقد وجدت تلك الدونية سندا ببثّ الفهم الخاطئ لمدلولات بعض الآيات القرآنية، التي ورد في معرض ذكرها انتقادا للأعراب، حتى صيغ الحكم الرائج والخاطئ لا يؤمّ الأعرابي وإن كان أقرأهم، وأُلبِست تلك التأويلات لكلّ من لم ينتم لدم تلك العائلات.

ومما هو ثابت، أن هذه الطبقات الأرستقراطية ما كانت لتراهن على مصالحها النفعية المرتبطة بنُظُم مهيمنة سائدة، وإن تغيرت من حين إلى آخر. ولذلك ما كان لها أن تطرح أو تتبنّى رؤى تحوّلية جذرية.

فمثلا مع بداية القرن السالف، سنة 1910، قام طلبة جامع الزيتونة، وعلى رأسهم الطالب إبراهيم شعبان، بتحرير مكتوب تضمن نداءات الطلاب بشأن إصلاح التعليم وتحديثه، مع مطالبة بتحسين الإقامة بمحلات سكنى الطلبة. وألحّوا في ذلك عبر الضغط بإضراب دام عدة أشهر، اضطرت الحكومة على إثره إلى إحداث لجنة لإصلاح التعليم الزيتوني ولكن أعمالها لم تأت بنتيجة، لما لاقته المطالب من معارضة شرسة من طرف الشيوخ، الذين رفعوا أمامهم شعار ما ترك الأول للآخر من شيء للإضافة والتجديد. الأمر الذي حدا بدعوات النهضة الإصلاحية في تونس أن تفرّ من الزيتونة خوفا من الاختناق بالفكر الدّيني البائس، لما قدّره أصحابها من قوة الخط التقليدي، ولذلك مثّل أبناء الزيتونة التحرّريين منشقّين في أعين الخطّ الممسك بمقاليد الأمور، الذي عمل على حصرهم وعزلهم بشتىّ الوسائل.

فلما نشر الشيخ عبد العزيز الثعالبي في سنة 1905 كتابه: روح التحرّر في القرآن، مناديا فيه بتعليم البنات والتخلّي عن عزلهن في البيوت، لاقت دعوته الترحيب من جهة والرفض من جهة أخرى. إذ لاقت لدى الصادقيين -الشق المجدَّد في التعليم التونسي عصرئذ- قبولا حسنا؛ مشيدين ومنوّهين بها، في حين واجهها المدرسون الزيتونيون بمعارضة واستنكار شديدين. بلغت أوجها بتدبير محاكمة واهية له وتقديمه أمام القضاء، كان ردّه فيها: إن الأفكار التي أعتنقُها والآراء التي أدعو إليها لا تتعارض البتّة مع التعاليم الدّينيّة، وغاية ما في الأمر أنها تريد تخليص الدّين الإسلامي من جميع ما علق به، نتيجة الجهل والتزمّت وإغراءات الثروة. وذلك لأجل أن نعيد إليه صفاءه الأوّل الذي كان مصدر قوته.

ولعلّ محنة الثعالبي وغيره مع الأوساط الزيتونية، متمثّلة في كون استهلاك المعرفة الدّينية في شكلها العرفاني الاتباعي، الذي سنشير إلى بعض مولداته لاحقا، لا يترك للإنسان مقدرة للوعي الصائب بمقوّمات المجتمع وبآليات حراكه. لذلك طالما أمدّت المعرفة الدّينية غير الأصيلة العديدَ بفهم ينحو نحو الاغتراب، ويتناقض مع الصلاح الجماعي، يُوازي التقديرات الخاطئة لإحدى القبائل العربية الجاهلية، التي أرسل لها النبي محمد (ص) رسالة يحظّها فيها على قبول مبادئ الإسلام الأساسية، لما في الأمر من خير حضاري لها، فأهمل كبراؤها الرّسالة ورقّعوا بها دلوهم. فمالم تكن المعرفة ملاصقة للنقد والتمحيص العقلي من جانب ومسايرة ووفية للاجتماع البشري من جانب آخر، فإنها تغدو مهدّدة بالتحوّل إلى فلسفة إماتة للمجتمع. لعلّ المعرفة الإسلامية التي سادت في عصور انحطاطنا والتي تخلّت عن هذين الشرطين السالفين، العقلي والاجتماعي، قد كانت مما شايع فلسفة الموت لا فلسفة الحياة، وهو ما يبرّر نعتها بالتنكّر المعرفي للأسس الجوهرية للمعرفة الإسلامية.ومع سنوات 1950، عشية المطالبة بالاستقلال من الاستعمار الفرنسي تعدّدت مطالب الإصلاح أيضا، وكانت بضغط طلاّبي أيضا، لما يلعبونه من دور البروليتاريا الدّينية المقهورة. وقد عبّرت عن المطالبة لجنة الطالب الزيتوني، التي سعت في ضبط برنامج تفصيلي، سمّته بالدستور الزيتوني الجامع، وهو ملخّص لستّة عشر مطلبا يمكن عرض أهمّها في ما يلي: تنظير الشهادات الزيتونية، وتعريب المناظرات الإدارية، والتوسّع في العلوم العصرية، وإدخال اللّغات الأجنبية، وإرساء التخصّص، وتمكين الزواتنة من الدراسة بالخارج، والزيادة في عدد المدرّسين، وإجبارية التقاعد للأساتذة البالغين سنّ افتقاد المقدرة، وجلب أساتذة مختصين للتدريس، وفتح آفاق الشغل أمام حاملي الشهادات الزيتونية. وهي مطالب جوهرية تكرّر الإلحاح عليها عبر تاريخ الزيتونة الحديث.

وتكاد تكون المطالب المذكورة ذاتها متكرّرة، قبل حصول تغيير السابع من نوفمبر، الذي أعلن لاحقا عبر الأمر الرئاسي عدد: 96 المؤرّخ في 31 ديسمبر 1987، عن مشروع تجديد الجامعة، وهو ما سنخصّص له لاحقا شرحا مفصّلا. ولكن مما هو جلي في المسار التاريخي للزيتونة تكرّر ثلاثية: مطلب الإصلاح، ثم نشوء المعارضة الداخلية له، اللذين يليهما إطاحة بالإصلاح وانهيار العملية برمّتها. ومن ثمة العودة إلى حالة الكمون مجددا.

الزيتونة والحركة الجوهرية المفتَقَدة:

لما يحوزه علما القرآن والحديث من مكانة مركزية، ليس بأثرهما الإدراكي التفسيري فحسب، بل بدورهما في تزويد التفرعات العلمية الأخرى بالمادة الدّينية المعرفية. فإن الزيتونة التي درَّست السيوطي والزركشي والباقلاني والزرقاني سابقا، وتدرّسهم حاضرا، بالمنهج والأسلوب ذاتيهما، تبقى زيتونة لاتاريخية لم تتفطّن إلى التطوّر المعرفي التحوّلي. فمالم يتبدّل النظر في العلوم ضمن المحدّدين السالفين العقلي والاجتماعي، لتُطرح تنقية المقول الصائب من المقول الخاطئ، وفرز ما قيل عمّا أُضيف، ثم التقدّم لطرح سؤال مدى الراهنية الحضارية التي ما فتئ يحافظ ويتمتّع بها النتاج الفكري المنتَج خارج الزيتونة، وأيضا داخلها لرموزها الأعلام أمثال: سحنون أو اللّخمي أو المازري أو ابن عرفة أو البرزلي، فإننا نبقى نرجّع كمدا مع الزيتوني أبي الحسن علي الحصري: «يا ليل الصبّ متى غده»؟!؛ منتظرين تدخّلا إنقاذيا إعجازيا.. لا يأتي ما لم نأته نحن، بناء على قول الحق: «لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم».

ففي العصر الذي كان فيها الإسبان يدنّسون حرم الزيتونة، كانت تدعمهم قوافل البحث العلمي لعلّ أشهرها كوكبة كريستوفر كولومبس (1451-1506م)- تشق البحار لإجراء الاختبارات والمعاينات والتحقيقات، في حين كان العقل الزيتوني يتلهّى بفنطازيا الغيبات وهو يحسب أنّه يحسن صنعا. وحتى تاريخ قريب لازَمَ المنطق الغيبي، الممتطي والمستحوذ على الخطاب الدّيني، الزيتونةَ. ففي سنة 1266هـ-1850م لما اشتد المرض الوبائي بأهالي تونس أمر أحمد باشا باي، وبإشارة من القاضي الحنفي الشيخ مصطفى بن محمد بيرم، بانعقاد موكب خاشع، وتمّ الانتداب للغرض أربعين شريفا من أبناء الحاضرة اسمهم محمّد، ليجتمعوا بجامع الزيتونة من الصباح إلى الظهر ليقرؤوا سورة يس أربعين مرّة، وليدعوا الله بدعوات حرّرها لهم، ناقلا إياها عن بعض كتب الصالحين، داعين الله ليضمحل المرض بفضله ورحمته (إتحاف أهل الزمان، ج: 4 ص:134). هذا الخط الدّيني الاستحماري، على حدّ تعبير المفكّر الإيراني الرّاحل علي شريعتي، والذي مثله بتصويره لما يشبّ حريق في بيت ويدعوك أحد للصلاة والتضرّع إلى الله، ينبغي أن تعلم أنها دعوة خائن، لأن الاهتمام بغير إطفاء الحريق والانصراف عنه إلى عمل آخر، هو الاستحمار، وإن كان عملا مقدّسا وقوفا في الصلاة أو مناجاة لله، هو خط لا ننفي انقراضه من الفكر الدّيني لدينا، فلا يزال سائدا حتى عصرنا الراهن، ولا يزال تقديرنا ووعينا لصلة عالم البشر بعالم الألوهية يتمّ ضمن هذه السذاجة الاعتقادية.

ولذلك أقدّر أن النهضة الحقيقية للعقل الإسلامي لن يتيسّر يلوغها إلا بتخليص القرآن الكريم من الفهم اللاعقلي، المشفوع بالتنقية الأسطورية للسنّة المطهّرة، اللذين وطّدا دعائمهما من خلال فلسفة اللاّمنطق التي تتستّر بـتُدخِل العينُ الرجلَ القبرَ والجملَ القِدرَ، المدعومة بمُسَح القداسة المصطَنعة.

أتذكّر أثناء دراستي في الجامعة الزيتونية أن طالبا من بيننا سأل أستاذ علم التصوّف عن سبب التأخّر عن الدرس؟ فردّ الأستاذ -وهو جاد لا مازح- مجيبا: شغلتني الصلاة مع الملائكة في باحة الكلية!! ولا تسل عمّا كنّا نسمعه في درس علم التصوّف أو في غيره، من أمور يُخيَّل للمرء فيها أنه صار يسير على رأسه. ويُجبَر الطالب على شحن ذهنه بهذه الموبقات، لكونها سبيل النجاة الوحيد يوم الامتحان، وأما نقيضها فمؤدّاه الهلاك. فمعرفة يحكمها اللاّمعقول ماذا سيكون إفرازها المستقبلي!؟

والبيّن أن خرّيجي الزيتونة قد أدركوا مبكّرا، بعين اليقين، خروجهم المعرفي عن لحظتهم التاريخية، وعدم تناسب ما يستهلكونه، ممّا يسمّى خطأ معرفة إسلامية، مع الراهن المعرفي، المحلّي منه والكوني، إضافة إلى خروجهم الوظيفي والدوري، جرّاء عدم اكتسابهم معارف، سواء كانت لغوية باتقان لغات أمم أخرى، أو بامتلاك أدوات معرفية أنتجها التطور المعرفي في فضاءات غير إسلامية ما كانوا لها مواكبين. وهذا الشكل الثاني من الخروج -الوظيفي المعرفي- غالبا ما كانت تفسّر مسبّباته من طرف قصيري النظر من داخل الحقل الزيتوني، بتآمر الدّهريين اللاّدينيين واللاّئكيين الحاقدين على الزيتونة، وهلمّ جرّا من التعليلات التي ينتجها العقل المستقيل غير الواعي بهويته المعرفية.

فقد ساهم افتقاد إرساء تجديد فعلي للجامعات الإسلامية في موت، أو في إماتة العقل الإسلامي الأكاديمي، من طرف من يدّعون صيانته من الزيغ والانحراف. هذا الفراغ المعرفي خلّف بحثا فاشلا لتجاوز الأمر، لم يجد له عادة مكوَّنين دينيين أكفّاء، مما أخّر المسألة الدّينية معرفيا والواقع الإسلامي حضاريا. وفي غمرة تلك التفاعلات المتنوّعة، سعت الأرستقراطية التونسية أثناء حقبة تحولها الأساسية -بين بين فترة الأربعينيات والستينيات من القرن الماضي- إلى تحويل وجهة أبنائها للدراسة في التخصّصات الحديثة، في العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الصحيحة، وتركت الزيتونة لجحافل الجماعات الوافدة التي نُعِتت سابقا بـالآفاقيين، والتي ما زال يهزّها الحنين التاريخي للزيتونة، التي طالما أُبعِدت عن دورها فيها وهي لا تدري، ولا تقدِّر المتاهة الوظيفية والمعرفية، في المستقبل، التي تتربّص بكلّ مشرئبّ لهذه الجامعة. وكانت موجبات عوامل عدم التفريط في سيطرة الأرستقرطية على الواقع السائد من الحقبة المحدّدة سلفا، تُحتِّم عليها عدم التخلي عن الزيتونة، بكل تسرّع، كموقع كاريزمي.

فالجلي أن الحسّ الذي استشعره طلبة الزيتونة، وهو حسّ موضوعي وطبيعي معبّر عن حياة في الجسد الشبابي الطلابي، كانت تقابله إرادة ثبات في الذهنية الأكاديمية المشيخية، حتى جاءت لحظة التفكّك الكلّي للهيكل الزيتوني -طلبة ومشيخة-، لعدم استجابة الشق المتحكّم، لنداء التطوّر والتطوير، في ما استشعرته إرهاصات وعي الطلبة ولم يلبّه قطاع الشيوخ.

الأزمة التاريخية للتعليم الدّيني:

لازمت الزيتونة عبر تاريخها إرادة محافظة سلبية من داخلها، تجلّت بالأساس في التوجهات العامّة لهيكلها المدرِّس، مما جعل معارضة الإصلاح وخنقه من داخلها أكثر مما هو من خارجها، أمراً دارجاً، وقد مثّل الأمر شقٌّ مشيخيٌ حاضر الرّيب والتوجّس من كل ما هو جديد ومستحدَث. وعادة ما غلّف حرصه وسداده بادعاء المحافظة على الأصول وعلى مقاصد الإسلام، وهو أبعد عن الهدفين. وقد تقنّنت المحافظة السلبية، منذ إعلان ترتيب 1292هـ الذي عُرِف بالمعلّقة، التي وُضِعت على باب الجامع وقتئذ، والتي جاء في أحد فصولها -الفصل 15- ضبطا لأسلوب التدريس، بهذا التعبير: «ليس لأحد أن يبحث في الأصول التي تلقّاها العلماء جيلا بعد آخر بالقبول، ولا أن يُكثر من تغليط المصنّفين، فإن كثرة التغليط أمارة الاشتباه والتخليط. بل عليه -المدرِّس- أن يبذل الوسع في فهم مرادات الفضلاء، ولا يُلقي البحث إلا بعد التحرّي والإحاطة بأطراف الكلام، والتدبّر في الفهم المراد». وقد بقي هذا النص محافظا على نفاذه في فلسفة التعليم وفي توجيه منهج التدريس حتى التاريخ الراهن.

ما زلتُ أذكر بعد مرور السنين لغة القدح والذمّ، التي تُدرَّس بها الفرق الإسلامية في الجامعة الزيتونية، وأساسا منها الشيعة والإباضية (الخوارج) والمعتزلة، الخالية من أي عرْض موضوعي من أساتذتنا، سواء كان الأمر عبر درس الفقه أو علوم الحديث أو علم تفسير القرآن، حيث يمتد التسفيه لكل من خالف رأي أهل السنّة، والذي يسعى فيه أساتذتنا جاهدين لتوريث أسلوبه إلينا، في حين الأمر في حقيقته ينبئ عن أخطاء منهجية عميقة. فقد كانوا يدرّسوننا ذمَّ الشيعة ولعْن الخوارج أكثر مما يدرّسوننا تاريخهما ورؤاهما ومبادئهما. ولذلك يعبر الخرّيج وهو يكاد لا يعرف «تفسير الميزان» للعلاّمة محمد حسين الطباطبائي، ولا يرى مصدرا للأحاديث النبوية غير ما درج عليه من الكتب المقبولة سنّيا، وربما أُغفلت عمدا أيضا محتويات كتاب «نهج البلاغة» للإمام علي بن أبي طالب، لما يخشى في الأمر من اجتراح هوى وميل نحو موالاة آل البيت، ومن ثمّة الوقوع في شرك التشيّع على حسب تقديرهم، فوقع طمسه وتحييد الطالب عنه.

وحتى الرّاهن الحالي، بقي التدريس والمدرّسون على ولاء للسياقات السالفة التي طالما توجّه لها النقد، ولا يزال كثير من الأساتذة يَعُدّ تعريف العلم على طريقة السلف كونه “سعة المحفوظات سواء في علوم الشريعة أم في علوم العربية، ولا يعتبر العالم عالما لديهم ما لم يكن كثير الحفظ، فهو إن ضمّ لذلك الاستنباط والتحقيق نال شهرة كبرى، ولكن لا يعد عالما ما لم يكن كثير الحفظ، فليس العلم عندهم إلا الحفظ لأنهم كانوا يميلون إلى شيء محسوس مشاهد في العالم…”.

وهذا الخطأ المنهجي؛ أقصد أسلوب التدريس والتشكيل، الذي لم تخترقه التاريخانية بالمعنى العلمي الحديث، في وعي علاقة المعرفي بالاجتماعي والعكس. ولم يتحاور فيه الأساتذة الزواتنة، خصوصا منهم مدرِّسي العلوم الشرعية مع جيرانهم مدرّسي علوم الإنسانيات والاجتماعيات والحضارة العربية، من نظرائهم في كليتي منّوبة و9 أفريل، للعلوم الإنسانية والاجتماعية، وهما الأقرب جوارا، بل بقوا منطوين في ملجئهم الأول بمنطقة منفلوري، تأخذهم العزّة بأنفسهم، حتى انبنت سدود صلبة بين نمطين من الوعي الديني في تونس، كلّ يغني فيها على ليلاه.

فسنوات التقوقع والانعزال المعرفي في مونفلوري، عبّر لي يوما عنها عميد سابق للجامعة الزيتونية، الأستاذ جلول الجريبي، وهو يحادثني، بما هزّه من زهو لما تمّت دعوته مرّة من طرف مسيّري كلّية 9 أفريل، للمشاركة في ملتقى فكري مع جمع من أساتذة الكلية المذكورة. فتمثّل له الأمر ردّا للاعتبار واعترافا علميا. مع أن العلاقة كانت، وأُقدّر أنها ما زالت، محكومة باحتقار وازدراء غير مصرَّح بهما، للقائمين والمنتسبين للزيتونة من طرف الكليات الأخرى، امتد أثره إلى الأساتذة، فما بالك بالخرّيجين العائدين لتلك “الجامعة الذليلة”. وداخل هذا السياق كان أساتذة الزيتونة مهمَّشين في الخطاب الدّيني في جانبه العلمي والمعرفي، ولا أعني بالأمر في جانبه الوعظي والاحتفالي الذي كانت لهم فيه الأسبقية، ولكنهم ما قدروا حصر المسبّبات العميقة لهذا التهميش.

وهل شهد نمط رؤية النصّ الدّيني والظواهر الدّينية تحويرا منذ أن عرفت الرؤى الدّينية التأسيس، على إثر تشكّل السقوف النظرية والمعرفية؟ فلا نزال نلوك الأشياء نفسها. ولذلك في ظلّ واقع أدوات تفكير العقل الدّيني التقليدية الحالية يتعذّر تحقيق نهضة إسلامية، بل غاية ما سيُنتَج تأزّم داخلي وانعزال كوني، برغم المسمَّيات الزائفة لها من صحوة ونهضة وغيرها، نداري بها وهنَنَا. فكلّ ثورة في العقل الدّيني مشروطة بإعادة تأسيس رؤيوية مستجدّة للرّموز والأفكار. فالثورة العقدية المحمّدية ما ألغت الحجّ أو الصلاة السالفين لعرب مكّة والصابئة، بل أعادت شحن الرموز الطقوسية والعقدية بدلالات مستجدّة تتماشى مع واقع التطوّر النظري الذي بلغته البشرية عصرئذ. وما نحن في أمس الحاجة إليه في الراهن، وهو الامتلاك الثاني للإرث الدّيني، لا مواصَلة استهلاك ما ساد سابقا. “فقد كاد تعليم جامع الزيتونة من أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر (هـ) أن ينحصر في أسلوب واحد للمراتب كلها، وهو أسلوب الإلقاء… فيلقي المدرّس المسائل العلمية ويجتهد في إفهامها للتلامذة وهم يسمعون، ثم يشتغل بألفاظ المؤلفين وما أورد عليهم من الإخلال في أداء المسألة بلفظ تام…” كما وصف الشيخ الطاهر بن عاشور ذلك في مؤلفه “أليس الصبح بقريب”.

ولذلك يبقى المطلب الملحّ اليوم، في إعادة وعي الفهوم والرؤى التي قامت حول النصّ القرآني والاعتقادات والشرائع الإسلامية، وجعلها مستقلّة ومنعزلة كليا عن عقلنا التاريخي، أي الإدراك المغاير للعالم والأشياء. وهي أمور لن تتحقّق ومناهج الأنْسنة في وعي الخطاب القرآني غائبة في الجامعات الإسلامية، فعلم الأساطير ما زال في قطيعة كلية مع الخطاب القرآني والمتون الحديثية، وقِسْ على ذلك كافة العلوم التي يحويها علم الأديان والتي تحتل دورا أساسيا في تنشيط عقلنا ودفع واقعنا الدّيني الإسلامي.

وبفعل المنهج الخاطئ، لا تزال المعتزلة فرقة سنّية، ولكن لا تمثل النهج الصواب في الزيتونة، فالصّواب هو الوسط، والوسط هو الخطاب السنّي الأشعري المتمثل في أهل السنة والجماعة. وهو ما تفرض علينا تبنيه منهجية التدريس الكلاسيكية. ولذلك ما ينقص المنهج الدراسي تبليغه هو الوعي بأنماط الوعي، الذي تترسّخ الدّربة عليه بالاستيعاب المنهجي الموضوعي، الذي يُلحق بإعادة الإنتاج. هذه العقبة الكؤود هي سلسلة جبال الأوراس، الشامخات الشاهقات، التي تحول دون إحداث الثورة العقلية في العقل الزيتوني.

ولذلك ظلّ المحور الهام المتمثّل في غرس مرفولوجية المعرفة الدّينية وما يصحبه من ربط المعرفة بالواقع العملي هو الغائب المميز. إذ بدون الإلمام التشكّلي بالعلوم الشرعية والأصولية، يبقى الحديث متعذّرا عن قطيعة أو تطوّر أو إضافة، مبشّرة بنهضة حضارية. فممّا ذكره ابن عاشور في أسباب تخلّف علم الفقه «صرفهم جلّ همّهم إلى فقه العبادات فأكثروا فيه من التخريج، مع أن طريق العبادات التوقيف، وتقصيرهم في فقه المعاملات من النوازل والأقضية فتركوه محتاجا إلى أصول وكلّيات، تجعل للعارف به معرفة بأحوال الزمان…». ومما يجلب الانتباه أن أساتذة الزيتونة يكثرون الحديث عن ضرورة التطوير، ولكنهم لا يدركون الكيفية التي يتم بها التطوير. فطالما تطلّعوا إلى تجديد خال من شروطه المعرفية. ولذلك تراهم يقفون ضدّ ما تاقت إليه نفوسهم بما ركِّب في عقولهم. فما نحن في حاجة إلى خطاب يكرّر اللاّمعقول الحديثي والتفسيري، الذي يخنق مستجدّا براعم العقلانية الإسلامية، على نمط التتلمذ التلمودي «لو قال لك المعلم أن يدك اليمنى هي يدك اليسرى، وأن يدك اليسرى هي يدك اليمنى، فقل سمعا وطاعة»؛ وإنما كنا في حاجة إلى مقال في المنهج يدفعنا باتجاه الوعي الموضوعي والعلمي بالقرآن وبالسنة النبويّة.

تجربة الإصلاح في عهد النظام السابق:

ما ميّز خرّيجي سنوات ما قبل إصلاحات 1987 وهو التعامل اللاهوتي الداخلي مع الظاهرة الدينية المدروسة، بفعل طبيعة التكوين السائدة. والتي جعلت الخرّيج مشحونا بقيل وقال المفتقدة لأي وعي تعقّلي يخبر عن كفاءة واقتدار في الذات. إضافة لما رافق مرحلة ما قبل الإصلاح، من قطيعة مع الآخر في عمومه، لغويا وفكريا، فقد هناك توجّس من مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية، التي كان تُعتبر يمثابة المسارب المؤدّية للنظريات الهدّامة. فولّد الاغترابان، الداخلي المنجرّ عن عدم القدرة على وعي الظاهرة الإسلامية، والخارجي بعدم التوفيق في تفهم متطلبات الاجتماع، إنتاج زيتوني منفصل عن عصره. ولذلك كان سهلا سقوط العديد داخل تيّارات الإسلام السياسي، حتى مثّلوا حشوا بارزا لها.

الانقلاب المؤسّسي الذي عرفته الزيتونة، مع بداية نظام 7/11، أعني على إثر الأمر الرئاسي عدد: 96 المؤرخ في 31 ديسمبر 1987. عبر تفريعها إلى ثلاثة معاهد عليا: المعهد الأعلى للشريعة، والمعهد الأعلى لأصول الدّين، والمعهد الأعلى للحضارة الإسلامية، مع ضمّ كل معهد لثلاثة تخصّصات. وفَّق المشرفون فيه على الإصلاح في حصر المهمة الأساسية للجامعة في الدور الديني العلمي، لما تشتغل عليه أساسا من معالجة الأوجه المتنوعة للظاهرة الدّينية، وسبل نشاطها وتبدلاتها التي تهزها من حقبة إلى أخرى.

وبعد ذلك الإصلاح الذي أشرنا إليه، صار الطالب الزيتوني يدرس العلوم الدّينية بمختلف تفرّعاتها وتنوّعاتها، مرفوقة بالعلوم الاجتماعية وعلم الأديان والإناسة وعلم النفس والفلسفة الغربية والفلسفة الإسلامية. لقد كانت التجربة دخيلة ومستجدَّة على العقل الدّيني لدينا. وكانت تتطلّب السنوات والعقود حتى تحدِث التمازج بين النهجين الدراسيين السائد منه والمستحدث. حتى يتم إنتاج الزيتوني المتّزن معرفيا والحاضر تاريخيا. وبدأ الخرّيجون في تلك السنوات القليلة يعود إليهم رشدهم التاريخي وتسري دماء الحياة في عقولهم. كان هناك إحساس باستهلاك نمطين معرفيين متغايرين، نمط يبثّه أساتذة الزيتونة المشيخيون، ورثة المنهج التدريسي الكلاسيكي، وما فيه من مادة خام متكتّلة تحتاج إلى التحليل والتركيب المستجدّ، وهو ما تُبلّغه مجموعة من الأساتذة أمثال السادة: أبو لبابة حسين، وعبد الله لوصيّف، وسعيد الفلاّح، وعبد المجيد بن حمدة، وعلي الشابي، وجلّول الجريبي، وعثمان بطّيخ، وأحمد البارودي، وعلي مانيطة، وونيّس بن عامر، ومحيي الدّين قادي، ومحمّد التّومي، ومحمّد العلاني، والزعايري، ووسيلة بلعيد، وهند شلبي، ومنجية السوايحي وأكثرهم لم نذكر، في شتى التفرعات الكلاسيكية التي تمتدّ حتى المواريث والقراءات؛ ونمط جديد وافد على الزيتونة مع أساتذة من جامعات العلوم الإنسانية والاجتماعية أصلا، مثّله الأساتذة: حمّادي بن جاء بالله، والمنصف ونّاس، وفوزي البدوي، ومحمد حسين فنطر، وتوفيق بن عامر، والمهدي مبروك، ولطيفة لخضر، وكمال عمران وأحمد الفرجاوي وغيرهم.

هذان النهجان، نهج الدراسة الكلاسيكية ونهج الدراسة الحديثة، اللذان كان يصبّ كلّ منهما في ذهن الطالب، كانا يتطلّبان تعاقب السنين حتى ينتج الجيل الزيتوني الجديد. بقول جليّ، حتى تهضم الأجيال المستوعِبة النمطين الدراسيين، عبر احتكاكهما وتواصلهما، لتحقيق الاعتدال التاريخي المفتَقَد، وحتى تقود الأجيال المرَاهن عليها تيار التحوّل الجذري للعقل الدّيني. ولكن لسوء الحظ أن ذلك المشروع الذي أُقدِم عليه، من خلال شعار زردّ الاعتبار للجامعة الزيتونيةس لم يدم طويلا، فوقع التراجع عن المسار وتقليصه إلى حدود ضيقة.

فمنذ سنة 1992 وما بعدها، بفعل الصراع الذي خاضته سلطة النظام السابق مع زحركة النهضةس والذي أودى، داخل تلك الظروف العاتية، بذلك الإصلاح الجريء إلى مهاوي الرّدى، حتى ذهب الجمل بما حمل، انطوى العقل الزيتوني على إثرها ثانية مترجّيا إرادة وعيوية ثورية تعلو فوق الصراعات السياسية الدينية.

لقد كشفت أزمة الزيتونة في العقود الأخيرة، في خضمّ صراعات خطيرة، عن هشاشة بنيوية. وكان فكر التيّارات الإسلاموية إبان حقبة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي فكرا إخوانيا قطبيا في مجمله يعوزه الوعي التاريخي، وإن تعددت أوجهه، فكان يُطالب بالحرية وينفي الديمقراطية في الآن نفسه. فكان ما يوحّد فسيفساء تلك التيارات لاواقعية الخطاب، التي كان أتباعها يرون في الجامعة الزيتونية قلعة كاريزمية، من استحوذ عليها فاز بمصير الإسلام ومستقبله في تونس. وكانت هذه التيارات، حتى قبيل إدخال الإصلاح على الزيتونة، بفعل الأمر الرئاسي السالف الذكر، لا ترى في فلسفة البرمجة ومناهج التعليم أي بعد رجعي، لتناغمها مع توجهاتها العامة ولمشاركتها الفكرية في تلك العقلية، فقد كانت جزءا من تلك الرؤى. ولذلك ما طالب أتباع تلك التوجهات السياسية الدينية سابقا بإصلاح بنيوي يمسّ الفلسفة التعليمية، وإنما طالبوا بتحويرات تغير مقاليد السلطة التربوية والتسيير من مجموعة أساتذة تنتمي للشق الحاكم، الحزب الاشتراكي الدستوري سابقا، إلى مجموعة لها ولاءات لتلك التيارات. ونظرت للإصلاح المحدث بقرار الأمر الرئاسي 1987 بعين الريبة والانتقاد، لما فيه من زعزعة لكافة رهاناتها الفكرية التقليدية.

وكانت العقلية السائدة بين قياديي التيارات السياسية، الذين وجدوا في الزيتونة أرضا خصبة لتنمية أتباعهم وصقل نُشطائهم، أن كلا منهم يرتئي أن الزيتونة ملكه وحرمه. وتضخّمت هذه العقدة بين البعض فعدّوا أنفسهم أوصياء على الجامعة الزيتونة، فحشروا طلبتها في عديد المظاهرات وإضرابات الجوع والمناوشات ضد السلطة الغاشمة. عند هذا الحدّ تدخّلت سلطة النظام السابق لتضع حدا للإصلاح الثوري الذي أقدمت عليه، والذي امتطى ظهره أتباع التيّارات الإسلاموية، باستغلالهم الجامعة الزيتونية للترويج لأطروحاتهم، وجعلها مرتعا يوجّهون منه طلبتها حيثما أرادوا.

لقد تمّ سابقا خنق الزيتونة من طرف الفكر السلفي، فقتل فيها دورها المعرفي التاريخي، وتمّ اغتيالها ثانية سياسيا من طرف الفكر الإسلاموي القصير النظر. والغريب في مسار الزيتونة التاريخي أن تقزيمها يأتي دائما بأيدي أهلها وممن يظنون أنهم أقرب الناس إليها. وما كان، بفعل حالة النّواس التاريخي للشقّ الكلاسيكي للجامعة الزيتونية، والذي ترافق بتكثّف الهزّات السوسيوسياسية وانهيار السقف على أهل بيته، إلاّ أن تأكّد النعي الذاتي للعقل الدّيني، معلنا انتهاء دوره.

وكان من جرّاء افتقاد المرجعية الدّينية العلمية، بفعل تخلّي الزيتونة عن دورها التاريخي في المغرب العربي أن دبّت الفوضى الدّينية، وتكاثر الفقهاء دون تفقّه، وصارت المرجعيات في كل مسجد، وكأن انهزام العقل الأكاديمي الزيتوني معلنا عن حدوث فوضى دينية في الساحة الاجتماعية.

الزيتونة وفلسفة الحضارة:

متى يتحوّل المعرفي إلى فعل حضاري؟ ما أرتئيه بإيجاز أن الأمر يتمّ داخل جدل التواصل بين مخزون المعرفة وتطابقه مع إبستيمية العقل، أي بخروج العملية من التناقضات الداخلية. يلي ذلك التنزيل الصائب للمقولة في الاجتماع البشري. فتتحوّل المعرفة إلى فعل إنتاجي داخل الماكنة الحضارية الجمعية.

وبرغم حضور عاملين أساسيين في التجربة الحضارية للفضاء الاجتماعي الواقع سابقا تحت تأثير الزيتونة -أعني تونس وما جاورها من المناطق المغاربية، التي كانت تابعة لها من حيث نفاذ وأثر الفكر الدّيني المنبعث من الزيتونة- متلخّصين في:

  • الإنتاج والتراكم للمعرفة الدّينية النظرية، وما خلّفته من إنتاجات رائدة على لسان كتّاب وشعراء ومفكّرين متنوّعي المشاغل.
  • والإرادة السياسية المتطلّعة للتغيير والنهوض الحضاري، والمتجلّية أساسا في المصلح خير الدّين التونسي، وفي هرم القيادة الجزائرية السابق هواري بومدين ذي التكوين الزيتوني.

فإن الملاحظ أن الإصلاح الذي تطلّع إليه خير الدّين ذالذي كان يتردّد بنفسه على حلقات التعليم في الزيتونة- مع فجر النهضة الإسلامية، والسعي الفعلي للإنجاز مع بومدين، مع فترة الاستقلال المشحونة بالوعود. عبر تحفز كلا الرّجلين لإرساء نهضة حضارية في المغرب العربي وفي العالم الإسلامي، فإن المسعيين افتقدا حقا للأسس الدّينية الراشدة. برغم حرص الرجلين الشديد على التحوّل الحضاري، فإن الإنسان المعوَّل عليه في تلك النهضة، كان خالي الوفاض من أي بناء معرفي داخلي. إذ منذ الحقبة التي أُطرد فيها الفكر الخلدوني من الزيتونة، صارت وظيفة المثقف الدّيني داخل النسيج الاجتماعي، لا تتجاوز تقديم الاستشارة الأخروية والغيبية للجموع الشعبية، بكافة تفاصيلها، المتعلقة بالمآتم وتخليص المسحور والتعزيم، وغابت الاستشارة المعرفية الحضارية الواعية. ولذلك كان الزيتوني ولا يزال مروِّجا لثقافة الفناء أكثر مما هو منتجا لثقافة الحياة. وما فعله خير الدّين في القرن التاسع عشر كرّره الهواري في القرن العشرين، دون تبيّن للفواعل الأساسية المتحكّمة بالنهضة في بنى المجتمعات العربية.

فالنهضة قد تُبنى أحيانا في غياب الوعي الدّيني، ولكن الأمرَ متمنّعٌ في حالة الاجتماع العربي. وبالمثل قد تُبنى النهضة في حضور العقل الدّيني، ولكن بشرط الترشيد للتمثّل والوعي الدّينيين. ومن الملحّ أن النهضة الحضارية في خصوصياتها العربية الإسلامية ملزمة بمشروطية الانبناء داخل التعقّل الدّيني، لا بالتملّص من الدّيني أو بالتنكّر له.

وكان افتقاد الجامعة الزيتونية لبناء الوعي الاستيعابي للظاهرة الإسلامية وتصديره، مؤذناً بالاستنكاف الحضاري. حتى أنّه كلّما استجمع العقل الزيتوني عناصر وعيه، بضرورة إرساء إصلاح هيكلي بنيوي، إلا وألمّت به طامة كبرى، عادة ما يستولدها من داخله، فتردُّه تحت الثرى. ممّا أبقى العقل الزيتوني وحتى نمطه الحالي محكوماً عليه بالاختزال في الدور الوعظي والإرشادي، لما اختاره لنفسه من مهام الرّاعي الطقوسي والسادن المعبدي. ولعل تشكّل طبقة السّدانة، التي تشبه طبقة اللاّويين التي يرد التفصيل بشأنها في التوراة، من حيث الدور والمهام، والتي كادت أن تطمس روح الزيتونة كليا، ذات دلالة هامة في المسيرة التاريخية للمؤسسة.

ففي العهد الحسيني مثلا توزّعت الأدوار بجلاء بين سدانة سفلى تعضدها كهانة عليا: وكان من أبرز خططها خطة زالمزوالس ودور صاحبها السهر على سير الشعائر في المسجد. وخطة زالوقادةس ودور بعضهم تنظيم الجامع وفرشه واستصباحه والمكوث بين يدي إمام الخمس. وأمّا نظيره في نفس الخطّة فدوره الإتيان لدار الإمام المكلّف بإقامة الصلوات الخمس عند الفجر ثم قبيل الظهر والمغرب والعشاء، وبالوصول إلى الدار يقول: الصلاة حضرت.. الصلاة حضرت.. يرحمكم الله! يا دار الخير يا دار البركة. ثم يخرج الإمام قاصدا الجامع يتقدّمه الوقّاد بيده زالفنارس ذالمصباح- إذا اقتضت الحاجة. وكذلك نجد خطة زالباش سقاس ومن مهامه توزيع الماء على المصلين، وغيرها من المهام الكهنوتية.

ولعل تداعي الأزمات على الزيتونة نابع من كون العقل لم يوغل اجتراحا ذا نفاذ باتجاه العقلنة المعرفية، المنغرسة في التاريخي والاجتماعي، وما سعى ابن خلدون في تدشينه، باعتبار الأمر ابتداعا نظريا،لم يتحوّل إلى تيّار متحكّم بالمؤسّسة، بل بقي هامشيا لافتقاده إلى سند يدعمه. وبقي الخط التقليدي ذالخط الفقهي السلطاني- هو القابض على روح الفلسفة الحضارية للعقل الإسلامي في الفضاء المغاربي. وتبدّدت القوى في معارك حجاجية وهمية، هلك التعليم الزيتوني بسببها، جراء الصراعات السنية الإباضية الشيعية، وكذلك بفعل التدافع بين الأحناف والمالكية، داخل مختلف التبدلات السلطوية التي مرت فوق أرض الزيتونة، ولم يتطوّر الأمر إلى ابتداع فلسفة جديدة، بل حُصرت كافة المساعي في الدّفاع والحجاح المذهبيين.

لقد أملت علينا طبيعة الموضوع الاستعانة بما هو سياسي، لإيضاح بعض المسائل المتعلقة بالتجليات النظرية للعقل الإسلامي في الزيتونة، وليس للارتهان عندها. حيث حرصنا قدر الإمكان على حصر الموضوع داخل مقاربة معرفية. لما نلمسه من طغيان الهاجس السياسي على التحليلات العربية، حتى أصبح دارجا تفسير الأمور، سلبا أم إيجابا، ضمن مقاربة سياسوية، تتصاعد قدما باتجاه هرم السلطة لتحميلها واقع الحال ومسؤولية المآل. وهذا التمشي عادة ما كان سائدا في النظر إلى تاريخ الزيتونة عبر عصورها المختلفة، لتتخفّى الأسباب العميقة الكامنة وراء الأزمة الحقيقية لهذه الجامعة. ففي العديد من المناسبات تم إلحاق أزمة الزيتونة البنيوية بالسلطة المواكبة عصرئذ. فمثلا أزمة الزيتونة في العهد الاستعماري أُلحقت بحكومة الباي وراعيها الاستعمار الفرنسي، وأزمة الزيتونة بعد الاستقلال نُسبت إلى النظام البورقيبي وإلى العناصر اللائكية فيه. وأزمة الزيتونة في العقدين الأخيرن ألحقها بعض المتتبّعين بالخيارات السياسية لنظام السابع من نوفمبر. ولكن بحكم ما منحتني إياه فرصة تشكّلي في الزيتونة من إلمام متواضع بتاريخ المؤسسة، ومواكبة لأحوالها وتقلّباتها، تبيّن لي أن أزمة الزيتونة كامنة في العقل المعرفي القائمة عليه، سواء تبدّلت الحكومات والنّظم أم ثبتت.

 

المصدر: الصباح،العدد 20984 ،17-21-25-28 سبتمبر 2014، ص 8.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق