تونسدراسات

تغريبة يهود البلاد العربية: سفر الخروج الثاني (3/3)

telechargement-4-3

وبشكل عام كان يهود البلاد العربية بعد الاستقلال متنوعي المصائر متشابهي الحصائل. ولكن ينبغي ألا نغفل أيضا، أن خروج اليهود من البلاد العربية لم يكن حادثا دائما جراء تشكّل ثقافة طاردة، أو بموجب آثار الصراع العربي الإسرائيلي، كما قد يتبادر إلى الأذهان جراء الدعاية الصهيونية، بل حصل أيضا في نطاق سعي جموع واسعة من تلك الشرائح اليهودية لتحسين أوضاعها المعيشية، خصوصا من عامة اليهود وبسطائهم. فكانت الطائفة اليهودية، التي تربطها أواصر دين وأوهام عرق جامع مع أبناء ملتها في الخارج، أكثر قدرة على الإقدام لخوض غمار تلك التجربة. في وقت صارت فيه المجتمعات العربية، وبشكل عام، لا تتيح لأبنائها بيسر فرص الحياة الكريمة، وهو ما انعكس على الأقلية العبرية أيضا. وفي نطاق معالجة مظاهر التناقض الحاصل بين اليهود والمجتمعات العربية، سنقتصر ضمن هذا العرض على ثلاث عينات (الحالة الجزائرية، والحالة التونسية، والحالة الليبية):

* عشيّة استقلال الجزائر وجّهت “جبهة التحرير الوطني” في الجزائر نداءات متكررة إلى الجالية اليهودية، كان أولها النداء الموجه إلى قادة الجالية، وذلك في الثالث عشر من أكتوبر 1956، دعتهم فيه إلى مناصرة الجبهة من أجل استقلال الجزائر، غير أن النداء لم يلق آذانا صاغية. في وقت كان فيه يهود الجزائر ويهود بلاد المغرب عامة، الذين مثلوا الثقل الأكبر بين يهود البلاد العربية، قد سايروا الواقع الغربي وانساقوا في ثناياه، ما جعل العودة على أعقابهم أمرا غير مطروح. فضلا عما دب من تخوف بينهم كون الدخول في مرحلة التخلص من آثار الاستعمار -décolonisation- ستعقبها عودة إلى وضعية الذمة مجددا . ومما زاد من افتقاد لغة التفاهم بين حركة المجاهدين في الجزائر ويهود البلاد، تقلص الفوارق بين اليهود الأهليين واليهود الوافدين مع فرنسا جراء عملية التمازج الحاصلة، بعد أن غدا جميعهم مواطنين فرنسيين.
فبعد أن تعلّق يهود الجزائر وجودا ومصيرا بفرنسا، كان من الطبيعي أن يرتبط قدرهم بقدر المستعمر. ومنذ أن مُنِحوا حق المواطنة الفرنسية بمقتضى “قرار أدولف كريميو” واحتدام حرب التحرير في الجزائر زادوا من ربط مصيرهم بمشيئة فرنسا، وهو ما جعل الجزائر مع حصول الاستقلال توشك أن تخلو من يهودها الأهليين والوافدين على حد سواء. حيث انطلقت بُعيد عقد اتفاقية إيفيان -مارس 1962- هجرة يهودية مكثفة سبقت إعلان الاستقلال، ولم يبلغ شهر جوان منتهاه من العام نفسه حتى كان قرابة 142 ألف يهودي قد غادروا الجزائر باتجاه فرنسا، ففي أكتوبر من العام نفسه لم يبق في الجزائر سوى 25 ألف يهودي، ستة آلاف منهم في الجزائر العاصمة بصدد شدّ حقائبهم استعدادا للرحيل .
* يحاول المؤرخ موريس روماني في كتابه “يهود ليبيا.. من التعايش إلى الرحيل” تسليط الضوء على الدور الرئيس للاستعمار الإيطالي في ذلك الخروج، مشفوعا بتتبّع ما كان يعتمل في الساحة الدولية من صراعات انعكست آثارها على مختلف الشرائح الاجتماعية. ذلك أن رحيل شقّ واسع من يهود بلاد المغرب حصل تحت ضغط الفاشية والنازية لا سيما في تونس وليبيا. وضمن هذا الإطار يستحضر المؤرخ سلسلة من الوقائع لدعم فرضيته التاريخية. حيث يركز اهتمامه في الحقبة الفاشية في ليبيا، متتبعا السنوات الممتدة بين 1938، تاريخ صدور ما يُعرف بـ”القوانين العنصرية” في إيطاليا، و1967 تاريخ اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية وما خلّفته تلك الأحداث من اضطراب في أوساط الجاليات اليهودية. مبرزا كذلك الدور الذي لعبته المنظمات اليهودية الأوروبية والأمريكية في تهجير يهود ليبيا، وحشد الحالمين للـ”عاليا” (الهجرة) نحو إسرائيل، ناهيك عن الإجراءات التنظيمية والتعليمية والصحية التي رافقت الترحيل .
أما في ليبيا الخارجة من ربقة المستعمر، فقد كان التلاعب بالملف اليهودي، إبان الحكم السنوسي، ورقة ضغط في وجه المعارضة الداخلية والقوى الخارجية على حدّ سواء. حيث لم تكن هناك سياسة واضحة أو تشريعات ضامنة تتعلق باليهود، وفق ما يشير إليه المؤرخ الإيطالي رنزو دي فيلتشي، ما جعلهم عرضة للمدّ والجزر . فمنذ العام 1953 استشعر يهود ليبيا تضييق الخناق عليهم. كان إلغاء خدمات البريد مع إسرائيل، ثم تبعها غلق مكاتب وكالة العاليا، التي ترعى شؤون الهجرة نحو إسرائيل، وطرد ممثل الوكالة اليهودية مير شيلون. لتتصاعد التضييقات بمقاطعة إسرائيل مقاطعة شاملة بحلول العام 1957، وما تبعها من تلويح بتسليط عقوبات تمتد إلى ثماني سنوات وغرامة مالية، على كل ليبي يثبت اتصاله بإسرائيل، أو بمؤسسات إسرائيلية، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة .
زاد من حدة تلك الأوضاع إبان حقبة الستينيات، ما ترافق مع اكتشاف البترول في ليبيا من تراجع لدور اليهود في التجارة الخارجية، بعد أن كانوا خلال العقد السابق يمسكون بما يضاهي تسعين بالمائة من التجارة الخارجية. اُستعيض عن وساطتهم بصادرات البترول التي ترعاها الدولة، ما جعل دورهم في المجتمع يتراجع بشكل ملحوظ . بات اليهودي الليبي مدفوعا دفعا نحو خيار الهجرة، بعد فقدانه مجمل الامتيازات التي تحققت إبان فترة الاستعمار الإيطالي التي تواصلت مع السنوات الأولى من استقلال ليبيا. وكما كانت هجرة يهود تونس لا تتمّ نحو إسرائيل مباشرة، بل باتجاه فرنسا أولا، كانت هجرة يهود ليبيا أيضا تتم عبر محطة إيطاليا ليليها مقصد إسرائيل.
* وعلى غرار الدول العربية الأخرى غادر تونس عشية إنشاء دولة إسرائيل أكثر من خمسة وعشرين ألف يهودي باتجاه إسرائيل. وقد كانت الهجرة في متناول العائلات المتوسطة الدخل، لا سيما وأن الوكالة اليهودية للهجرة كانت تأخذ على عاتقها تكاليف السفر والإقامة الجديدة، وتتكفل بمصاريف العاليا –الهجرة- إلى إسرائيل .
لم يكن قادة الحزب الدستوري ينظرون بعين الرضا إلى أنشطة الهجرة الصهيونية في تونس، لكن لم يحركوا ساكنا بقصد ثني اليهود عن مغادرة البلاد. تُورد جريدة “لابراس” الناطقة بالفرنسية، بتاريخ التاسع من سبتمبر 1954، حديثا مع الحبيب بورقيبة، زعيم الحزب الدستوري حينئذ، سئل فيه عن موقف حكومته من هجرة اليهود التونسيين، فأجاب: “من مصلحتنا أن يبقى يهودنا في تونس، لكن كافة المواطنين أحرار في مغادرة البلاد وقتما شاءوا”، وقد كانت الهجرة إلى إسرائيل لا تنطلق مباشرة من تونس بل عبر فرنسا.
ولم تشفع عمليات التحديث التشريعي المبكّرة التي خاضتها تونس في ثني اليهود عن الهجرة، وبالمثل لم تُجْد نفعا كافة الإغراءات في شدّهم إلى مواطنهم. رغم أن السياسة الجديدة في تونس بعد الاستقلال، قطعت مع التعامل معهم كطائفة على حدة وعاملتهم كمواطنين متساوين مع غيرهم من التونسيين. تواصل نزيف الهجرة، وتبين أن التحديث لم يخرج اليهود من حماية حكامهم إلى احتضان مجتمعاتهم.
في ظل تلك التحولات، قلّة من اليهود أبت أن تلتحق بإسرائيل أو بفرنسا واختارت المكوث في تونس. لكن من اختاروا البقاء لم تكن دواعيهم متماثلة، كان البعض منهم من البرجوازية، وقد كانت لهم ممتلكات ومصانع وعقارات، دفعتهم للتشبث بتونس؛ وكان آخرون ينتمون إلى الطبقة الوسطى، وكانوا على يقين أن النظام الجديد سيسمح لهم بمتابعة أعمالهم في الظروف نفسها؛ وهناك فئة ثالثة ممن ينتمون إلى الكوادر المتعلّمة خيرت البقاء في تونس، كشأن العديد من القانونيين والأطباء والصناعيين ورجال البنوك والإداريين والمدرّسين.
وما إن نالت البلاد استقلالها حتى تم انتخاب يهودي تونسي في المجلس الوطني التأسيسي سنة 1956، وآخر في المجلس التشريعي الأول سنة 1959 والثاني سنة 1964. كما سبق أن ضمت الحكومة التي تشكلت عشية الاستقلال الداخلي -جوان 1955- وزيرا يهوديا، وبالمثل الحكومة التي تشكلت عقب إعلان الاستقلال في مارس 1956. وللمرة الأولى في تاريخ تونس الحديث، ترشح يهودي تونسي بملء إرادته ولم يسقط عليه المنصب إسقاطا، إلى منصب هام، حصل ذلك بعد ثورة 14 جانفي 2011، حين تقدّم يعقوب للّوش، وإن لم يفز، إلى عضوية المجلس التأسيسي المكلف بصياغة الدستور وقيادة البلاد.

مكوث رغم عوادي الزمن:

لم يبق من يهود البلاد العربية، في الوقت الحالي، سوى بضعة آلاف يتواجدون في المغرب وتونس وبضعة مئات متناثرين بين عدة دول. وفي الراهن الحالي يتوزع يهود تونس بين العاصمة (800 نفر) وبين الحارتين الكبيرة والصغيرة في جزيرة جربة (900 نفر)، حيث يوجد معبد الغريبة الذي يعود تاريخه إلى ما قبل الميلاد، يتولى تسيير شؤونه حاليا رئيس الطائفة اليهودية بيريز الطرابلسي؛ في حين يقطن الباقون في مناطق الساحل التونسي بين مدن جرجيس وسوسة والمنستير والحمامات.
ويسهر على الشأن الديني ليهود تونس حاييم بيتان كبير الأحبار، يعضده أربعة كهنة، يسهرون على شؤون باقي الجماعات اليهودية. كما يملك يهود تونس إحدى عشرة بيعة، البعض منها لا تفتح أبوابها لزوارها إلا في الأعياد والمناسبات، على غرار كنيس الغريبة الصغير بمدينة الكاف. ويتركز جلّ النشاط التربوي والتعليمي بين جربة وتونس العاصمة. توجد في جربة محضنة يؤمها الأطفال إضافة إلى مدرستين ابتدائيتين وثانويتين، ويشيفا –مدرسة دينية- يُلقَّن فيها الصبية مدونتي المشنا والجمارا. كما تتواجد مدرسة ابتدائية وبيعة في مدينة جرجيس الساحلية القريبة من جزيرة جربة. وتملك الجالية اليهودية دارين للمسنّين. لكن تركّز العدد الأكبر من مؤسّسات التعليم يبقى في العاصمة تونس: ثلاث مدارس ابتدائية وثانويتان ويشيفا. وأما لغة التدريس الأساسية فهي الفرنسية إلى جانب دور ضئيل للعبرية والعربية.
الحالة في المغرب اليوم شبيهة بالحالة في تونس، فمنذ فجر الاستقلال حرصت الحكومة المغربية الأولى والثانية على ضم وزير يهودي إلى صفوفها، تولى تلك المهمة حينها بن زاكين، وتتابع ذلك التقليد عبر تقريب يهود مغاربة من الدائرة الضيقة للحكم، حيث تولى سيرج برديغو مهام وزارة السياحة وانتخب سيمون ليفي، الأستاذ سابقا في كلية الرباط، عضوا في مجلس النواب. كما شغل أندري أزولاي منصب مستشار الملك محمد السادس في الشؤون الاقتصادية. اتخذ المغرب قرارا مهما سمح لليهود بحق استعادة الجنسية المغربية وتخلّى عن إسقاط الجنسية عمن يلتحقون بإسرائيل.
في الراهن الحالي يتوزع اليهود المغاربة على كبريات المدن: الدار البيضاء ومراكش والرباط بعد أن كانت مدينة الصويرة تضم أكبر تجمع يهودي في المغرب، أين كانوا يتوزعون بين الملاح القديم والملاح الجديد. غدت أحياء الملاح في المغرب والحارات في تونس معالم سياحية لا غير بعد أن كانت تعجّ بساكنيها. ولم يبق من جملة البِيَع اليهودية المنتشرة في المغرب، حوالي 33، سوى عشر منها تفتح أبوابها لروادها وتقام فيها الشعائر. كانت إقامة متحف الثقافة اليهودية المغربية في الدار البيضاء سنة 1996، على تواضعه، من المبادرات الرمزية الفارقة في العناية بالثقافة اليهودية في البلاد العربية. هذه المبادرات التي اتخذها المغرب لم تشفع إلى حد الآن في استرداد ثقة اليهودي، أو في إغرائه بالإقامة الدائمة، وإن نجحت في دغدغة رغبة التسوّح لديه.

المصدر: الصباح، العدد 21672، 11 دسيمبر 2016، ص 10.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق