دراسات

بروباغندا داعش : قراءة في التوظيف والتحريف لآيات القرآن الكريم

310968-660x330

 غفران الحسايني:

 

قبل البدأ في استعراض الجزء الثاني المتمم لمقال الأسبوع الفارط حول التقرير الصادر عن برنامج فض النزاعات التابع لمركز كارتر والذي أصدر دراسة رصد فيه جملة السرديات المستخدمة في حملات التجنيد والتحريض لدى التنظيم الإرهابي داعش الذي يعد أكثر التنظيمات الارهابية في العالم تطورا في مجال المناشدات والحملات الإعلامية والاتصالية والتفاعل مع أكبر عدد ممكن من المتابعين والمستهدفين بمختلف اللغات والوسائل فإنه يلزمنا ونحن نفتح باب توظيف القرآن الكريم في خطابات هذا التنظيم الإرهابي أن نبدأ أولا بالتقديم لمدى خطورة هذا التوظيف واساءته للإسلام والمسلمين بإظهار القرآن الكريم كتابا دمويا يدعو إلى القتل والتهجير والذبح بدل أن يكون رحمة للعالمين وذكرى لأولي الأبصار والألباب.

الإرهاب و القرآن الكريم  “ثنائية التثبيت والالغاء” :

ليس من نافل القول اعتبار التنظيمات الإرهابية في العالم أحد أشكال التحريفات النصيّة والتطبيقية للقرآن الكريم ،في تعسّفها على كلام الله بالتوظيف والانتقاء والاقتطاع تسخيرا للوحي المقدّس في خدمة مشاريع سياسية مدمّرة ودموية تتستّر بالدين لتضفي على نفسها شرعية تاريخية ودينية تخادع بها الجماهير وتستقطب بها متحمّسا أو ساذجا او صادقا أو عميلا أو متعلّما في خطواته الاولى في درب الإسلام .

فعملية الاستقطاب التي تمارسها جماعات الإرهاب المسلّح عبر الحدود  لا تنفك مطلقا عن إرهاب قبلي سابق للتفجير والتدمير والقتل وهو ارهاب العقول وتزييف المفاهيم وتوظيف القرآن بصفة عجيبة ومقتطعة من سياقاتها ونظامها الذي يخلق في أذهان كبار العلماء والمفسرين منظومة قرآنية تجعل الآيات تتفاعل بين بعضها البعض بالتفسير والتبيين والتوضيح والتمييز بين الخاص والعام والمحكم والمتشابه والمكي والمدني والناسخ والمنسوخ كما صيغت أوّل  قواعد علم التفسير منذ زمن كبار الصحابة وتحديدا حبر الامّة وترجمان القرآن ابن عبّاس عندما وضعت قاعدة المفسرين الأولى “بأنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا” .

من هذا المنطلق يمكننا ان نفهم أن التعامل مع القرآن يخضع إلى جمّلة من الضوابط العلمية والإيمانية ويشترط فيه الالتزام الجاد والكفاءة والرسوخ في العلم وتعدد المشارب الفكرية للمفسّر التي تصل إلى حدّ الموسوعية ، ولنا في ذلك احالة على المقدّمة الرابعة في التحرير والتنوير للإمام المفسّر ابن عاشور عنونها ب” في استمداد علم التفسير” وعدّد فيها مختلف العلوم اللازمة التي تصل تقريا إلى 14 علما لمن أراد ان يفسر القرآن الكريم للناس ويبين معناها او يقرب فهمه إلى عقول الامّة والعالمين ويكون في ذلك أمينا في تفسيره عدلا في نقله ربّانيا في مسكه بتلابيب هذا العلم وقواعده ومقاصده.

لذلك لا يعتبر توظيف آيات القرآن في بروباغندا التنظيمات الارهابية وداعش على وجه التحديد مجرّد ارتجال معرفي أو ديني لا يخضع للاعداد المسبق لخطابات التنظيم المحرّضة على القتل والداعية للالتحاق بصفوفه وتبني أفكاره الهادمة للإسلام وللقرآن نفسه، فعند متابعة خطابات هذه الجماعات يتضّح لأقل المطّلعين على القرآن الكريم والفكر الاسلامي أنهم يتعاملون مع الوحي وفق ثنائية “التثبيت والالغاء” .

ونقصد هنا أن هذه الجماعات تعمد على تثبيت فكرة أن القرآن الكريم كتاب قتال وجهاد وترهيب وتكفير وتشريع ربّاني معطّل يجب على المسلمين امضاء حكمه فيهم بالسيف فلا يسمع من آياته لدى هذه الجماعات إلا من قبيل  “فاقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ” أو “وقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم” “واعدوا لهم من استطعتم من قوه ترهبون به عدوا الله وعدوكم وآخرين” ..إلى آخره من الآيات التي تحيل على الحرب والقصد والقتال والتي يرجح عدد من الدارسين أنها لا تتجاوز 70 آية في القرآن الكريم من جملة 6236 هي جملة عدد الآيات القرآنية بما نسبته 1.12 بالمائة من مجموع القرآن ،فيثبت في ذهن المسلم البسيط وربّما حتى المتفوق دراسيا أنه متخاذل عن نصرة الله ورسوله ودينه وذلك لكون الجماعات الإرهابية قامت منهجيا بتثبيت فكرة واحدة في ذهنه وهي أن القرآن الكريم كتاب قتال ذو معجم عسكري وجهاد مسلّح لتكريس معاني الاستخلاف في الأرض وتخدم هذه الذهنية جملة من المعطيات الاجتماعية والسياسية الأخرى التي  تتناغم مع مشاعر المظلومية والخذلان والبطالة والقهر الاجتماعي والفراغ الروحي والفكري.

من جانب آخر تعمل أجندات الجماعات الارهابية في خطابها على الغاء قصدي للآيات الرادعة لنزعة العنف والحرب والمقترنة بشروط ردع العدوان والدفاع عن النفس وعن أرض الإسلام وهي الآيات الأخرى الداعية إلى التعايش ومكارم الأخلاق والدفع بالتي هي أحسن والجنوح للسلم والإصلاح في الأرض واكرام اليتيم والمسكين واطعام الأسير والوفاء بالعهد والعدل وهي الجانب الأعظم من القرآن الكريم عدديا وتناهز عدد الآيات المتبقية ما عدا آيات القتال 6166 آية  بما نسبته من مجموع القرآن الكريم 98.87 بالمائة ،حتى ذكر الإمام ابن عاشور أنّ كل القرآن الكريم من اوّله إلى آخره كتاب إصلاح في الأرض انطلاقا من الذات إلى الأسرة والمجتمع والعالم لذلك تجمع المجامع العلمية الإسلامية المعاصرة أنّ الحرب أمر طارئ وليس قاعدة التقاء بين الإسلام والآخر وهو نفس منهج الإمام أبو حامد الغزالي حجّة الإسلام في مصنّفه الشهير ” إحياء علوم الدين” بأن جعل القرآن الكريم كتاب اصلاح للنفس والمجتمع وليس كتاب حرب وترهيب.

ومن هنا يتبين أن خطابات الجماعات الإرهابية تعمد إلى منهج انتقائي في تعاملها مع نصوص الوحي تكريسا لمنطق مخالف لفلسفة الإسلام في بناء العلاقات البشرية بين المجتمع المسلم ومع الآخر غير المسلم بوجه عام ، وما يزيد في فضح هذا المنهج ما كشفته الدراسة التحليلية التي قام بها مركز كارتر لأكثر من 256 فيديو قام التنظيم الإرهابي داعش بتنزيله بين سنتي 2014  و2015 والتي قام فيها التنظيم بتوظيف مفضوح لآيات بعينها وسور دون آخرى والأكثر من ذلك أن داعش يميز جيّدا بين الآيات المكيّة والآيات المدنية في بناء خطابه .

بروباغندا التجنيد وتوظيف القرآن لدى داعش :

كشفت الدراسة الصادرة عن مركز كارتر أن استغلال الآيات القرآنية في أجندة الاستقطاب  لدى داعش  يراد منها اكساب التنظيم الشرعية الدينية والتاريخية لما يعتبره دولة الخلافة حيث قام المركز بتحليل 256 فيديو نشرها التنظيم على مدى 12 شهرا بين جويلة 2014 وجويلية 2015 نشر 30 بالمائة منها في مؤسسات اعلامية عالمية (كقناة الحياة وقناة الفرقان..) بما يعادل 78 فيديو مقابل 178 فيديو نشر في قنوات محلية في المحافظات التي يسيطر عليها التنظيم المتطرّف وهو ما يعادل 70 بالمائة من عدد التسجيلات  وقد قام مركز كارتر بفهرست الآيات الواردة في هذه الفيديوهات وتقسيمها إلى آيات مدنية ومكيّة بما يحدد بدّقة نوعية الخطاب الديني الذي يصنعه داعش ويروّجه .

وهنا تنكشف استراتيجية التنظيم في توظيفه لآيات القرآن الكريم بتركيز كبير على الآيات المدنية التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلّم  في مراحل متقدّمة من تاريخ الدعوة الإسلامية في المدينة وتظمنت نصوص تشريعية تتطرّق إلى الحياة الاجتماعية والسياسية في مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية وبداية فرض المسلمين انفسهم كقوّة اقليمية تردع من يتعرّض لها بالظلم والعدوان بعد سنوات الدعوة الأولى التي انتهكت فيها حريات المسلمين وحقوقهم  وهي ظرفية زمنية تحددها أسباب نزول الآيات وحيثيات تطور العلاقات السياسية والاقتصادية بين المسلمين وبقية القبائل الأخرى المعادية لهم في منطقة الحجاز.

وللتفصيل أكثر فإن الدراسات القرآنية تؤكّد أن الآيات المكّية  تمثّل ثلثي الآيات القرآنية مجتمعة على الأقل وعدد السور المكّية86 سورة تتصف بكونها آيات عقائدية وفيها قصص الأنبياء وعبرها وتحذر وتبشر وترهب وتتميز بالوضوح والاقناع مقابل 28 سورة مدنية وتتضمّن التشريع وسنّ القوانين والتحريض على القتال لمن أراد أن يقاتل المسلمين ويحول بينهم بين حقوقهم وحرياتهم و تبليغهم للرسالة وهو تكمن أهمية علم أسباب النزول لدى العلماء افيما عدده الإمام الزرقاني في7 فوائد على الأقل في كتابه مناهل العرفان في علوم القرآن وتضمّنت (معرفة حكمة الله على التعيين ،الاستعانة على الفهم ودفع التوهّم وتخصيص الحكم بالسبب ،ومعرفة سبب النزول الخارج عن الحكم ، معرفة ما نزل على وجه التعيين وتسهيل الفهم) .

وقد كشفت دراسات سابقة لتحليل بروباغندا التجنيد أن إستراتيجيات الاستتقطاب لدى القاعدة على سبيل المثال كانت تستهدف العناصر الأقل إلماما بالدين وهي نفس استراجية داعش تماما حيث كشفت جداول التجنيد لهذا التنظيم والتي وقع تسريبها أن نسبة 70 بالمائة من المجندين مستوى المامهم بالدين والشريعة بسيط ومتدني جدا ،بما يعني أن التنظيمات الارهابية تعتمد أسلوب المراوغة والإيهام في تبنيها وتوظيفها للآيات القرآنية وتستهدف أكثر الناس بساطة في الالمام أو حتى الاطلاع على الإسلام ليكون بعد ذلك من المعقول جدّا انه في سنة 2015 بينت دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية ان 40 بالمائة من المعتقلين بتهمة الانضمام لداعش اعتنقوا الإسلام حديثا ومنذ فترة وجيزة فقط.

وقد تبين من خلال الدراسة التي نحن بصدد تحليلها والصادرة عن مركز كارتر أن داعش تبني تصورا قرآنيا للعالم وفق هواها وبانتقائية تتلاعب بالنصوص بما يخدم اهدافها السياسية والدموية أوّلها أن التنظيم قام  بتوظيف الآيات المدنية ضعفي الآيات المكيّة فمن جملة 256 فيديو للتنظيم استخدم داعش 151 آية مدنية مقابل 78 آية مكّية وهو ما يعني ضرورة ان التنظيم يستثمر رمزية مرحلة التأسيس للمجتمع الاسلامي الأول بثقله الرمزي والوجداني في الضمير الجمعي للأمّة .

12

كما ان داعش تستخدم عددا محددا من الآيات وتعمل على تكريرها بصفة متواصلة وتحبّذ في ذلك سورا بعينها وخاصّة منها  السور المدنية التي نزلت في مرلحة الحروب التي خاضها المسلمون ضد أعدائهم من المشركين وأهل الكتاب وبداية التجهيز النفسي والديني  لمرحلة التمدد الحضاري على حساب الروم والفرس فضلا عن الآيات المتصفة بتفصيلات الشريعة الاسلامية كسور التوبة والأنفال والنساء والحج وآل عمران التي تتكرر بعض آياتها لتطغى على خطاب الاستقطاب بنسبة 57 بالمائة وفق الرسم التالي :

11

أمّا الآيات المكية التي تتكرر في خطابات داعش فهي لا تتجاوز 27 بالمائة من خطابات التنظيم في 257 فيديو نزل طيلة 12 شهرا ونجدها تركّز أكثر على سورتي يونس والأعراف على النحو التالي :

13

وهذا ما يحيل مباشرة إلى أنّ التنظيم الإرهابي داعش يستخم استراتيجية اتصالية ودينية تعتمد القرآن بكل دقة في الاختيار والاقتطاع لاضفاء مشروعية دينية غير متوازنة على مشروعه السياسي الدموي ليطرح علينا هذا التوظيف عديد الأسئلة التي تستفز كياننا كمسلمين وهي ماذا بقي لنا مما نحمله و تربينا عليه و قرأناه عن الإسلام ؟ ماذا بقي لنا مما رسخ في ذاكرتنا ووجداننا منذ نعومة أظافرنا عن ديننا ؟ ألم نقرأ في المدرسة ” أن المسلم من سلم الناس من يده و لسانه “؟ ألم يعلمنا المعلم ” أن الله جميل يحب الجمال “؟ ألم تعلّمنا سنفونية فلم الرسالة واختلاط وجه بلال الحبشي بلون الصحراء وهو يؤذن للصلاة أن الإسلام دين الإنسان أولا و أخيرا؟

وهي  أسئلة  عاطفية نعم وموغلة في تصوف طفولي  صغير على عتبات عالم مسكون بالعنف والقتل حدّ التوحش ؟ قد تبدو لنا الأسئلة هائمة في عالم تتكلّم فيه  لغة السلاح وتسوده أصوات المدافع ككابوس مرعب يغتصب مخيلة طفل يتيم ؟

لكنها أسئلة تطرح علينا سؤال جماعيا وهي  كيف لنا ان نجابه تلك الصور الدموية والمشاهد الفضيعة للقتل والحرق والتدمير التي يمراسها الإرهاب إلا بوقوفنا صادقين أمام محراب أنفسنا وذاكرتنا ووجداننا فنحن لا نستطيع ان نطرد أنفسنا من الإسلام ولا يجب ولا يمكن قطعا ،بل نحن مطالبون بتجديد وعينا به أمام حملات هدم الوعي الممنهج التي يقوم بها مصاصوا الدماء وعاشقوا قطع رقاب البشر باسم الإسلام باطلا تزويرا وبهتنا.

فالضربات الرمزية التي يتلقاها الإسلام اليوم من أدعياء الدفاع عنه والقتال باسمه أكبر من أن تحصر دلالتها وتحدد عواقبها حد اللحظة لكنه من المؤّكّد أن مليارات البشر يراقبون هذا الكابوس العائم في أرضنا والغارق في دماء البشر حد الحنجرة لم يرحم كبيرا و لا صغيرا ولا شجرا و لا حجرا وطالت سكاكينه رقاب مختلف الأجناس والأديان والمذاهب بعدما استباحة آلة تدميره  أجساد العرب والمسلمين ، فالإرهاب كالجريمة تماما  لا يراعي اختلافا في اللون و العرق والمذهب و الدين فكل الناس اليوم سواء امام مقصلة الإرهاب بأبرع آلات التصوير و أكثر عمليات الإخراج السنمائي حرفية في صنع مشاهد القتل أو في صنع مشاهد التدمير الرمزي للإسلام بتوظيف القرآن الكريم بتلك الصورة المشوّهة والانتقائية أمام صمت المسلمين وعجزهم عن مجابهة ما يحدث.

 

المصدر: الوطن الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق